Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تتمكن حكومة الكاظمي من مكافحة "حيتان الفساد"؟

بعد الإعلان عن إصدار أوامر قبض بحق مسؤولين عراقيين

شكّلت حكومة مصطفى الكاظمي لجنة عليا لمكافحة الفساد في أغسطس 2020 (رويترز)

بعد أيام من حديث رئيس الجمهورية برهم صالح عن عزمه التحرك لاستعادة الأموال المنهوبة من العراق، كشفت هيئة النزاهة، الاثنين 31 مايو (أيار) الماضي، عن صدور 53 أمر قبض واستقدام بحق مسؤولين، بينهم وزراء ونواب ومحافظين.

وتدور التساؤلات في الفترة الماضية حول مدى إمكانية أن تطيح الحكومة العراقية برؤوس الفساد في البلاد وشن حرب واسعة ضدهم.

وبالرغم من التحركات في هذا السياق، إلا أن منسوب التفاؤل في الشارع العراقي لا يبدو مرتفعاً، خصوصاً بعد أن أخفقت الحكومة في الإيفاء بالتعهدات التي قطعتها على نفسها طوال عام كامل، بحسب مراقبين.

"إنهاء الإفلات من العقاب"

وكانت دائرة التحقيقات في هيئة النزاهة، أشارت الاثنين إلى صدور 8 أوامر قبض، و45 أمر استقدام بحق مسؤولين كبار خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي.

وشملت الأوامر تلك ثلاثة أعضاء حاليين في البرلمان وعضواً واحداً في دورة سابقة، فضلاً عن شمولها وزيراً سابقاً ووزيرين أسبقين، و8 محافظين بينهم اثنان حاليان.

ويأتي الإعلان عن تلك الأوامر بالتزامن مع حملة واسعة أطلقها ناشطو الاحتجاجات العراقية لإنهاء فصل الإفلات من العقاب في البلاد.

وتصدّر وسم "إنهاء الإفلات من العقاب" منصة "تويتر" على مستوى العراق لأيام عدة، فيما يتحدث القائمون على الحملة عن أنهم سيستمرون حتى حسم جميع الملفات التي يطالب بها العراقيون.

وبالرغم من أن دعوات الناشطين كانت تركّز في الغالب على المتورطين بقتل المحتجين وإعلان الجهات المسؤولة عن تلك العمليات، إلا أن المطالبات بمحاسبة الفاسدين كان لها حيّز كبير.

أسماء كبيرة في الفترة المقبلة

لا يختلف ملف مكافحة الفساد في العراق عن ملف ملاحقة المتهمين بقتل الناشطين، إذ يتم التعامل معه بحذر شديد من قبل السلطات العراقية، خصوصاً أنه يحظى بغطاء سياسي كبير يمنع فتح تلك الملفات.

ويشير مراقبون إلى أن الضغوط في سياق كبح جماح أي تحركات لحسم ملفات الفساد تأتي من أعلى هرم الشخصيات الوازنة في النظام السياسي للبلاد، إذ تقف كتل كبيرة وميليشيات مسلحة في طريق بتّ تلك الملفات.

ولعل التحركات الحكومية في إطار إنهاء ملف المنافذ الحدودية في سبتمبر (أيلول) 2020، كانت مثالاً على حجم الممانعة من قبل تيارات سياسية وميليشيات مسلحة.

في المقابل، يرى أستاذ الإعلام غالب الدعمي أن النشاطات التي أعلنتها هيئة النزاهة تمثل "حصيلة عمل شهر واحد فقط، وقريباً ستصدر حصيلة أكبر لشهر مايو تحوي عدداً من ملفات الفساد الكبيرة التي ستسرّ الرأي العام".

ويكشف عن أن الحصيلة المقبلة ستشتمل على أسماء كبيرة أو ما بات يطلق عليها "حيتان الفساد" في البلاد، مبيناً أن ما يجري يمثل "نتاجاً مهماً للتكامل بين عمل هيئة النزاهة مع لجنة مكافحة الفساد التي يقودها أبو رغيف والقضاء العراقي".

ويشير الدعمي إلى "تطور ملحوظ في آليات مكافحة الفساد يتمثل في السماح لهيئة النزاهة بمتابعة ملف كشوف الذمة المالية للمسؤولين ومحاسبتهم".

وكانت الهيئة أعلنت الخميس 27 مايو، عن حبس قاضٍ متقاعد على إثر "زيادة كبيرة في أموال زوجته" وعجزه عن إثبات مشروعية تلك الزيادة.

وقالت في بيان إن "قراراً بالحبس الشديد صدر بحق قاضٍ متقاعد في سابقة تُعدّ الأولى التي يصدر فيها القضاء العراقي حكماً بالاستناد إلى قانون الهيئة (قانون الكسب غير المشروع على حساب الشعب)".

وأضافت الهيئة، أنه تم "تسجيل 24 سهـماً تشكل ثلاثة أرباع أسهم أحد العقارات في بغداد باسم زوجة المدان بمبلغ 17.250.000 مليون دولار".

وأشار البيان إلى أن "المدان لم يذكر في استمارة الذمة المالية امتلاكه هو أو زوجته أو أولاده للمبلغ الذي تم شراء أسهم العقار به".

وفي شأن الحديث عن أن ما يجري في سياق مكافحة الفساد يندرج ضمن محاولات الحكومة العراقية إقناع الرأي العام بخطواتها، يبيّن الدعمي أن "الحكومة تسعى إلى تطبيق برنامجها والتحول إلى الحكم الرشيد وما يجري ليس بروباغاندا دعائية".

ويتابع أن المعرقل الرئيس لحسم ملفات الفساد في البلاد يتمثل في "ممانعة رؤوس كبيرة في النظام وشخصيات فاعلة في الشارع العراقي والبرلمان وأحزاب سياسية".

ورقة لتحقيق أهداف سياسية

ولطالما كان ملف الفساد في العراق المحفز الأكبر للحركات الاحتجاجية، إذ يرى ناشطون أنه يمثل الماكنة الرئيسة التي تموّل الجماعات المسلحة الموالية لإيران وتعطيها القوة لاستمرار عملياتها.

وبالرغم من محاولات دفع الشارع إلى التفاؤل بالخطوات الحكومية في سياق محاربة الفساد، يرى مراقبون أن حسم هذا الملف أمر بالغ الصعوبة وستواجه أي تحركات بخصوصه بممانعة من الأطراف الرئيسة في العملية السياسية.

وكانت حكومة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، شكلت لجنة عليا لمكافحة الفساد في أغسطس (آب) 2020، وتم تكليف اللواء أحمد أبو رغيف إدارتها.

ويقول الباحث في الشأن الاقتصادي صالح الهماشي إن "ملف مكافحة الفساد بات ورقة تستخدم لتحقيق أهداف سياسية سواء في الانتخابات أو من خلال محاولة تهدئة الشارع العراقي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي شأن إعلان هيئة النزاهة الأخير، يشير إلى أن "الحكومة أصدرت الأوامر لكنها لم تحدد أسماء المتهمين أو طبيعة الملفات المتورطين بها وحجم الأموال المنهوبة، ما يقلل من منسوب التفاؤل في شأن تلك الخطوة".

ويلفت إلى أن "عدم الجدية في مكافحة الفساد في العراق يبدو واضحاً من خلال عدم تحديد الأرقام الحقيقية لهذا الفساد من قبل الحكومة أو الجهات المختصة"، مبيّناً أن تلك الأرقام تتفاوت "لعدم وجود قاعدة بيانات رسمية حتى الآن".

ويرجح الهماشي، ارتباط الإعلان عن تلك التحركات بحالة الغضب الشعبية في محاولة للقول إن الحكومة "جادة في تنفيذ تعهداتها".

ويعتقد أن الحكومة العراقية ستكتفي بـ"إعلانات مبهمة لا تحمل دلالات حقيقية ولا ترتقي إلى مستوى الإطاحة برؤوس الفساد الكبيرة".

ويختم أن "رئيس الجمهورية كان أكثر دقة وواقعية عندما طلب المساعدة الدولية"، مردفاً أن "الحكومة لن تتمكّن من حسم هذا الملف من دون المساعدة الدولية والإقليمية، لأن عدداً من الشخصيات المتورطة مرتبطة بقوى إقليمية ودولية".

وكان الرئيس صالح، أعلن أخيراً تقديمه مشروع قانون "استرداد عوائد الفساد" إلى البرلمان.

وأشار في كلمة متلفزة إلى أن "من بين قرابة ألف مليار دولار من النفط المنتج منذ 2003، تم تهريب ما يقدّر بنحو 150 مليار دولار من أموال النفط المسروقة من العراق".

وتابع أن "مشروع القانون يسعى إلى تعزيز صلاحيات الأمة العراقية من أجل استرداد الأموال المنهوبة في صفقات فاسدة ومحاسبة الفاسدين وتقديمهم إلى العدالة"، مردفاً "لا يمكن القضاء على الإرهاب إلا من خلال تجفيف مصادر تمويله القائمة على أموال الفساد كاقتصاد سياسي عنيف".

سقف محدود للمتهمين

وبالرغم من الحديث عن أن اللجنة قطعت شوطاً مهماً من خلال القبض على عدد من كبار الفاسدين، إلا أن مراقبين يتحدثون عن أنها محدودة بسقف معيّن من المتهمين لا يمكنها تجاوزه.

ويقول أستاذ الاقتصاد عبد الرحمن المشهداني إن من تمت الإطاحة بهم بشكل عام "يمثلون الكادر الوسطي في الدولة العراقية"، مرجحاً أن ما حفّز تلك التحركات هو "تخلي الأطراف السياسية الداعمة عن هؤلاء المتهمين".

ويبدو أن الإطاحة برؤوس فساد كبيرة أمر غير ممكن، بحسب المشهداني الذي عبّر عن أمله بأن تكون الخطوات الأخيرة "ممهدة للصعود نحو كبار الفاسدين في البلاد".

ويشير إلى أن إثبات جدية الحكومة بالتصدي للفساد يرتبط بمسارين، الأول "صعود نسق الملاحقات بقضايا الفساد إلى الصف الأول السياسي". أما المسار الآخر، فيتمثل في "تعامل البرلمان بجدّية مع مشروع قانون مكافحة الفساد وغسيل الأموال الذي قدّمه رئيس الجمهورية".

تصعيد أولي يسبق "الحرب"

في المقابل، يصف رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري ما يجري بأنه "تصعيد أولي يسبق الحرب على الفساد"، مبيناً أن "الحرب طويلة ولم تبدأ بعد وما يجري عبارة عن اختبار لقدرة الجهات الفاسدة في التضييق على الإجراءات الحكومية".

ويبدو أن قضية مكافحة الفساد لا تتعلق بإصدار أوامر قبض بحق مجموعة من المتهمين فحسب، بل ترتبط بقدرة الحكومة على التصدي للجهات والجماعات المسلحة التي تمانع تلك الإجراءات.

ويشير الشمري إلى أن "الاحتكاك المسلح" أمر لا بد منه في النهاية مع الجهات المتورطة بالفساد، مردفاً "الحرب على الفساد تتطلب منظومة متكاملة لا تستثني التحركات الأمنية، فضلاً عن تحقق الإرادة السياسية في هذا السياق".

ويلفت إلى أن إفلات أحزاب وزعماء سياسيين وتجار كبار من الملاحقة "نتيجة طبيعية للتخادم بينهم وبين معادلات السلطة السابقة"، مرجحاً عدم قدرة الحكومة الحالية على القضاء على الفساد في الفترة القليلة المتبقية لها، خصوصاً أن هذا الملف يتطلب عقداً كاملاً لإنهائه.

وبالرغم من تلك التحركات التي تعلن عنها بغداد، إلا أن التقارير الدولية ما زالت تشير إلى استشراء الفساد المالي والإداري في العراق، فضلاً عن استمرار التراجع في معدلات الفقر والبطالة.

المزيد من العالم العربي