Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جسد ليان المتفحم يصبح كابوساً يلاحق أطفال اليمن

عم الطفلة النازحة إلى مأرب يروي كيف قضت مع والدها لتحرق وجدان شعبها والعالم

مخيم النازحين في المدينة المنكوبة حيث قتلت الطفلة ويعيش المئات مثلها. (رويترز)

غادرت ليان ذات السنوات الخمس الحياة، تاركة ألعابها المتهالكة، وصديقاتها وأهلها يروون حكايتها الفاجعة كشاهد على بشاعة الحرب التي سببها الانقلاب الحوثي، ولا يزال مئات الأطفال اليمنيين يصلون سعيرها، بعد أن غدت صورة ابنة وطنهم المتفحمة كابوساً يلاحقهم يوماً بعد آخر.

وعندما استعر قصف الحوثيين على مأرب، مأوى أسرة ليان ومئات الآلاف الهاربين من بطش الميليشيا، قُدمت ليان الطفلة الغض قرباناً لنيران الحرب الخالية، مما يواسي ساعات النزوح المريرة، ولوعة فراق ديارها التي باعدها بطش الصراع، لتلجأ لحظة سقوط الصاروخ لحضن أبيها كآخر آمالها في الوطن الذي ضاق بطفولتها ذرعاً، وهي لا تدري أنهما سيحترقان معاً في مشهد مروع صدم اليمنيين والعالم.

أيقونة غضب

وعلى مدى الأسبوع الماضي، ضجت مواقع التواصل اليمني والعربي بصورة الطفلة ليان التي لجأت وأسرتها لمأرب، وقد تفحمت جثتها تماماً جراء سقوط صاروخ باليستي أطلقته ميليشيا الحوثي استهدف محطة وقود في مدينة مأرب (شرق البلاد)، عندما كانت مع والدها داخل سيارته في انتظار دوره للتزود بالوقود، غير متوقع أن حديد الميليشيا ونارها ستلاحقه بقسوة غير معهودة، إذ كانت حروب اليمنيين على مدى تأريخهم تنأى بالأطفال والنساء عن دوامة الصراع وتداعياته، لتسجل الحرب الأخيرة هاتين الفئتين على رأس قائمة الضحايا.
 

الباليستي الحوثي الذي اشترته الحكومات المتعاقبة من قوت الشعب الفقير، وسيطرت عليه الجماعة عند اقتحامها صنعاء في21 سبتمبر (أيلول) 2014، تسبب في اندلاع حريق هائل أسفر عن مقتل 21 مدنياً بينهم الطفلة ليان طاهر محمد فرج، ذات الخمسة أعوام، وطفل آخر، فضلاً عن احتراق سبع سيارات وسيارتي إسعاف هرعت لإسعاف الضحايا، إثر استهدافها بطائرة مفخخة أطلقتها الميليشيا بعد دقائق من وقوع الصاروخ.

آخر احتضان قبل النار

في روايته للحادثة، يقول عايض فرج عم الطفلة ليان، إن الضحية كانت رفقة والدها بانتظار تعبئة سيارتهما بالوقود، ولحظة سقوط الصاروخ سارع أبو ليان لاحتضان ابنته ليقيها اللهب الذي غطى سماء المكان بفعل اشتعال محطة الوقود، فتفحمت جثتهما معاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف، أن الطفلة كانت لا تفارق والدها لتعلقها الشديد به. وفي مشهد مؤثر أكد أنهم وجدوا جثتي الأب والطفلة متفحمتين في عناق لم يفلح لهيب النار في فك عقده، مما ألهب قلوب اليمنيين والعالم، فضلاً عن أم الطفلة الضحية.

ويشير العم المكلوم أن أم ليان تعاني أزمة صحية بالغة الخطورة جراء الصدمة العنيفة التي تعرضت لها عند رؤيتها جثتي طفلتها وزوجها وقد تفحمتا، مما اضطرهم للإبقاء عليها في مستشفى مأرب تحت الملاحظة الطبية المركزة في وضع صحي حرج جداً.

نفي حوثي

مأساة ليان تحولت إلى قضية رأي عام عبر عنه اليمنيون بحملات إلكترونية مستنكرة، مطالبة بمعاقبة المتسببين. وسارع رواد مواقع التواصل بنشر صورة الضحية، في حين توالت بيانات الاستنكار من مختلف المؤسسات الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية، دانت في مجملها الحوثيين الذين ينفون تسببهم في الحادثة، بل وذهبوا لاتهام من يسمونهم "المرتزقة" (في إشارة للجيش اليمني الحكومي) بنشر صورة إحدى ضحايا الحرب في سوريا لتشويه سمعة "الجماعة المجاهدة".

ففي الرواية الحوثية، نفى نائب وزير خارجية حكومة الجماعة في صنعاء، حسين العزي، صحة الحادثة، وقال إن الصورة المتداولة للطفلة المتفحمة ليان هي لطفلة أخرى قتلت بغاز السارين في سوريا، وهو ما دفع الناشطين اليمنيين للرد عليه بمقاطع فيديو تم تصويرها من ثلاجة الموتى بمستشفى مأرب العام، معرضين جثة الطفلة ووالدها لإثبات صحة الحادثة.

عدوان ممنهج

مدير مكتب حقوق الإنسان بمحافظة مأرب عبدربه جديع قال "إن ميليشيا الحوثي الانقلابية تواصل هجماتها الإرهابية بحق المدنيين والنازحين في محافظة مأرب بشكل ممنهج، وتتعمد قتل أكبر قدر منهم في كل هجوم صاروخي أو بالطائرات المسيرة".

وأشار جديع، إلى أن المدنيين والنازحين بمدينة مأرب يتعرضون لقصف متواصل بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة المفخخة، مستهدفين الأحياء السكنية والمنشآت المدنية ومخيمات النزوح في المحافظة بشكل شبه يومي، مضيفاً أن الاعتداءات الحوثية بحق المدنيين والنازحين والممتلكات العامة والخاصة في محافظة مأرب جرائم حرب تستوجب العقوبات الدولية وفقاً للقانون الإنساني.

إدانات رسمية

وفي أول رد فعل رسمي، دانت الحكومة اليمنية على لسان وزير الإعلام والثقافة والسياحة، معمر الأرياني ما وصفه بـ "الجريمة الإرهابية جراء استهداف محطة للوقود في حي الروضة بمدينة مأرب بصاروخ باليستي إيراني الصنع".

‏وأشار إلى أن "الجريمة الإرهابية النكراء امتداد لمسلسل استهداف ميليشيا الحوثي المتواصل والمتعمد للأحياء السكنية والأعيان المدنية في مدينة مأرب بهدف الإيقاع بأكبر عدد من المدنيين، بعد فشل تصعيدها العسكري، ومحاولاتها النيل من صمود المدينة، والاستنزاف اليومي لعناصرها وعتادها في مختلف جبهات المحافظة‏.

وطالب الأرياني المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمبعوثين الأممي والأميركي بمغادرة مربع الصمت وإدانة هذه الجريمة النكراء التي ترقى لمرتبة "جرائم الحرب" المرتكبة ضد الإنسانية، والعمل على إعادة إدراج ميليشيا الحوثي ضمن قوائم الإرهاب الدولية، وملاحقة قياداتها باعتبارهم مجرمي حرب.

وتبع ذلك بيان مماثل أصدرته وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان اليمنية. وتوالت ردود الأفعال الشعبية المستنكرة وبيانات الإدانة على المستويين الحقوقي والرسمي الدولي، وأعربت كل من دولة الكويت ومملكة البحرين عن استنكارهما الشديد للحادثة التي راح ضحيتها مدنيون بينهم أطفال، كما ندد عدد من المنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية بـ "الجريمة البشعة".

وعلى وقع الصدمة، نظم أطفال محافظة مأرب الماضي وقفة احتجاجية نددوا خلالها بالهجوم الصاروخي الحوثي، ورفعوا خلالها صور أقرانهم الذين سقطوا، داعين "المجتمع الدولي إلى محاسبة قادة الميليشيا".

أطفال مأرب تحت القصف مجدداً

وفيما لم يفق أبناء مأرب من هول الفاجعة، صدموا بسقوط ما لا يقل عن 10 قتلى و25 جريحاً من المدنيين بينهم نساء، مساء الخميس 10 يونيو (حزيران) 2021، جراء تجدد القصف الحوثي الذي استهدف هذه المرة مسجداً وسجناً للنساء في إدارة شرطة المحافظة، بصاروخين بالستيين وطائرتين مفخختين.

تتالي القصف الحوثي على مأرب دفع الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي إلى القول إن حرق ميليشيا الحوثي للأسر والأطفال بالصواريخ الباليستية والمفخخات لن يؤسس لسلام حقيقي، بالتزامن مع محادثات سياسية تهدف لوقف إطلاق النار والدخول في تسوية سياسية شاملة.

واعتبر تواصل هجمات الحوثيين تزامناً مع حراك المجتمع الدولي وبجهود صادقة من الأشقاء في إيجاد أمل وفرص للسلام، وحصدها للأرواح الآمنة والبريئة، دلالة على أنها لا تكترث بأي جهود لحقن الدماء اليمنية، تنفيذاً لأجندتها وخدمة مشاريع إيران التدميرية في المنطقة.

ومثلما عرّى مشهد جسد الطفلة ليان المتفحم المتمردين الحوثيين، ردد مراقبون يمنيون أن ضعف لهجة العديد من منظمات حقوق الإنسان الدولية إزاءها كشف عن خلل في صدقية تلك المنابر، خصوصاً وأنها اعتادت باستمرار التصعيد في لغتها التحريضية ضد التحالف العربي والحكومية الشرعية، من دون الالتفات بالمستوى نفسه إلى الحوثي الذي كان انقلابه السبب في كل ما جرى من مآس، وفق تقدير أطراف الصراع الأخرى.

المزيد من العالم العربي