Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نيروز مالك يروي العيش الممكن بين خرائب حلب

مأساة مدينة بين السيرة الذاتية والوثائق والتخييل السردي

مدينة حلب كما يراها الرسام مضري حسن إبراهيم (صفحة الرسام على فيسبوك)

أخلص الكاتب السوري الكردي نيروز مالك طويلاً للقصة القصيرة، منذ سبعينيات القرن الماضي، وقد بدأ بالقصة الطويلة الملتبسة بالرواية القصيرة (نوفيللا)، وهي"الصدفة والبحر" 1977 والتي ضمت قصتين. ومن مجموعاته القصصية "حرب صغيرة" – 1979 و"المغامرة السابقة" 1664. وكانت الرقابة منعت له "سبع قصص وحكاية"، ثم أقبل على الرواية ابتداء بـ "زهور كافكا" 1998. وكانت مدينة حلب، حيث مقام الكاتب، فضاء كتاباته، سوى رواية "فتى قيبار" التي حملت اسم قريته من أعمال عفرين التي تحتلها تركيا وتقوم بتتريكها منذ سنوات. وكانت الرقابة العتيدة في اتحاد الكتاب قد أعادت للكاتب مخطوطة روايته "الجد والحفيد" مع النصح بعدم تقديمها وإضاعة الوقت. ولست أنسى كيف اعتقل الكاتب أياماً بسبب نص كان قد أرسله إلى جريدة "الثورة"، فأحاله رئيس التحرير إلى الأمن.

في السنة الماضية صدرت لنيروز مالك ثلاث روايات، كتبها خلال سنوات الحرب. والروايات هي "وقائع الحرب اليومية" (دار ورد - عمان) و"سنوات خمس" و"ظلال الليالي"، والروايتان صدرتا عن دار ببلومانيا في القاهرة.

"وقائع الحرب اليومية" هذا هو عنوان الرواية الأولى، وقد صدرها الكاتب بملاحظة حول بنائها، فذكر أن بطل الرواية هو الحرب المستمرة منذ خمس سنوات على الأرض السورية، مما يعني أن زمن كتابتها هو سنة 2015. وقد علل الكاتب بطبيعة بطل الرواية، تكوينها من مجموعة معارك، وبعبارة أخرى، من مجموعة قصص وحكايات وشذرات الحرب.

جاءت الرواية في تناوب سريع بين ضميري المتكلم والمخاطب. والراوي في الضميرين كاتب يكتب قصصه، خروجه من السجن لأنه شتم القائد، النساء يهنئن زوجته بالخروج، شجيرة عطر الليل التي تركها شقيقه اللاجئ مع أسرته إلى ألمانيا، امرأته تحكي له حكاية الورد الجوري كما لو أنها جدة تحكي لحفيدها، قصة "عصي الدمع" عن سجين أُفرج عنه، الانفجارات والغبار والقذائف والنيران والأطفال الذين اختفوا وصفارات سيارات الإسعاف وصفير رصاصة والشارع الذي استحطبت الناس أشجاره والمشفى المدمر والبيوت المشلعة المنهوبة وبسطة لبيع المنهوبات وسيارة دفن الموتى والمقبرة والحاجز وبطاقة الكاتب التي يتفحصها الجندي والكومبيوتر واللقاء العابر مع لمياء بعد خمس سنوات من نزوحها إلى تركيا وعودتها الآن كرمى لجواز السفر.

مقهى الكاتب

تحت عنوان "مجنون"، تأتي قصة هاني حميد الذي اعتقل تسعة أشهر في أول مظاهرة في حلب (أيار/ مايو2011)، "كان حميد يغمض عينيه، يدفع الحائط بكتفه، يخرج من الزنزانة، يتظاهر، يعود إلى الزنزانة، والكاتب يرد على صديقه الذي حكى الحكاية لكنه لا يصدقها، "إن أنكرتها أنت، ولم أصدقها أنا، فمن سيكون شاهداً على خروجه من السجن ومشاركته في المظاهرات ثم عودته إلى زنزانته الانفرادية ليموت فيها بعد ذلك تحت التعذيب؟".

في المقهى يستحضر الكاتب من حصار ليننغراد في الحرب العالمية الثانية تلك الطفلة تانيا سافتشيفا. لقد انفض شمل الأصدقاء بين من قتل ومن مات قهراً ومن هاجر إلى تركيا، وكما بقيت تانيا وحيدة، بقي الكاتب وحيداً. وها هو المقهى قد خلا من الأصدقاء، وحل محلهم الجنود الذين تملأ ضحكاتهم الفضاء.

في "حكاية بحجم الخيال" يضيئ الكاتب/ الراوي الرواية ويعتمها كما يليق بالميتارواية فنقرأ، "كل ما أكتبه هو من الخيال لا يمت إلى الواقع بصلة، لم أر أي مشهد من المشاهد التي أكتب عنها. لم أكن شاهداً على تفجير، أو هدم، أو وقوع مجزرة، أو سقوط برميل، أو جرة غاز متفجرة. كل ما أكتبه هو تدوين لأحاديث الناس، وما قالوه بألسنتهم. هذا وقد علمتني الحياة أن أحذف نصف ما أسمع. أما النصف الثاني فأشكك في صحة ربعه، أما الربع الثاني فيمكن أن يكون فيه شيء من الصدق، وليس الصدق كله. لذا ما سأكتبه بعد هذه المقدمة، هو من خيالي فقط". وفي هذه الحكاية التي هي بحجم الخيال ينقل عن جاريه أنهما "سمن وعسل" مع أن أحدهما يحدد سبب خراب البلد بالنظام، بينما يحدده الآخر بالعصابات المسلحة، وبعد أن ينقل الكاتب ذلك، نقرأ، "ثم تابعت الكتابة من خيالي".

يتحدث الراوي/ الكاتب عن صفحة يكتبها يومياً من روايته "سنوات الخمس"، وعن قصص قصيرة يكتبها، وعن الروايات التي يقرأها، "صمت البحر" لفيركور، "حجر الضحك" لهدى بركات، ويختم شذرات عديدة بعبارة، "أنا مستمر في الكتابة بينما الغبار يتصاعد من المبنى الذي كنت أسكن فيه". وتتلامح ظلال زكريا تامر كما في قصة "طواف" حيث يعبر طفل إلى داخل الشاشة، ثم يحلق طائراً، وكذلك نهاية قصة/ شذرة "جندي". ومثل السيرية، تبرز الجغرافيا الحلبية في، باب الحديد، جادة الخندق، حي بستان القصر، شارع أقيول، الراموسة... في مناطق المعارضة المسلحة أو في مناطق الحكومة، حيث حواجز الطرفين، وما من أحد لا يرتشي أو لا يشتم دونما سبب، بل "فشة خلق".

بين الحكومة والمعارضة

في نهاية الرواية يذهب الكاتب إلى شارع أقيول ليستعيد كتاباً كان قد وضعه عند المجلد قبل الحرب. وفي وصف هذه الرحلة بالسيارة، تمجد أغان الحكومة أو تمجد المعارضة حسب المنطقة، بينما القناصون من الطرفين يصوبان على الشارع. وقد وجد الكاتب دكان المجلد مدمراً، فعاد ينشج، "أي عالم دمروه، وأية حياة قتلوها".

"سنوات خمس"، إنها الرواية التي ذُكرتْ في الرواية السابقة بعنوان "السنوات الخمس". وقد جاءت في مقدمة وخاتمة، بلا متن بينهما. وتحضر السيرية هنا أيضاً. فالراوي/ الكاتب يكتب رواية، ويحرص على قصاصات صور وأخبار وحكايات من الحرب. وهو يخالف رأي أصدقائه المتقاعدين في ما شهدته تونس ومصر (2011)، إذ يعد ذلك خضات. ويسجل من حواراتهم، الأستاذ عزيز يعد ما يجري في سوريا مؤامرة، وعبد الرحمن لا يتوقع للشباب النجاح كما في تونس، بسبب القتل، والكاتب يرى أن دعوى حماية المسلحين للمتظاهرين خطأ. أما الشاب جهاد ابن صديق الكاتب فينقد جيل الكاتب وأبيه، ويحاكم كخبير. وفي هذا القسم من الرواية حكايات طريفة وتليدة، من حكاية الجد للحفيد عن البلبل إلى حكاية عشق الأستاذ سامح للمعلمة ماري، إلى ما يقرأ الصديق يوسف من قصص الكاتب المخطوطة، وما أخذه عليها من أنها تحريضية، إلى الصيدلانية التي تمد من لجأوا إلى المدرسة بالدواء، وكل ذلك مجبول بالقصف والدمار والدبابات والمدفعية والطائرات وصليات الرصاص، مما ستواصل في القسم الثاني (الخاتمة) من الرواية، حيث تبددت السلمية، وصارت حلب الشرقية للمسلحين والغربية للنظام، تذكر بما كانت عليه بيروت في سنوات الحرب.

يتابع الكاتب كتابة الرواية التي تقوم زوجته بتنضيدها، ويضمنها من حكايات الدمار، ويترجع في حديثه ما شغل الروايات السورية في السنوات الماضية من حكايات الفرار إلى تركيا وأوروبا. ومن ذلك رسالة الصديق عبدالله التي يعلن فيها خيبته الكبرى، "أنا مهزوم" وهو يروي فراره. ومن حكايات الحرب تنقل "سنوات خمس" صدام ابن عبد الرحمن العطري مع شبيحة يفرضون الخوة، ويخص منهم عدنان شعنون وقصته مع جهان التي ستكتب للكاتب أنها كانت يسارية في الجامعة، وكان شعنون يشارك في التظاهرات، ولكن كمخبر. وقد هاجرت جهان إلى ألمانيا رافضة مساعدة الشبيح العاشق. وفي قصة العاشقين ليلى وزهير في قرية (م...) يظهر أصحاب اللحى من الدواعش، فيلتحق زهير بالكتائب المسلحة التي تقاتل "داعش"، وتزوج اللجنة الشرعية بنات القرية لشباب "داعش"، ويفر الناس من القرية إلى منبج قبل استيلاء "داعش" عليها، وتنتحر ليلى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

للكاتب في هذه الرواية مقهاه أيضاً، كما في الرواية السابقة، حيث يتذكر جاره النازح ورفيق الصبا حيدر، حلاق المعلم الذي نزح وزوجته المعلمة من حي بستان القصر في حلب الشرقية، إلى حي الحمدانية في حلب الغربية. كان المسلحون في الشرقية يدينون المعلمين لأنهما يعملان في دولة كافرة. وحيدر يراهم كـ "الأوبئة"، وقد جاءوا من كل العالم. ومنهم من هو من أبناء حلب الذين لم يغادروا بعد خروج "داعش". وحيد لا يغفل عن أن حمل هؤلاء للسلاح جاء رداً على عنف الحكومة، لكن رأيه أنه كان على المسلح ابن جيرانه ألا يحمل السلاح، حتى لو دفعته الحكومة إلى ذلك، كيلا يعطيها حجة لقتله.

يصف حيدر عودته إلى بيته للمرة الأولى في بستان القصر بعد خروج المسلحين، حيث الخراب والدمار، وبيته مدفون في تلة مكومة. ويتساءل، "كيف سيعود النازحون إلى هذا؟"، ويتأهب لمغادرة البلاد، فتسأله الحقيبة بما يختم الرواية، "ألا تعتقد بأن الحياة ما زالت ممكنة في حلب؟".

ثالثة، يكون الراوي لرواية "ظلال الليالي" كاتباً للقصة والرواية، وهو يشكو من كوابيسه وأحلامه وهلوساته التي تضيق بالأطفال المشبوحين على جدار، ويرى نفسه ضحية وجلاداً، فينصحه الطبيب بأن يكتب كل ليلة لتخفيف التوتر. ومن هذه المقدمة تتوالى الرواية مجلداً بعد مجلد، مثل"ألف ليلة وليلة"، فتقدم بالهيئة الألف ليلية قصصاً معاصرة من حلب، ولكن بعيداً مما مر بنا في الروايتين السابقتين. ومن أسف أن "ظلال الليالي" و"سنوات خمس" تفتقران جداً إلى التدقيق اللغوي، وإذا كانت "ظلال الليالي" تجربة مختلفة، ففي الروايتين الأخريين من "حلب الحرب" ومن السيرية الحارة، ومن الميتارواية، مما يفسح لهما في المشهد الروائي السوري الفوار منذ 2011.

المزيد من ثقافة