Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عمر زكريا يروي صراعات النهضة التنويرية ومصير الشرق

"القرطبي يستيقظ في الإسكندرية" رواية تنطلق من القرن التاسع عشر

الروائي عمر زكريا (صفحة الكاتب على فيسبوك)

يختار الروائي  عمر زكريا لروايته الأولى مرحلة تاريخية موّارة بالتحولات، تكتنفها إشكالية لا حدود لها، تتحقق بها مغامرته الروائية. وحين نقول مغامرة فإننا نعني ما تتضمنه المفردة من معنى المجازفة، فهذا النص ينتمي إلى الترويكا الروائية، إذ يقف في وجه ضحالة الكتابة التي بات المتلقي العربي يعتادها، ظاناً أن كل نص موسوم بـ"رواية" ينتمي إلى فن الرواية حقاً، حتى لو كان بلا إشكالية، هذا القارئ ذاته لو أمسك برواية، رواية حقيقية سيُرهق لأن الانتقال من الضحل إلى العميق ليس مسألة سهلة، فثمة شكل من أشكال القراءة يشير إليه أمبرتو إيكو قائلاً، "هو طريقة للتجول في الغابة، لا تهدف للخروج منها بسرعة، ولا للعثور على منزل ذات القبعة الحمراء، بل لمعرفة كيف تتكون الغابة، ولماذا يفتح في وجهنا طريق دون آخر".

ينشغل نص "القرطبي يستيقظ في الإسكندرية" بمرحلة الحداثة العربية بوجوهها الثقافية والسياسية والاجتماعية، بالاتساق مع حركة الكتابة العربية بأشكالها السردية بخاصة، مثل المقالة والرواية والقص التاريخي، وبتطور أدواتها من الورق إلى أقلام الخزانات فالطباعة والتجليد، وذلك كله جزء من حركة التنوير العربية التي قادتها المجلات الثقافية نهاية القرن الـ 19 ومطلع القرن الـ 20.

تمتد جغرافيا النص بامتداد حركة المنورين الشوام وهجرتهم من حلب وطرابلس وبيروت إلى القاهرة والإسكندرية ونيويورك، وتأسيسهم المجلات التي كانت أدوات معرفية، ومسرحاً لصراع إيديولوجي اختصرناه بصراع النهضة والتنوير أو التأصيل والتغريب، لكن النص يسلط الضوء على زوايا أعمق، معرفية وفلسفية ودينية واجتماعية، منها انطلق شرخ هوياتي أنتج حداثة بلا جذور.

 يضيئ النص على الجدل الفلسفي الذي احتوته صفحات المجلات، وعلى التحدي النهضوي- التنويري، وعلى حساسية المسألة الدينية التي أنتجت الفكر العربي المعاصر، وحددت الحياة العربية المعاصرة أو مجتمع الهجنة.

يحتاج النص قارئاً نموذجياً بحسب إيكو أيضاً، يطمح لاكتشاف الطريقة التي يستعملها المؤلف النموذجي من أجل تسريب معلوماته قطرة قطرة، إذ سيصبر على التحديق في المرآة الموضوعة على حائط خامس في غرفة ليس لها شكل الغرف الهندسية المعتادة، في عمارة من عمارات الإسكندرية ذات الأدراج الخشبية، حيث مكتب الصحافي فرح أنطون صاحب مجلة "الجامعة" في العام 1902. سيظل فرح أنطون، المهاجر من طرابلس الشام مع أمه وأختيه، يفتل شاربيه محدقاً في هذه المرآة إلى أن يوقظ ابن رشد فيلسوف قرطبة، ويستعيده بوصفه رمزاً للفلسفة العربية التي جاءت بفصل الشريعة عن كل من الحياة المدنية والحقيقة. وهكذا يؤصل فرح أنطون عبر إحياء هذا الرمز فكرة العلمانية. يظل البطل المسيحي الأرثوذكسي في أزمة معرفية ووجودية إلى أن يكتب مقالته الأولى في سلسلة المقالات التي ستصنع سجالاً بينه وبين كل من مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده ورشيد رضا صاحب "المنار"، حتى يصير لدينا مدونة ثقافية مهمة تشير إلى ديناميكية المرحلة وصداقاتها وخصوماتها المعرفية التي يحترم كل فيها عقل الآخر ويفند رأيه بالحجة.

استعادة ما هو لنا

إن قصة الرواية هي قصة مقالة "كاتبها لم يكن فارساً متوشحاً سيفه ولا زعيماً سياسياً أو عسكرياً مؤثراً في المصائر"، لكنه شاب في الـ 28 من عمره، وصل حد الإجهاد وقارب الموت في سبيل الكتابة، وقرر الدفاع عن الفلسفة العربية أو "استعادة ما هو لنا"، كما يشير في النص، ممثلاً بابن رشد القرطبي وذلك لفتح باب التفلسف العربي على الرغم من مجازفته بمواجهة المؤسستين الدينيتين الإسلامية والمسيحية، إذ رأى محمد عبده أنه يدعو لذلك مقتفياً أثر رينان مؤلف "ابن رشد والرشدية"، لتعود المسألة فتتخذ مواجهة التأصيل والتغريب. حملت المقالة التي صارت كتاباً لسلسلة من المقالات بينه وبين الشيخ محمد عبده ورشيد رضا عنوان "تاريخ ابن رشد وفلسفته"، وتبعته سلسلة "الاضطهاد في المسيحية والإسلام"، وكان ما أثقل نفسه وجرحه هو تأويل كل من محمد عبده ورشيد رضا رغبته على أنها موقف ديني.

لا شك في أن أزمة فرح أنطون أزمة نسقية مزدوجة، فهو خارج على نسقين في معركته، أزمة مع مفتي الديار ممثل الإسلام من جهة، وأزمة مع النسق الثقافي الديني المسيحي الأرثوذوكسي الذي ينتمي إليه، وهو ما سبب له شقاقاً مؤلماً مع والدته كريمة مالك اليازجي التي هاجرت معه بعد موت والده إثر إفلاس تجارة الخشب في طرابلس، وموت أخيه بالتيفوئيد.

يدخلنا عمر زكريا عالم المهاجرين الشوام إلى الإسكندرية من باب المقهى، ولعل هذا الشطر من حياة الشوام في مصر جزء مهم من تاريخ الجغرافيا التي طالما هوت إليها الأفئدة، وكانت أم البلاد وغوثاً لأهل الفكر والقلم والفن. سيقودنا التجول في شوارع الإسكندرية وعلى أرصفة مينائها إلى المكتبات وعربات بيع الكتب القديمة وإلى بكورة الحداثة، ولحظة الاحتلال الإنجليزي، مثلما سيقودنا كتاب لآخر، "ابن رشد والرشدية" لإرنست رينان، و"فصلت المقالة ما بين الشريعة والحكمة من اتصال وتهافت الفلاسفة" للغزالي و "تهافت التهافت"، لابن رشد.

يحملنا النص أيضاً إلى صراعات النخبة التي ستصنع مصير هذا الشرق، نقولا حداد، ويعقوب صروف صاحب المقتطف، وجرجي زيدان صاحب الهلال، وبشارة تقلا صاحب الأهرام، وشبلي الشميل الذي يكتب في الهلال أيضاً، وإبراهيم اليازجي صاحب مجلة الضياء، وسنشهد شيئاً من معارك أهل الفصيحة وأهل العامية، وسنتعرف إلى أزمة الجامعة الأميركية في بيروت، والتي كانت تسمى الكلية الأميركية، حيث أُنتجت هذه النخبة، فمنها من كان في صف الأساتذة ومنها من كان في صف الطلبة في تخصصي الطب والصيدلة. سنتعرف عبر السرد الناقد إلى شطارة المستفيدين والمستعمرين والساسة في تحويل كل فكرة أو حركة معرفية إلى صراع ديني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يدور حوار عميق بين جرجي زيدان ونقولا حداد حول تمرد الطلبة للعام 1882، تتكشف فيه حقائق المرحلة، "لقد كان لهذه الأحداث تأثير على مفهومي الفضيلة والرذيلة عندي ولم تعودا بالبساطة التي صنفتهما قبل أيام الكلية، فقد ازداد الأمر تعقيداً علي خلال الاحتجاجات التي سرنا بها مطالبين بإبقاء الأستاذ إدوين لويس في منصبه كمدرس لمادة الكيمياء بعد ما حصل معه بسبب خطبته التي ذكر فيها نظرية داروين"، وسنكتشف مع الحوار أن الدكتور لويس هو الذي دفع يعقوب صروف الذي كان أستاذاً في الكلية إلى إنشاء "المقتطف" عام 1876.

لا يستثني النص في تتبعه كلاً من سيرة الصحافة العربية الحديثة وسيرة التنوير، سيرة المرأة الكاتبة أو الصحافية أو المدرسة عبر صوت روز أنطون صاحبة مجلة "السيدات والرجال"، والتي دعمت أخاها فرح أنطون في مجلة الجامعة من جهة، وفي مشروعه الفلسفي من جهة أخرى، سنرى هنا الوجه العائلي لحياة المهاجرين الشوام، وسنتابع هجرتها إلى نيويورك بعد زواجها من نقولا حداد.

 "مورفولوجيا" النص المكتوب

ذكر ميشيل بوتور مرة أن الروائي الذي لا يقلب العادات رأساً على عقب،  ولا يفرض على قارئه أي جهد خاص يلاقي نجاحاً سهلاً، لكنه يسهم في التعمية والتخبط، ليس للآخر المتلقي وحسب، بل يصبح هو جزءاً من العماء والجهل. كما أشار في الحديث ذاته إلى أن الابتكار الشكلي هو الشرط الذي لا غنى عنه لمزيد من الواقعية، والواقعية هي معرفة بالواقع. ومن هذين المنطلقين يمكن الحديث عن مورفولوجيا النص، إذ يعنى عمر زكريا بإخراج النص على الورق، لينقلنا إلى طريقة الكتابة في بواكير القرن الـ 20 مستعملاً الإشارة ذاتها التي استعملها فرح أنطون للفصل بين الفقرات أو وإنهاء المقالة، ويستعمل الخط ذاته الذي ترقم به الحروف، ويُعنى بأمر اللغة التي سيجدها المتلقي محاكية للغة مدونات الكتاب الشوام في بواكير القرن الـ 20، لكنه وصلنا بهم بلا تكلف، إذ مهد لنا الدخول إلى حواراتهم عبر العتبات التي خص بها كل فصل، والتي أنشئت من نصوص مقتطفة من المجلات والروايات والكتب المذكورة، وعبر الحوادث التاريخية الموثقة، وعبر الصورة التي تشكل المكان المتخيل. ويمكن للحظة وصول جرجي زيدان من بيروت في 1883 أن تختصر هذا التركيب المورفولوجي، "مصر في الفترة التي وصلنا إليها كانت قد خرجت حديثاً من وباء الكوليرا، ومن الثورة الوطنية التي قادها الأميرالاي أحمد عرابي فيما عُرف لدى المصريين بهوجة عرابي ضد الخديوي محمد توفيق نجل الخديوي إسماعيل، والتي انتهت بتدخل الإنجليز وقصف بوارجهم للإسكندرية، حيثُ أصبحوا بعدها الحـكام الفعليين لمصر".

يجسر النص المسافة بين المتلقي ومرحلة الحدث أيضاً بعتبة التقديم الرئيسة التي تفصل بين القصاص الذي شهد المرحلة، فاحتفظ ببعض تفاصيلها، وبين الراوي الذي ينقل بعض كلام القصاص، وبين الروائي الذي يؤكد لنا على أنه قادر على استعادة الغائب أو المغيب في القول أو التأويل، ولعل هذا هو أفق الرواية المبنية على كل من الوثيقة والخيال.

المزيد من ثقافة