Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف ستواجه الحكومة العراقية "حرب المياه" التي تشنها تركيا وإيران؟

مخاوف من تدهور السلم الأهلي وتحفيز الصراعات العشائرية في حال استمرار الأزمة

تقدّر وزارة الموارد المائية العراقية أن يصل العجز في المياه إلى 11 مليار متر مكعب سنوياً (أ ف ب)

في كل عام، ومع دخول فصل الصيف، يشهد العراق تحديات كبيرة في ما يتعلق بانخفاض منسوب نهري دجلة والفرات، نتيجة "حرب المياه" التي تشنها كل من تركيا وإيران على البلاد منذ عقود.

وعلى الرغم من استمرار تلك الإشكالية على مدى السنوات الماضية، إلا أنها هذا العام تبدو أكثر حدة. ما دفع رئيس الجمهورية برهم صالح إلى وصف ما يجري بأنه "حرب مياه" على البلاد، بعد تقارير تحذر من كارثة قد تضع مياه العراق في المستقبل القريب في خطر كبير.

وقال صالح إن "بناء السدود على دجلة والفرات أدى إلى نقص متزايد في المياه، بات يهدد إنتاجنا الزراعي وتوفير مياه الشرب، وقد يواجه البلد عجزاً يصل إلى 10.8 مليار متر مكعب من المياه سنوياً بحلول عام 2035".

ومنذ عام 2003، يعاني العراق من شح مائي كبير نتيجة السياسات التي تنتهجها كل من تركيا وإيران في هذا السياق.

ومنذ عقود تقوم تركيا بتخفيض حصص العراق من الإطلاقات المائية، وتقيم السدود العملاقة، أما بالنسبة إلى إيران فيبدو الأمر مشابهاً بشكل كبير، إذ تم تغيير مسارات عشرات الروافد التي تصب في نهر دجلة وبقية المساحات المائية المشتركة.

خطورة مستقبلية

دفعت تلك السياسات على مدى السنوات الماضية الباحثين والمتخصصين إلى التحذير من كارثة كبيرة قد تصيب العراق، إذا استمر الأمر على هذا النحو، ووصلت حدود التحذيرات إلى إمكانية حدوث انخفاض غير مسبوق تاريخياً في مناسيب المياه في العراق في غضون العقدين المقبلين.

وعلى الرغم من اعتماد العراق بشكل تام على نهري دجلة والفرات وروافدهما في تأمين احتياجاته المائية، إلا أن كل الجهود الدبلوماسية منذ عام 2003 حتى الآن، لم تفلح في تغيير سياسات طهران وأنقرة في هذا السياق.

ويقول المستشار الفني في وزارة الموارد المائية العراقية عون ذياب، إن إشكالات عدة تواجه إدارة ملف المياه مع الدول المجاورة، مؤكداً أن الوزارة رفعت عديداً من التوصيات إلى الحكومة العراقية، بشأن آليات الضغط على كل من تركيا وإيران في هذا السياق.

ويوضح ذياب أن من بين التوصيات "استخدام ملف الربط السككي للضغط على إيران لمعالجة ملف المياه المشتركة".

وفي شأن المخاطر المستقبلية في ما يتعلق بملف المياه في العراق، يلفت ذياب إلى أن "الدراسة الاستراتيجية التي أجرتها الوزارة حول المياه والأراضي الزراعية، أشارت إلى أن العجز في المياه سيصل إلى حدود 11 مليار متر مكعب سنوياً في عام 2035، ما ستكون له آثار حادة".

وفي شأن الموسم الزراعي الحالي، يشير إلى أنه "سيمر بسلام وسيتم تأمين المياه اللازمة للأغراض الزراعية عدا في محافظة ديالى التي تشهد حالة صعبة بسبب انقطاع الروافد من إيران"، مبيناً أن "الخطورة تأتي إذا كانت السنة المقبلة جافة، الأمر الذي سيؤدي إلى صعوبة في تأمين الاحتياجات الزراعية".

تهديد السلم الأهلي وتحفيز للأقلمة

 يبدو أن تداعيات الإشكالية لا تتوقف عند حدود الزراعة فحسب، إذ تمتد إلى تهديد السلم الأهلي تحديداً بين العشائر المعتمدة على الزرعة، فضلاً عن إمكانية أن يتسبب هذا الأمر في تحفيز محافظات للمطالبة بتكوين أقاليم للاستحواذ على حصص أكبر من المياه.

ويعتقد أستاذ الجغرافيا السياسية دياري الفيلي، أن "عدم استخدام العراق الأدوات المتحققة لديه لإجبار كل من تركيا وإيران لتغيير سياساتهما في ما يتعلق بالمياه، هو الأمر الذي يحفز الدولتين على التجاوز على حصص العراق المائية".

ويضيف، "مفهوم الدولة ما زال غير متحقق في الذهنية السياسية العراقية، وهو السبب الرئيس الذي لا يدفع باتجاه إنتاج خطط استراتيجية في هذا الخصوص". 

ويلفت الفيلي إلى جملة من الانعكاسات التي ستخلفها أزمة المياه على الداخل العراقي، من بينها "تدهور السلم المجتمعي"، حيث يبين أن شح المياه "سيحفز الصراعات العشائرية على الأراضي والحصص المائية".

ويتابع "هناك احتمالية كبيرة بأن تتسبب تلك الأزمة خلال السنوات المقبلة في هجرة من الجنوب باتجاه الشمال، الأمر الذي سيمثل إشكالية تهدد الأمن القومي للبلاد".

ويتحدث الفيلي عن جانب سياسي آخر، يتعلق بإمكانية أن يؤدي الصراع على الحصص المائية بـ"تحفيز عدد من المحافظات على الدفع في اتجاه إنتاج إقليم جديد وإيجاد حجج وذرائع لذلك، في محاولة للاستيلاء على حصص أكبر من المياه داخلياً".

أوراق ضغط على طهران وأنقرة

وعلى الرغم من أن كلاً من تركيا وإيران تستفيدان من تبادل تجاري بعشرات المليارات من الدولارات مع العراق، تأخذ المنتجات الزراعية فيه حيزاً كبيراً، إلا أنه أحادي الجانب لا يصدر فيه العراق لتلك الدولتين شيئاً يذكر.

ويتحدث باحثون ومراقبون عن إمكانية استغلال هذا الملف، إضافة إلى ملفات أخرى استراتيجية واقتصادية وأمنية مشتركة، للضغط على الدولتين في محاولة لإنهاء "حرب المياه" الجارية. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في السياق، يقول أستاذ العلوم السياسية إياد العنبر، إن "الإشكالية ترتبط بعدم تعاطي العراق مع هذا الملف كقضية استراتيجية في مقابل دول الجوار التي تتعامل معه كقضية استراتيجية تتعلق بأمنها القومي"، مبيناً أن "العراق لا يمتلك رؤية متكاملة في هذا السياق، لذلك لم يعد يستخدم أوراقاً للتفاوض مع تركيا وإيران ويكتفي بالطلب والترجي".

ولعل الإشكالية الرئيسة تتعلق بـ"عزل ملف المياه عن بقية المصالح المشتركة للعراق مع تلك البلدان"، كما يعبّر العنبر، الذي يشير إلى وجود جملة ملفات بإمكان العراق استخدامها للضغط في هذا الملف، وتتمثل في "التبادل التجاري أحادي الجانب من تلك الدول فضلاً عن الملفات الأمنية المشتركة". 

ويلفت إلى أن السبب الرئيس في عدم تفعيل تلك الملفات للضغط على تركيا وإيران، يتعلق بـ"عدم وجود سيطرة حقيقية لدى الحكومة على كثير من الأمور المتعلقة بسياسة الدولة، التي باتت تدار في كثير من الأحيان من قبل الأطراف الموازية للدولة"، مردفاً "هذا الشكل الهجين للسلطة هو الذي يمنع وجود إرادة سياسية لتفعيل أدوات الضغط تلك".

زيادة التصحر وعشرات الأنهر تقطعها إيران

وإضافة إلى السياسات التركية التي تقلل بشكل مستمر حصص العراق المائية منذ سبعينيات القرن الماضي، دخلت إيران بشكل غير مسبوق على هذا الملف بعد عام 2003، إذ يشير متخصصون ومسؤولون رسميون إلى أن عشرات الأنهر غُيرت مساراتها أو قطعت. ما أدى إلى تراجع كبير في القطاع الزراعي للبلاد.

وأدت تلك التجاوزات على حصص العراق المائية إلى تزايد نسب التصحر في ما كان يوصف تاريخياً بوادي الرافدين، الذي شهدت السنوات الماضية تراجعاً هائلاً في قطاعه الزراعي نتيجة تلك السياسات.

ويبدو هذا الأمر عبئاً إضافياً على بلاد مثقلة بالإشكالات الاقتصادية، إذ يرى مراقبون أن معضلة المياه تسهم بشكل متسارع في تقويض أي إمكانية للنهوض بالواقع الزراعي في البلاد.

ويقول المهندس المختص في المياه جاسم الأسدي، إن "هذا الموسم يعد موسم جفاف في العراق سواء من ناحية الأمطار، أو من ناحية استحواذ تركيا وإيران على الحصص المائية للبلاد وتوسيع منظوماتهم الخزنية".

ويشير الأسدي إلى أن "إيران تقطع أكثر من 60 نهراً ورافداً تصب في العراق، مثل نهر الكارون الذي كان يمثل الموجة العذبة إلى شط العرب، ونهر الكرخة ونهر سيروان، التي باتت منقطعة بشكل تام".

ويحذر من "موسم حاد سيواجه العراق سيؤدي إلى استنزاف كبير للمخزون الاستراتيجي، إضافة إلى الإشكالات التقنية في وسائل الري المعتمدة التي لم تشهد أي تطور منذ عقود".

ويختم أن العراق "يستهلك نحو 80 في المئة من كمية المياه الواردة للزراعة، وهذا إخفاق كبير في إدارة ملف المياه من قبل الدولة".

وكانت وزارة الموارد المائية العراقية، أعلنت مطلع مايو (أيار) الماضي، عن خفض الجانب التركي لمناسيب نهري دجلة والفرات إلى نصف ما كانت عليه.

وقال وزير الموارد المائية العراقي مهدي رشيد الحمداني، في 9 مايو الماضي، إن، "الواردات الآتية من تركيا لنهري دجلة والفرات انخفضت بمقدار 50 في المئة".

وأكد الوزير أن "الجانب الإيراني قام بتحويل مجرى بعض الروافد إلى داخل إيران، منها نهر سيروان، وبعض من مياه رافد ديالى (شرق)، وتم التأكد من هذه المعلومات من طريق المراقبة التقنية. وهذا الأمر سيولد مشكلة، وقد طلبنا من إيران عقد اجتماع حول هذا الموضوع، لكن لا توجد استجابة".

المزيد من الشرق الأوسط