سباق خليجي لجذب الاستثمارات الأجنبية وسط تعزيز التنوع الاقتصادي

خطط طموحة في السعودية والإمارات ومطالبات بتسريع الإصلاحات في سوق العمل والتنافسية

أحد المتعاملين في البورصه السعوية يتابع مؤشرات صعود الأسهم (رويترز)

تنفذ دول مجلس التعاون الخليجي الست الغنية بالنفط خططاً طموحة نحو تعزيز استثمارات الأجانب على أراضيها، عبر تقديم حوافز غير مسبوقة وإتاحة قطاعات للتملك بنسبة 100%، بعد أن كانت حصراً على الحكومات والمواطنين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال خبراء ومحللون اقتصاديون لـ"إندبندنت عربية" "إن السعودية والإمارات ستكونان الأكثر حظاً من التدفقات الأجنبية القادمة للخليج بحصة تصل لنحو 80% مع إقرار إصلاحات ضخمة على صعيد التشريعات فضلا عن إتاحة الفرص الجيدة ذات الربحية المرتفعة".

ويضم مجلس التعاون الخليجي 6 دول هي (السعودية، والإمارات، والكويت، والبحرين، وعمان، وقطر) والتي تعتمد على النفط كمصدر رئيسي للدخل القومي.

وفي تقرير صادر عن البنك الدولي مطلع شهر مايو (أيار) الحالي، ذكر "أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المنطقة كانت أقل مما شهدته الأسواق الصاعدة الأخرى"، مضيفا "أن البنود المتبقية في أجندة الإصلاح تشمل تيسير ملكية الأجانب للشركات، وتقليص الحواجز غير الجمركية، إضافة إلى إصلاحات بيئة الأعمال".

وتوقع  ارتفاع معدل النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي إلى 2.1% في 2019، مقابل نحو 2% في 2018، ثم يرتفع إلى 3.2% بالعام المقبل، مشدداً على أن تحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة، يتطلب من دول الخليج الاستمرار في مساندة تدابير ضبط أوضاع المالية العامة، وتنويع النشاط الاقتصادي، والنهوض بخلق الوظائف بقيادة القطاع الخاص، لا سيما للنساء والشباب.

أما في تقرير لصندوق النقد الدولي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي،  فقد أشار إلى أن تنويع الاقتصاد سيكون له أثر كبير على النمو في مجلس التعاون الخليجي، بدعم من زيادة الانفتاح التجاري والاستثمارات الأجنبية.

وقال  "إن دول المنطقة منفتحة للتجارة، ولكنها أقل انفتاحاً بكثير للاستثمار الأجنبي المباشر، فهي تواصل التوسع في التجارة الخارجية، لكن التدفقات الداخلة من الاستثمار الأجنبي المباشر تباطأت في السنوات الأخيرة رغم الجهود المبذولة على صعيد السياسات لتخفيض الحواجز الإدارية وتقديم الحوافز".

في الوقت ذاته يرى الصندوق ضرورة العمل بقيام إصلاحات على صعيد سوق العمل بما يدعم تحسين الإنتاجية وزيادة القدرة التنافسية للقطاع غير النفطي، مع تنمية رأس المال البشري بالاستمرار في تنفيذ استثمارات ترفع جودة التعليم للنهوض بالمعرفة وتعزيز المهارات.

وضمت التوصيات ضرورة إجراء إصلاحات بمناخ الأعمال بدول المنطقة من خلال التركيز على تحقيق تقدم أكبر في تخفيف القيود التي تفرضها القواعد التنظيمية على الملكية الأجنبية، وتعزيز حوكمة الشركات، والتركيز على إلغاء المزيد من الحواجز غير الجمركية على التجارة عن طريق التبسيط والتشغيل الآلي للإجراءات الحدودية، وتبسيط العمليات الإدارية المطلوبة لإصدار التصاريح.

تخفيف القيود

إلى ذلك قال الخبير الاقتصادي وضاح الطه "إن هناك أكثر من محور تعمل عليه دول الخليج أهمها تهيئة التشريعات بحيث تناسب الخطط الطموحة لجذب الاستثمارات الأجنبية، لافتا إلى أن دول المنطقة بدأت منذ فترة في تخفيف القيود على الأنشطة الاقتصادية الحصرية على الحكومة والمواطنين وفتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي لاسيما بمجالات التنقيب عن النفط والغاز والتكنولوجيا".

وأشار  إلى أن "هناك قفزة في تسلسل دول المنطقة بمؤشرات جذب الاستثمارات عالميا تأتي بمكانة متقدمة خاصة السعودية والإمارات"، وتوقع "أن يكون اقتصاد السعودية الأكثر جذباً للاستثمارات الأجنبية من بين الدول الست خاصة في قطاع النفط والبتروكيماويات والتكنولوجيا، كما أن رؤية السعودية 2030 تتيح دوراً  كبيراً للتدفقات الأجنبية في تنشيط النمو الاقتصادي".

ونوه  على "الدور المهم للاستثمارات الأجنبية في تحفيز النمو لاقتصادات المنطقة الغنية بالنفط".

أسواق ناشئة

من جانبه قال الخبير الاقتصادي محمد رمضان "إن دول الخليج تعتبر من الأسواق الناشئة بشكل عام، وقد تأثرت بنحو بالغ بعد الأزمة المالية العالمية، وهربت رؤوس الأموال الأجنبية، لأنها تعتبر أسواقاً ناشئة، شديدة الخطورة، تتأثر كثيراً بتقلبات أسعار النفط، إلا أن الإمارات كانت الدولة الوحيدة خليجياً التي حافظت على تدفقات جيدة رغم الأزمة".

موضحا أن "هناك عوامل داخلية مثل الأنظمة والتشريعات والاستقرار السياسي والأمني، وأخرى خارجية كسعر صرف الدولار خاصة أن دول الخليج تربط عملتها بالدولار الأميركي فحين ينخفض الدولار تكون أكثر جذبا للاستثمارات والعكس صحيح".

وفي الشأن ذاته  يشير "أن التدفقات الأجنبية شهدت انحدارا شديدا، وتفاقم هروب رؤوس الأموال الأجنبية مع هبوط أسعار النفط في 2014 من مستويات 120 دولار للبرميل لمستويات 27 دولار".

وأوضح "أن المستثمر الأجنبي القادم لمنطقة الخليج ينظر إلى أسعار النفط التي تعد المصدر الرئيسي للدخل ويتحدد معها مدى القدرة على تمويل مشروعات البنية التحتية".

في جانبر آخر يرى  أن "دول المنطقة أيقنت أهمية الاستثمار الأجنبي ودوره في دعم النمو الاقتصادي مما تطلب معه تغير بعض المفاهيم، وإتاحة الفرص الجيدة خاصة في استخدام المناطق الاستراتيجي وتحويلها إلى مشروعات جاذبة، كمدينة نيوم في السعودية، ومدينة الحرير وجزيرة بوبيان في الكويت".

وأضاف "أن الكويت بالوقت الراهن لا تعتمد على الاستثمارات الأجنبية في دعم اقتصادها، وتعد أقل دول المنطقة جذبا للتدفقات الخارجية إلا أنها تطمح لدور كبير الأجنبية لتمويل مشروعاتها الاستراتيجية بالمستقبل".

سياسات الإصلاح

أما إياد أبو حويج، المدير العام لشركة الشركاء المتحدون للاستثمار ومقرها الإمارات، فيشير إلى  "إن دول الخليج تطبق سياسات الإصلاح بقوة لمعالجة أزمة التنوع الاقتصادي".

وأضاف "إن سياسات الإصلاح تعتبر بمثابة إشارات لتوقعات إيجابية لدول المنطقة، مبينا أن كل دولة من تلك الدول تمر بمراحل مختلفة من حيث تنفيذ الإصلاح، متوقعا نجاح تلك السياسات في استيعاب المخاطر الناجمة تقلبات الاقتصاد العالمي وتجنب الاضطرابات السعرية للنفط".

أما بالنسبة  للأجانب فيرى أنهم " دائما يفضلون الاستثمار بالدول الأكثر حوافزَ خاصة في الأسواق الناشئة، وفي بيئة تنافسية ذات ربحية عالية، لافتا إلى أن المنافسة الكبيرة بين دول المنطقة لجذب الاستثمارات سيكون لها مردود على جودة الخدمات المقدمة مع تحسن كبير بالنتائج الاقتصادية".

وبالنسبة للقطاعات الجاذبة للاستثمار بالمنطقة، أوضح حويج "أنها تتضمن قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والسلع الأساسية للمستهلكين والخدمات المالية والمصرفية والعقارية".

ورجح أن "تكون الإمارات هي البلد الأكثر حظًا، فيما يتعلق بتدفق الاستثمارات الأجنبية بين دول الخليج مع استهدافها تحقيق معرض إكسبو دبي 2020 الدولي رقماً يزيد على 100 مليار درهم من الاستثمارات الأجنبية المباشرة".

كما أكد  "أن دولة الإمارات تشهد تدفقات استثمار أجنبي مباشر على مدار عقد من الزمن، وهذا يأتي نتيجة للسياسات الصديقة للمستثمرين التي تروج لها دولة الإمارات".

التشريعات اللازمة

أما أرون ليزلي جون، رئيس الباحثين لدى سنشري فاينانشال، إن "تنويع الإيرادات الاقتصادية لدول الخليج بعيداً عن النفط الخام أصبح هدفاً استراتيجياً، وتتحرك سريعا لتحقيقه، إلا أنه لا يزال أمامها الكثير من التشريعات اللازمة لإزالة الحواجز التجارية، أبرزها إصلاح سوق العمل حيث يجب السماح للشركات بتعيين موظفين دون أي قيود وبأقل تكلفة، لافتا إلى أن بعض الدول في المنطقة تفرض رسوماً إضافية على جلب أسرهم، والتي تحول دون اجتذاب أفضل المواهب في العالم".

ويشير  "أن إصلاحات سوق رأس المال بالسعودية ساعدت على إدراج تداول في مقاييس عالمية مثل مؤشر فوتسي راسل وإم إس سي آي، وهذا وحده يمكن أن يجذب تدفقات أجنبية تصل إلى 20 مليار دولار هذا العام".

وفي دولة الإمارات، قال ليزلي جون "إن مجلس الوزراء وافق رسمياً على خطة تأشيرة مدتها 10 سنوات للمهنيين وأصحاب الأعمال، بالإضافة إلى تأشيرة التقاعد لمدة خمس سنوات والتي يجب أن تكون تغييرًا في اللعبة بالنسبة لصناعة العقارات".

ويوضح  بالقول  إلى "أن جميع القطاعات في دول الخليج ليست مفتوحة للاستثمار الأجنبي، ولا تزال الحكومات مثلا بالإمارات تحتفظ بقائمة سلبية حيث يتم تقييد المنافسة بسبب وجود شركات القطاع العام الوطنية".

مضيفا  "إنه يجب إزالة القيود المفروضة على المؤسسات الأجنبية، ويجب أن يكون هناك المزيد من القطاعات المفتوحة للمستثمرين الأجانب بحيث تؤدي المنافسة إلى كفاءة أعلى".

 وحول المنافسة في المنطقة  يجيب  "أنها مرتفعة للغاية إذ انتهجت كل الدول نفس السياسات والأهداف في وقت واحد، ولكن اللافت أن السعودية تقوم بإصلاحات هيكلية عميقة لتعزيز الآفاق الاقتصادية لأول مرة منذ عقود، مبينا أنها تعمل على إزالة القيود المفروضة على قطاع الترفيه، وهذا يجب أن يكون جاذباً للمستثمرين الأجانب".

وأشار إلى أن "السعودية تعد حالياً وجهة ساخنة للاستثمارات بسبب سوقها غير المستغلة إلى حد كبير، وإجمالي الناتج المحلي الضخم البالغ 686 مليار دولار، مما يؤهلها إلى جانب الإمارات للحصول على الحصة الأكبر بنسبة 80% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر القادمة للمنطقة".

المزيد من اقتصاد