Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كتاب جديد يكشف خفايا مسيرة الشيخ إمام مغنياً

الإنترنت يروج ألحانه لدى جمهور عربي كبير لم يعاصره  

الشيخ إمام يعزف على العود (دار المرايا)

كثيرة هي الكتب التي تناولت سيرة الملحن والمغني الملتزم الشيخ إمام عيسى، والذي إذا ذُكر اسمه في هذا السياق وغيره، لا بد من أن يكون معه اسم رفيق رحلته الفنية الاستثنائية الشاعر أحمد فؤاد نجم. ومن هذه الكتب التي تناولت المغني "النغم الشارد" لعبده جبير، "مذكرات الشيخ إمام" لأيمن الحكيم. والأمر نفسه ينطبق على الكتب التي تناولت أحمد فؤاد نجم، إذ يحضر فيها بالضرورة لشيخ إمام، ومنها كتاب "شاعر تكدير الرأي العام" لصلاح عيسى.

وإلى الكتب، يمكن أن نضيف فيلم "الفاجومي" المأخوذ عن مذكرات نجم التي حملت العنوان نفسه. وحيوية تلك التجربة "الفنية النضالية"، لا تزال مستمرة حتى الآن، فكثير من المثقفين في مصر ودول عربية عدة، مازالوا يحتفظون بتسجيلات لأغاني الشيخ إمام التي كتبها نجم وشعراء آخرون، منهم شهاب نجم الدين وفؤاد قاعود وزين العابدين فؤاد،،وسيد حجاب، وآخرون من خارج مصر. وكان لافتاً أن يستدعيها الشباب في ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، فضلاً عن رواجها على شبكة الإنترنت بين كثيرين لم يعاصروها، خصوصاً من خلال موقع "الملتقى" الذي أسسه ويشرف عليه التونسي كريم السمعلي.     

وفي أحدث كتاب في هذه السياق، وهو "الشيخ إمام في عصر الثورة والغضب" (دار مرايا / القاهرة)، يذهب الناقد السينمائي المصري أمير العمري إلى أن هذه التجربة برزت في ظل حال عامة سببتها بالدرجة الأولى هزيمة 1967، وقامت على كلمات تضرب في عظم النظام وتنتقد بقسوة الطبقة الجديدة والحكام المسؤولين عن الهزيمة، و"تعري كل الآفات الاجتماعية بروح ساحرة ونغمات جريئة".   

جاء الكتاب في 15 فصلاً من 218 صفحة، وانطلق العمري فيه من "ذكريات وتأملات كتبتُها تخليداً لذكرى المغني الشيخ إمام عيسى الذي تعلمنا منه، وهو الكفيف، كيف يمكن أن تصبح للموهبة آلاف العيون، وتقديراً للشاعر أحمد فؤاد نجم الذي حفر فينا الرغبة في أن ننهل باستمرار من عيون الكلام".

 

ويتميز الكتاب بعبور الولع بتلك التجربة إلى إفساح المجال لنقدها، علماً أنها باتت منذ الثمانينات "معروفة على نطاق واسع في تونس وسوريا والجزائر أكثر مما كانت معروفة في مصر" صـ 54.

قمع مبكر

وقمع هذه التجربة كان شديداً في عهد السادات، لكنه بدأ في عهد عبدالناصر، علماً أن الأغاني التي أنتجتها "كانت موجهة إلى الطبقة الأكثر قابلية للثورة، أي طبقة العمال والفلاحين والفقراء عموماً، ولكنها كانت تلقى الاستجابة الأكبر من جانب مثقفي البورجوازية، تلك الطبقة التي كان يسخر منها الشيخ إمام في كثير من تلك الأغاني".

ويلاحظ العمري أنه على الرغم من براعة الشيخ إمام في أداء مختلف أنواع الغناء، إلا أنه كان يميل أكثر إلى الغناء التحريضي، "وهو مزيج من النقد الشديد للسلطة والسخرية اللاذعة من رموزها والدعوة إلى التحرك والتمرد والثورة على الأوضاع القائمة لتغييرها. الهجاء الموجه منه لمنظومة الحكم، دفعها أولاً إلى محاولة احتوائه هو ورفيقه أحمد فؤاد نجم، فقدمت له الإذاعة أغنية "فلاح يا أسمراني"، وقدمته هو شخصياً في برنامج بعنوان "مع ألحان الشيخ إمام" من تقديم رجاء النقاش" صـ 67.

إلا أن المحاولة باءت بالفشل، فسرعان ما توقف البرنامج، وتم اعتقال الثنائي إمام/نجم، بعد ذيوع أغنية تهجو ضباط الجيش وعبدالناصر نفسه، الذي سماه نجم في تلك الأغنية "عبد الجبار"، وسماه في أغنية أخرى "النكساوي"، نسبة إلى وصف هزيمة 1967 بالنكسة، "عصابة بتمص في دمك / والاسم ضباط أحرار / شيلوا الرئيس النكساوي / اللي لا عايز ولا ناوي / يرحل ويكفانا بلاوي / من تحت راسه ذل وعار". ولا يزال يتداول إلى الآن قول عبدالناصر لقيادي فلسطيني طلب منه إطلاق سراحهما، "لن يخرجا من السجن وأنا على قيد الحياة".

السخرية من أم كلثوم

قدّما "غيفارا مات" في 1968، وعندما بدأ إمام في غنائها في برنامج تلفزيوني كان يقدمه رجاء النقاش أيضاً، قُطع الإرسال، ولا يستبعد العمري أن يكون عبدالناصر شخصياً هو من أمر بذلك. وقدما أغنية "حريقة سريقة"، من وحي حريق دار الأوبرا 1971، والذي يقال إنه كان يغطي سرقة كثير من كنوزها. ولم تنج أم كلثوم من هجاء نجم، في قصيدة لم يغنها إمام وعنوانها "كلب الست"، كما هجا عبدالحليم حافظ "لاماليمو الشخلوعة الدلوعة الكتكوت". أما السادات فسمّاه نجم في قصيدة "بيان هام"، "شحاتة المعسل"، وبسبب تلك القصيدة اعتقل نجم ولم يخرج من السجن إلا بعد اغتيال السادات.

هجاء نجم شمل كذلك يوسف السباعي ومحمد حسنين هيكل وحتى رجاء النقاش الذي كان من أشد المتحمسين لدعم تجربة نجم/إمام. وهجا كذلك عبدالرحمن الأبنودي، مع أن الأخير ظل على الرغم من قربه من نظام الحكم في عهدي السادات ومبارك، يكتب قصائد جريئة منها قصيدة "سوق العصر" التي تصف حال مصر في نهاية فترة حكم السادات، "هذا أوان الأونطة / والفهلوة والشنطة".

كتب نجم قصيدة "الشاعر الأكرة" هاجياً الأبنودي وغناها إمام. وينقل العمري عن كريم السمعلي أن أحمد فؤاد نجم كان يذكر أن سبب العداء بينه وبين الأبنودي يرجع إلى ظهور الأخير مع وزير الداخلية في عهد عبدالناصر، شعراوي جمعة، حين كان نجم مسجوناً أو فاراً من حكم بالسجن، وأن جمعة أراد أن يوحي بهذا اللقاء أن مصر لا تسجن الشعراء، واعتبر نجم أن الأبنودي اُستخدم ككومبارس في هذه اللقطة الدعائية.

 

كان نجم إذن يعتمد في معاركه الشرسة ضد خصومه على قوة ألحان الشيخ إمام وصوته وتأثيره. وقد هجا نجم أيضاً الشاعر صلاح جاهين، واعتبره مثل الأبنودي "شاعر سلطة". والواضح، كما يقول العمري، أن أحمد فؤاد نجم لم يكن يهجو صلاح جاهين فقط لكونه واقعاً في غرام الناصرية، بل ربما كان هجومه نوعاً من الغيرة من شهرته الكبيرة. وعموماً فقد راجع نجم موقفه من جاهين، واعترف في برامج تلفزيونية بعبقريته وقال إنه يعتبره هرماً شعرياً، وكتب فيه قصيدة لدى عودته من رحلة علاج بعد مشكلات في القلب ختمها بالقول، "الله يرحم زمانك يا شاعر يا علَم". كما راجع نجم موقفه من عبدالناصر وقال إنه يراه "آخر زعيم وطني خدم مصر".    

بدايات الانفصال

كان أحمد فؤاد نجم (توفي في 2013 عن 84 سنة) جامحاً في عواطفه، وشرساً في ما يخوضه من معارك ضد خصومه، سواء على المستوى الشخصي أو على المستوى السياسي. ولا شك في أن الشيخ إمام كان أيضاً يجد صعوبة في التعامل مع بعض مواقف نجم التي قد تنعكس على أشعاره، فلم يلحن مثلاً ما كتبه في باب الهجاء المرير، كما لم يلحن كل ما كتبه من "فوازير"، تهجو عدداً من أبرز الشخصيات العامة. وكان نجم كثيراً ما يفرض على الشيخ "مُغنيات"، أو بالأحرى فتيات من الباحثات عن نوع خاص من الشهرة، ذوات نوعية رديئة الصوت بدرجة مثيرة للشفقة (يستثني العمري عزة بلبع في هذا السياق)، "وذلك تحت تأثير رغباته ونزواته الخاصة وعواطفه الجياشة"، بحسب المؤلف.

مات الشيخ إمام عام 1995، وكان قد انفصل عن نجم قبل ذلك بعشر سنوات، وما بقي من الشيخ إمام، يقول العمري، هو تراثه من الأغاني والأعمال الكبيرة في الموسيقى والغناء، ملاحمه الغنائية وأغانيه السياسية والاجتماعية النقدية والعاطفية والتراثية وقدرته الكبيرة على التنويع والتجديد في كل مرة يغني فيها اللحن نفسه، بل وفي كل مرة يعيد فيها الفقرة الشعرية. فقد كان دائماً ينشد التجديد، إضافة إلى ما كان يتمتع به من قدرة خاصة على الإحساس بالتوزيع الموسيقي، وكان يستخدم هذه الموهبة وهو يسيطر على الأداء الجماعي الذي كان يحيط به ويستخدم المجموع ككورس غير مدرب، وكانت لديه قدرة خاصة على تطويعه والاستفادة منه في إضفاء نوع من الهارموني على أغانيه.

 

وبعد الانفصال، لم يعد نجم يتمتع بما كان يتمتع به في الماضي، فالشيخ إمام الذي كان يستطيع أن يمنح أشعاره الحياة الأبدية، انفصل عنه قبل أن يرحل عام 1995، ويعترف نجم نفسه في مقابلة تلفزيونية أنه من بعد انفصاله عن الشيخ، توقف عن كتابة الأشعار التحريضية. ويرى العمري أنه لم يعد ممكناً لنجم أن يكون مؤثراً لتلاشي قدرة اليسار المصري على التأثير في الشارع.

شهادات

وفي شهادة تضمنها الكتاب، قال الشاعر زين العابدين فؤاد إن الشيخ إمام لحن له أكثر من 20 أغنية، "لكن بعضها اختفى، فما لم يتم تسجيله خارج مصر في تونس أو فرنسا، لم يتم تسجيله في مصر أو سُجل تسجيلاً رديئاً ثم اندثر". ومن هذه الأغاني أغنية كتبها فؤاد بعد عودته من بيروت في 1982 عن مخيم عين الحلوة، لحنها إمام وغنتها فتاة فلسطينية، قبل أن تنسحب من الحياة الفنية، وبالتالي اختفت الأغنية نفسها.

ويضيف فؤاد، "الشباب الذين خرجوا إلى ميدان التحرير في القاهرة أو ميدان المحطة في أسوان وميدان القائد إبراهيم في الإسكندرية، نالت لديهم ثلاث أغنيات النصيب الأكبر ضمن ما كانوا يرددونه من أهازيج خلال ثورة 25 يناير 2011". وهي "شيد قصورك ع المزارع"، لنجم، و"يا مصر قومي وشدي الحيل" لنجيب شهاب الدين (رحل قبل أيام بعد انزواء دام سنوات طويلة)، و"اتجمعوا العشاق في سجن القلعة" من كلمات زين العابدين فؤاد. وهناك عدد من الفنانين غنوا ألحان إمام، في حياته وعقب رحيله، منهم عزة بلبع وأحمد إسماعيل، ومحمد عزت، وجمال عطية، ثم في الألفية الثالثة حازم شاهين وفرقة "إسكندريلا"، ثم الشيخ علاء إبراهيم وفرقة "الأوله بلدي".

وبحسب شهادة للكاتبة صافي ناز كاظم (سبق أن تزوجها نجم) تضمنها الكتاب، فإنه كما وقف أحمد فؤاد نجم أمام خامته العامية المصرية، يعيد اكتشافها ليصوغ بها رؤيته، وقف الشيخ إمام عيسى أمام فنية الترتيل القرآني وروافده (الموشحات والتسابيح والابتهالات) ووجد فيها بئره المليئة، يغرف منها بسخاء".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الكاتب الراحل محمود السعدني فقد رأى في مقالة تضمنتها ملاحق الكتاب، ونشرت عقب وفاة إمام في مجلة "المصور"، أن إمام "لم يكن ملحناً، لأنه لم يكن يعرف أصول التلحين وقواعده. هو فقط كان يردد كلمات أحمد فؤاد نجم التي لو تصدى لتلحينها فنان حقيقي من وزن محمد الموجي، لظلت باقية على مر الزمان". وأضاف، "الشجاعة هي كل أفضال الشيخ إمام، فهو لم يجبن في أي وقت وأصبح زبوناً دائماً في السجون، ثم إنه كان القناة التي نقلت أشعار نجم إلى الندوات والسهرات، أما حكاية ألحانه الشعبية وعلاقته بالموسيقار خالد الذكر سيد درويش فكلها خرافات وأكاذيب".

وتضمن الكتاب رد شهاب الدين على ما ذكره السعدني أعلاه، وكان قد نشره في جريدة "القاهرة بتاريخ 15 أغسطس (آب) 1995، وقال فيه إنه يرى أن ظاهرة إمام/نجم التي بدأت في العام 1962، "انتهت مع حرب 1973"، مع أنهما استمرا في الغناء معاً حتى منتصف الثمانينات. ويضيف، "الشيخ إمام ملحن ومغن وعازف وصادق، وعاش حياة كانت كفيلة بأن تصرع أي موهبة مهما كان حجمها. كان عازف عود ماهراً، لا ينقصه الإحساس.

تتلمذ مع زكريا أحمد وغيره من موسيقيين بارزين على يد الشيخ درويش الحريري. الشيخ إمام ملحن أحس بكلام نجم إحساساً دقيقاً وترجمه ترجمة دقيقة فحالفهما التوفيق. ترك إمام ألحاناً عذبة وشجية، مبكية ومفرحة، ألحاناً حولت الحزن القاتم الكئيب المميت بعد الهزيمة إلى أشكال وألوان من النغم العذب، واستطاع بألحانه لكلام نجم، وبأدائه أن يحرك قلوب الآلاف من الشباب وأن يلهب عقولهم ويفجر ثورتهم".

المزيد من ثقافة