1700 حالة بتر... إذا لم يتوافر العلاج في غزّة

49 في المئة من الأدوية غير متوافرة في مستودعات وزارة الصحة

تعبّر الأمم المتحدة عن تخوّفها من نقص تمويل القطاع الصحي في قطاع غزّة (أحمد حسب الله)

يتحسّس أحمد بيده سيخ البلاتين الخارج من بين اللحم في ساقه، يتجرّع الألم بمرارة، ويستند بقوّة إلى عكازه، ثمّ بصعوبة يهمّ بالوقوف، ليذهب صوب صندوقٍ صغيرٍ خصّصه لعلب الدواء، لتناول حبّة المسكن التي حان وقتها بحسب الوصفة الطبية.

على هذه الحال يمضي المصاب أحمد الشيخ (29 سنة) يومه، منذ أنّ تعرض لإصابة برصاص جنود الجيش الإسرائيلي أثناء مشاركته في مسيرة العودة بالقرب من الحدود الفاصلة بين قطاع غزّة وإسرائيل. وأسفر العيار الناري الذي أصاب قدمه اليمنى عن جرح عميق يفوق 15 سم، وأضرّت بعظام قدمه.

مضى على إصابة أحمد أكثر من 7 أشهر، ولم يتماثل جرحه للشفاء، على الرغم من مكوثه أكثر من مرّة في مستشفيات وزارة الصحة، لتلقي العلاج وإجراء عمليات جراحية لإصابته التي وصفها الأطباء بالخطيرة.

"دائماً ما يصف الأطباء حالة قدمي بالحرجة، وإذا لم أتلقَ العلاج المناسب، في فترة أقصاها شهر، وتُجرى العملية الجراحية المطلوبة، ستُبتر قدمي"، يقول أحمد الذي شارف على فقدان الأمل في تمكنه من السير على قدميه مرّة أخرى كما كان قبل إصابته.

ويرجع سبب عدم تماثل أحمد للشفاء، إلى حاجته إلى إجراء عمليات جراحية متقدمة، لكن نقص العلاج والتحضيرات المناسبة لدى وزارة الصحة الفلسطينية في غزّة حالا دون استكمال علاجه.

تخوف أممي

وتعبّر الأمم المتحدة عن تخوّفها من نقص تمويل القطاع الصحي في قطاع غزّة، وأنّ ذلك ربما يعني إجراء عمليات بتر أعضاء لنحو 1700 شخص ممن أُصيبوا برصاص الجيش الإسرائيلي خلال مسيرات العودة وكسر الحصار، بحسب منسّق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية جيمي مكغولدريك.

ويبيّن مكغولدريك أنّ 29 ألف فلسطينيّ أصيبوا في احتجاجات في العام الماضي، منهم 7 آلاف بأسلحة نارية معظم إصاباتهم في الجزء الأسفل من الساق، ويحتاج أكثر من 1700 شخص منهم إلى جراحات معقدة وعاجلة لإعادة بناء العظام حتى يتمكنوا من المشي مجدداً، ومن دونها سيواجه هؤلاء الناس خطر بتر أطرافهم.

ووفق أحدث إحصاءات حصلت عليها "اندبندنت عربية" فإنّ 136 مصاباً ضمن مسيرات العودة تعرضوا للبتر، منهم 122 حالة بتر في الأطراف السفلية، و14 آخرون في الأطراف العلوية، ويهدَّد أكثر من ألفين آخرين ببتر أطرافهم، نتيجة نقص التمويل اللازم لعلاجهم سواء بالعمليات الجراحية أو بتلقي الدواء المناسب.

وبحسب الإحصاءات، فإنّ أعداد المصابين الذين وصلوا إلى مستشفيات وزارة الصحة الفلسطينية يفوق 17 ألف فلسطيني، من بينهم ما يزيد على 8 آلاف في الأطراف السفلية، وأكثر من ألفين في الأطراف العلوية، ونحو ألف ونصف في الرأس والعنق، والبقية في مناطق البطن والحوض، والصدر والظهر.

الإصابات في الأطراف السفلية

وبحسب متابعة منظمة الصحة العالمية وأطباء بلا حدود، إلى جانب وزارة الصحة، فإنّ معظم الإصابات التي تعرّض لها المواطنون في مسيرات العودة، تتركّز في الأطراف السفلية، وما يؤشر إلى أنّ الجانب الإسرائيلي تعمّد إلحاق الضرر بالمشاركين.

ويتقاطع ذلك مع التقرير الأممي الأخير الذي ينذر بكارثة بحق المصابين في أقدامهم، وأنّهم عرضة للبتر، إذا لم يدعّم القطاع الصحي في غزّة.

وبحسب مسؤول لجنة توثيق الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، عماد الباز، فإنّ الجيش الإسرائيلي استخدم خلال محاولته تفريق المتظاهرين في مسيرات العودة عدداً كبيراً من الأسلحة المحرّمة دولياً، ومنها الغاز السام والرصاص الخارق المتفجّر، الذي قدّ يعرّض المصاب لبتر قدمه جراء تآكل العظام فيها، إثر الإصابة.

المنسّق الطبّي في منظمة أطباء بلا حدود محمد أبو مغصيب، يشير إلى أن المنظمة استقبلت أكثر من 6 آلاف مصاب في مسيرات العودة، حوالي 90 في المئة من إجمالي الإصابات كانت في الأطراف السفلية، حيث يوجد تمزّق في العضلات والأوعية الدموية واختفاء أجزاء كبيرة من العظام، ما يجعل المصاب يحتاج إلى بضع عمليات جراحية ترميمية، ليبدأ بالتماثل للشفاء.

فيما يلفت مدير مكتب منظمة الصحة العالمية في غزّة محمود ضاهر، إلى أن المصابين يحتاجون إلى أكثر من عملية جراحية معقّدة ليتماثلوا للشفاء، ولكن نقص الإمكانات والتمويل اللازم يحولان دون ذلك، ويجعلهما عرضة للبتر، في ظلّ منع السلطات الإسرائيلية تحويل عدد من المصابين لتلقي العلاج في الخارج.

إحصاءات مسيرة العودة

وقتل الجيش الإسرائيلي في مسيرة العودة المستمرة منذ 59 أسبوعاً ما يزيد على 270 مشاركاً، من بينهم 54 طفلاً، و6 نساء، ومسنٍ، فيما أصيب نحو 30 ألف فلسطيني، منهم 16 ألفاً وصلوا إلى مستشفيات وزارة الصحة في غزّة.

من بين الإصابات، ثلاثة آلاف طفل، ألف امرأة، وأربعة آلاف مسنٍ. ومن إجمالي 16 ألفاً، سجّلت الصحة 500 حالة خطيرة، و7 آلاف متوسطة، مع تعرّض أكثر من 6 آلاف منهم للإصابة بالرصاص الحيّ، وقرابة 9 آلاف بالرصاص المطاطيّ، والبقية توزعت ما بين الاختناق والانفجار والشظايا.

20 مليون دولار للعلاج

ووفق التقديرات التي حصلت عليها "اندبندنت عربية" فإنّ القطاع الصحي يحتاج إلى 20 مليون دولار أميركي لعلاج مصابي مسيرات العودة وإنقاذ أطراف 1700 حالة مهدّدة بالبتر، في حين تحتاج مستودعات الصحة سنوياً إلى أكثر من 40 مليون دولار لشراء الأدوية الناقصة على المرضى.

ومن الممكن أن يتلقّى المصابون العلاج في الخارج، لكن إسرائيل تمنعهم من مغادرة القطاع تحت ذريعة المنع الأمني، وبحسب المعلومات فإنّ 25 ألف شخص يطلبون سنوياً العلاج خارج غزّة، تسمح إسرائيل لأقل من 60 في المئة منهم بالسفر.

المزيد من العالم العربي