Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حصن سليمان... إعجاز أحالته الدهشة إلى الميثولوجيا

جاءت التسمية انطلاقا من معتقد ديني بعيدا عن الحقائق التاريخية والشواهد الملموسة

يتركز حصن سليمان في وهد جبلي محاط من جميع جهاته بالمرتفعات (موقع دليل صور سوريا)

يُعد "حصن سليمان"، واحداً من أهم عشرة مواقع أثرية في الشرق الأوسط، بعد "قلعة بعلبك" و"قلعة تدمر"، باعتباره من أضخم المواقع التاريخية، تتردد هذه العبارة في مراجع تاريخية عدة على ألسنة خبراء الآثار، كما تتكرر كثيراً في الأبحاث التراثية. وربما ستوضح السطور التالية مدى قرب هذا التوصيف من الحقيقة.
يتركز حصن سليمان في وهد جبلي، محاط من جميع جهاته بالمرتفعات، أهمها قمة النبي صالح، في موقع كان يُعد قديماً ممراً مهماً بين الداخل والساحل في سوريا، وتؤكد الدراسات التاريخية في غالبيتها أن "الحصن" كان قديماً معبداً لبعل وعشتروت، وكان تابعاً لجزيرة أرواد الفينيقية التي ضمت حضارات عدة، حيث كان الوصول إلى المعبد لتقديم النذور يبدأ برحلة بحرية للوصول إلى الشاطئ، تليها رحلة برية طويلة لعبور مجرى يُعرف اليوم باسم "نهر قيس" الذي يشق طريقه في وديان وسهول وقرى المنطقة.

ويُعتقد أن البناء الحالي بمعظمه يعود إلى العصر الروماني، في الفترة الممتدة بين القرنين الأول والثالث ق.م خلال حكم الإمبراطور سبتيموس سفيروس، وكان مخصصاً لجوبتير بايتوسيه Jupiter Baetocece، الذي يوازي الإله زيوس عند اليونان.
 

النبي كيكي

عندما لجأ الآراميون إلى موقع الحصن بنوا فيه معبداً سموه "بيتو كيكي"، وهنا يقول المهندس والمتخصص في علم الأبيغرافيا "ملاتيوس جغنون" إن "الآراميين السوريين كرسوا هذا الصرح الديني المهم للإله الذي كان "النبي كيكي" يبشر بعبادته وهو العلي رب السماوات، وهذا يدلنا على أن النبي كيكي كان شخصاً حقيقياً عاش في أوائل الألف الأولى قبل المسيح وكان على درجة من الحكمة والصلاح والطاقات الروحية إلى حد أنه تنبأ بوجود إله أعظم، إضافة إلى النبي متى والنبي يونس اللذين أُطلق اسماهما على قمتين في سلسلة جبال الساحل قرب صلنفة، كما يُتداول اسم النبي مندو، ويحمل اسمه أحد المواقع قرب بلدة القصير، والنبي هود الذي تحمل إحدى بوابات مدينة حمص القديمة".

ميثولوجيا جن سليمان

ترجع التسمية الحالية، "حصن سليمان"، إلى اعتقاد أبناء المنطقة بصعوبة بنائه بأيدي البشر، بخاصة في ما يتعلق بحجارته، نوعيتها، حجمها، ووزنها، واستحالة حملها ونقلها وتنسيقها بواسطة بشر، فالحجارة المستخدمة في البناء يتجاوز وزن بعضها السبعين طناً بأبعاد ضخمة جداً 10×2.7×1 متراً. إن بناءً كهذا يحتاج إلى تطويع قوى تفوق البشر.
ودفع ذلك الأهالي إلى نَسب بناء الحصن إلى جن سليمان وسموه باسمه "حصن سليمان"، بخاصة وأن النبي سليمان، الذي وهبه الله ملكاً وسخر له الجن، اشتهر في القصص القديمة في تسخيره الجن لبناء القصور والأبنية الضخمة، وأسهم بحسب الروايات في بناء وعمران المجتمع آنداك، فقد اعتُبر في كتاب التوراة ملكاً لأعظم ممالك المشرق وشهد عصره طفرة عمرانية، كما ورد في الآيات القرآنية "وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ"، "يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ".
إذاً جاءت التسمية انطلاقاً من معتقد ديني، بعيداً عن الحقائق التاريخية والشواهد الملموسة، إذ لم يعثر علماء الآثار على أي دليل ملموس يثبت صحة هذا الاعتقاد.


عمارته

يتألف المجمع المعماري من كتلتين متباعدتين الأولى هي الملحق ويسمى "الحرم الصغير" أو مذبح الهواء الطلق ويتجه من الشمال إلى الجنوب، والثانية كتلة المعبد أو "الحرم الكبير" ويتجه على محور شمال شرق - جنوب غرب، وكان مكرساً للإله زيوس، يحيط به سور لم يُصمم لغرض دفاعي، إنما للإشارة إلى أن المنطقة مخصصة للاحتفالات وخاضعة لتشريعات خاصة (تيمينوس)، ويخترق كل ضلع من أضلاع السور بوابة، وكل البوابات مزينة بنقوش وكتابات وتماثيل.
ويقع الباب الرئيس في الواجهة الشمالية الشرقية ويعلوه ساكف يزينه أفريز منقوش بزخارف نباتية ويعلوه قوس صغير، ويوجد على جانبي الباب بوابتان أصغر حجماً، ومحرابان صغيران على شكل صدفة، إذ تُعتبر الصدفة بحسب الأسطورة مسكن فينوس.

يحمل ساكف البوابة في سقفه لوحة رمزية منحوتة لطائر مقدس باسط الجناحين، يعتقد أنه رمز لإله الشمس عند الرومان، على يمينه ويساره نحت رمزي لطفلين ممتلئا الجسم يمثلان "نجمة الصبح" و "نجمة المساء" تنبعث منهما أشعة باتجاه الطائر، وهذه اللوحة نسخة عن مثيلتها الموجودة في معبد باخوس في بعلبك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


النقوش

تحوي واجهة البوابة الشمالية الشرقية على وثيقة مهمة عبارة عن رسالة مكتوبة باللاتينية واليونانية، زودنا البروفيسور ملاتيوس جغنون بالنص الأصلي والنص المترجم حصرياً من قبله، تتضمن المُقدمة المنقوشة باللاتينية رسالة وجهها كل من الإمبراطور فاليريانوس (فاليريان) Valerianus والإمبراطور غالينوس Gallienus والإمبراطور سالونينوس لحاكم سوريا الروماني في تلك الفترة يؤكدون فيها احترام الامتيازات القديمة التي قدمها الملوك له، والتأكيد على وجوب بقائها دون المساس بها.
أما المتن، فمكتوب باليونانية القديمة، وفيه رسالة من الملك انطيوخوس أحد ملوك السلوقيين، وتأكيد ذكر اسم الإله البيتو خيخي. كذلك يحوي ساكف البوابة الشرقية نقوشاً تأريخية، عبارة عن سطرين واضحين باليونانية القديمة، يؤرخان بناء هذا المعبد، ترجمتهما "إلى إله البيتو خيخي، أنشأ الوقافون من خاصة مالهم هذا المعبد في عام 482 بالتقويم السلوقي (171م) في دور الإمبراطور ماركوس أوريليوس".

المعبد

ويقع المعبد في وسط صحن الحرم الكبير متربعاً فوق مصطبة، ويبدو واضحاً تهدم الجهة الشمالية بشكل بالغ جراء الزلزال الذي ضرب المنطقة، وكذلك قسم كبير من الجهة الشرقية، بينما لا تزال الجهتان الجنوبية والغربية محافظتين على بعض ملامحهما. ويتقدم المعبد رواق محمول على أعمدة، ويتطلب الوصول إلى أعلى المعبد صعود الدرج بين ركام الأحجار المتهدمة.
أما بالنسبة إلى الأعمدة، فهي أيونية تظهر من الخارج على شكل نصف أعمدة ملتصقة بالجدار الخارجي. ويشبه تصميم المعبد تصميم العديد من المعابد الموجودة في سوريا ولبنان، فضلاً عن أن النموذج الأيوني لتيجان الأعمدة مشابه لنماذج تيجان الأعمدة في معبد جرش في الأردن.


تقنية البناء

تعتمد التقنية المستخدمة في بناء الكتل وجدران السور على ما يُسمى juxtaposition of blocks أو التجاور الدقيق للكتل الحجرية، بوضعها بجانب بعضها البعض دون الاستعانة بالتقنيات التي طورها المهندسون الرومانيون آنذاك، سواء بتدعيمها بأقواس أو باستخدام الآجر (الطوب المحروق الحراري) أو الملاط (المونة).
وكذلك طُورت هذه التقنية في القرنين الرابع والخامس في مواقع أخرى في سيرجيلا في إدلب وغيرها من المواقع في شمال سوريا.

المزيد من منوعات