جان بول سارتر متهم مسرحيا... بقتل راقصة شرقية في لبنان

نص ألكسندر نجار الكوميدي بالفرنسية أخرجته لينا أبيض

من مسرحية "مسيو بشارة" (شركة الانتاج )

يخوض الروائي اللبناني الفرنكفوني ألكسندر نجار في مسرحية "مسيو بشارة" غمار الكوميديا الاجتماعية ذات المنحى الثقافي ويخلص إلى صيغة طريفة تجمع بين الهزل أو السخرية والتحليل الاجتماعي والتخييل. وقد انطلقت المخرجة لينا أبيض من النص لتخلق عرضاً مسرحياً متعدد المقاربات بين كوميديا الموقف والحركة والغروتسك... وعمدت أبيض إلى تجسيد الشخصيات الطريفة التي رسمها نجار مانحة إياها ملامحها المناسبة وأوقعتها في شباك اللعبة الكوميدية التي تنحو منحى شبه بوليسي من خلال مقتل الراقصة والتحقيق في الجريمة.

بطل المسرحية هو بشارة بو بشارة أو مسيو بشارة (أنطوان بالابان)، وهو أستاذ جامعي يدرّس الفلسفة ويعشق الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي خصّص له أطروحة الدكتوراه، ويستشهد به دوماً، مرتكزاً إلى فلسفته الوجودية ورؤيته إلى العالم والحياة... لكنه لا يهمل بقية الفلاسفة الآخرين. أستاذ فلسفة ولكن غير متفلسف، عازب بل هو أقرب إلى أن يكون عانساً، في حياته الرتيبة التي تشغلها شقيقته العزباء جيلبرت (جوزيان بولس) التي بات لديها نوع من الحساسية تجاه سارتر الذي يحتل حياة شقيقها، ولديهما ابن عمّ يتيم ألبير (رافي فغالي) يقضي معظم وقته نائماً ويلقب بـ"أوبلوموف"... الفكرة الطريفة التي ابتدعها نجار هي فكرة البناية والطوابق أو الشقق الموزعة فيها، ففي كل طابق تقيم عائلة أو شخصية، مما يجعل وقائع

المسرحية تدور في مجتمع واحد ولكن، منقسم ومتعدد وعلى اختلاف سوسيولوجي واضح. وقد جمعت أبيض قاطني الشقق داخل مجموعة تحتل إحدى جهات الخشبة (اليسار)، ومن هذه المجموعة تخرج الشخصيات وتؤدي أدوارها لتعود إليها من ثم وتجلس على الكراسي وكأنها جزء من الجمهور. وقد اختصرت أبيض في فكرة المجموعة هذه البناية وشققها بحسب ساكنيها الذين يمثلون نماذج بشرية مختلفة.

يظل "مسيو بشارة" هو المحور كوميدياً ومسرحياً أو وقائعياً، فهذا الشخص المزاجي والمتقلب المزاج، البريء الذي يملك المال ويؤثر حياة الفقر، سرعان ما تنقلب حياته راساً على عقب عندما يتعرف إلى جارته سالومي أو لولو (إميليا زيدان) التي تسكن في الطابق السادس من البناية، وهي راقصة جميلة طلّقت زوجها للتو، لكنها لم تتخلّص منه، فهو يطاردها باستمرار. يقع مسيو بشارة في أسر الجارة الجميلة، ويتحوّل عاشقاً متيّماً، مسلوب القلب والعقل. ويكون وقوعه في الحب بمثابة نقطة تحول في أحداث المسرحية، فهذا الحب ينتهي في ما يشبه "المأساة" بعد العثور على الراقصة مقتولة في شقتها. التهمة تقع أولاً على مسيو بشارة، على الرغم من براءته المعلنة وطيبة قلبه، فهو العاشق المتيم والفيلسوف المثالي الذي لا يبخل على حبيبته بالمال. وفي موازاته يحل المحقّق الطريف جداً طنوس (جورج دياب) الكاريكاتوري الملامح والذي كسر اللغة الفرنسية بلكنته العامية أو اللبنانية. وفي سياق التحقيق يتبيّن أن القاتل هو زوج الراقصة، فيبرّأ مسيو بشارة ويعود إلى حياته الرتيبة وثرثرات شقيقته وصديقتها (لينا أبيض)... لكنّ المسرحية لن تنتهي هنا، فيتم "انقلاب" في المكان والزمن، ونبصر مشهداً من العالم الآخر يظهر فيه القديس بطرس (نديم شماس) بصفته القاضي وجان بول سارتر(سيريل جبر) الذي يُتهم بقتل الراقصة... وبدا هذا المشهد غير متوقع ومركباً وكان يحتاج إلى حيلة إخراجية أشدّ تخييلاً وقوة. وليت المخرجة استفادت أكثر من وجود الراقصة الطريفة فتقدم المزيد من الرقص لصالح العرض واللعبة المسرحية.

"مسيو بشارة" مسرحية كوميدية ترتقي بالمسرح الكوميدي الذي بدأ يفقد في لبنان رونقه ودوره متحولاً إلى مسرح تهريج واستعراض بعيداً من الروح الكوميدية الحقيقية. ومع أن النص بالفرنسية فقد نجح نجار بتطعيمه باللغة العامية مقرباً إياه إلى الجمهور العريض. وقد أُرفق العرض بترجمة عربية على شاشة في أعلى المسرح. وتضمّ المسرحية عدداً من الممثلين الآخرين بينهم بشارة عطالله وكريستوفر زُمّر ووليد عرقجي ولاري بوصافي وتريسي الراعي وآية رفت طربيه.

يصف نجّار المسرحية بأنها "مسرحية تسخر من العقول المحدودة ومن الأحكام المسبقة، وتتناول انتهاك القواعد وحريّة الحبّ والشغف الأعمى، والرغبة المدمّرة والمظاهر الخادعة". تقدم المسرحية في مسرح مونو وهي من إنتاج 62 events لصاحبتها الممثلة جوزيان بولس.

المزيد من ثقافة