Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الافتراضيون" يستبقون مصير سد النهضة على "التواصل الاجتماعي"

مستخدمو "فيسبوك" تحولوا إلى علماء ومتخصصين يضعون الخطط عسكرية والاستراتيجية ويكشفون المكائد الدبلوماسية

"فيسبوك" إحدى المنصات التي يتبادل روادها الكثير من المعلومات المغلوطة  والمضللة (أ ف ب)

من الإصرار على المضي قدماً في البناء إلى مؤشرات إمكانية، ثم صعوبة ثم تعثر، ثم استئناف، وبعدها تعثر ثم معاودة، وبعدها مراوغة ثم معاندة، وعودة إلى الصعوبة، ثم التعثر في المفاوضات، إلى لقاءات رسمية ناجحة أو شبه ناجحة أو منعدمة النجاح، إلى تدخلات دولية ووساطات إقليمية، إلى استكمال البناء وردود فعل أممية عن الآثار السلبية، وأخرى إيجابية، وثالثة بين بين، إلى بدء الملء الأول ومنها إلى بدء الثاني، وشعب "فيسبوك" لا تعييه السبل أو ترهبه الصعوبات أو تلهيه التعقيدات أو تلقى أذناً مصغية المناشدات بالتوقف أو التمهل أو التفكر أو تحول بينه وبين التنظير والإفتاء، معضلات قانونية دولية أو علاقات دبلوماسية رسمية أو اتفاقات قانونية أممية أو سدود معرفية مُحكَمة.

الحكمة المرفوضة

الحكمة المتواترة المطالبة بالتفكر مرتين قبل الهبد العنكبوتي والرزع الافتراضي الدائرة رحاتيهما على أثير منصات التواصل الاجتماعي منذ فجر حقبة دمقرطة المعلومات وإتاحة الاتصال بالإنترنت لشعوب الأرض قبل نحو عقد ونصف العقد، لا تلقى آذاناً مصغية في ملف "سد النهضة" الإثيوبي وموقف مصر الشعبي. الاهتمام والتعبير وتشارك الأخبار والآراء والمقترحات والتعليق عليها والاتفاق معها ومعارضتها وربما سبها وقذفها في شتى أمور الحياة التي تهم مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي في كفة، وما يجري من قبل قاعدة عريضة من المستخدمين المتحولين إلى مخططين استراتيجيين ومحللين سياسيين وخبراء عسكريين وفقهاء قانونيين وجهابذة دبلوماسيين وأباطرة فاهمين ما خفي وما ظهر من شؤون الدين والدنيا والبحرية والبرية والجوية وما بينها وحولها وفوقها وتحتها في كفة أخرى.

لا يكف ملايين المستخدمين المصريين لمواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما "فيسبوك" و"تويتر" عن الإغراق في "سد النهضة" الإثيوبي الذي يتوقع أن يؤثر في حصتهم من مياه نهر النيل البالغة نحو 55 مليون متر مكعب. أقلام قلة من الكتاب وأصوات البعض من المسؤولين الذين يناشدون المستخدمين بترشيد التنظير العنبكوتي في شؤون السد وما ينبغي عمله لمواجهة الآثار السلبية الناجمة عنه، التي تلقي بظلال وخيمة على شريان الحياة المصري لا تلقى إلا حائط سد منيع. حتى مناشدات التمهل وطلب الرأي المتخصص قبل التدوين والتغريد والدق على "لايك" و"شير" وترويج الهاشتاغ والتخطيط لـ"ترند" يجانبها النجاح.

لا صوت يعلو على التدوينات

في أوقات الأزمات والتهديدات، لا صوت يعلو فوق صوت تدوينات "فيسبوك" الهادرة وتغريدات "تويتر" الثاقبة. سنوات طويلة من ضبابية المعلومات المتاحة عن "سد النهضة" وتعتيمات سياسية حول ما يجري لضمان سريان الشريان وتصريحات إعلامية مفادها أن "كله تمام" ثم صدمات متتالية منذ عام 2011 تسارعت خلالها خطوات البناء والاستثمار، وأخيراً الملء والتجهيز نجم عنها انفجار عنكبوتي غير مسبوق على منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى ساحات استعراض خبرات في كل التخصصات لكل غير ذي أو شبه أو من دون خبرة.

خبرات ما يزيد على 42 مليون مصري ومصرية على مواقع التواصل الاجتماعي لا تألو جهداً في الدلو لما تيسر، وأحياناً تعذر من دلو، في شأن ما ينبغي على مصر عمله في ملف سد النهضة. "اضرب" "ساوم" "فَجر" "فاوض" "داهن" "أسرع" "تمهل" "انطلق" "انتظر" "اطلُب تحكيماً دولياً" "ارفُض تحكيماً دولياً" "صلي" "ادعي" "دك" "استثمر" "أغدق" "امنع" وتتواتر أفعال الأمر المتأرجحة بين نهي صارم وتسويغ كامل يرى كل مستخدم أن على النظام السياسي أن ينتهجها حرفياً لحل أزمة السد.

حرب مستعرة لا تهدأ

أزمة السد على منصات التواصل الاجتماعي تنطلق من بدايات مختلفة لكن تظل النهايات واحدة؛ حرب مستعرة لا تهدأ أو تخفت إلا باضطرار المستخدمين للخلود إلى النوم. خبر في موقع أو تعليق في برنامج أو تصريح في نشرة أو تطور في خبر عاجل أو رأي سمعه أحدهم بينما يحتسي شاياً بحليب في مقهى أو ينتظر باصاً في موقف أو يتجاذب أطراف الحديث مع الركاب في مترو.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دوائر مفرغة من الأخبار، وفي أقوال أخرى الآراء المتحولة إلى أخبار، وفي ثالثة الإشاعات المنقلبة "سمعت من واحد قريبي مهم" يصول ملايين المستخدمين ويجولون فيها على مدار ساعات الاستيقاظ اليومي من دون هوادة لالتقاط الأنفاس أو هدنة للتيقن مما يجري فعلياً على الأرض لحظة.

لحظات السوشيال ميديا أعوام

"لحظات السوشيال ميديا أعوام، وما يجري تداوله وتشاركه وتناقل في لحظات عديدة يساوي في حجمه وأثره ما كان يجري تداوله في عصر ما قبل منصات التواصل الاجتماعي في أعوام"، بحسبما يقول المحاسب والناشط العنكبوتي (من حيث كثرة الكتابة والمشاركة) شريف صلاح (32 عاماً). صلاح من المهتمين بالشأن العام، وبالطبع "سد النهضة" باعتباره قضية مهمة تؤثر في كل المصريين. لكنه في الوقت نفسه، ينتابه الهلع حيناً والضحك الهستيري أحياناً حين يتابع هبد ورزع البعض في هذا الشأن على "فيسبوك" و"تويتر" و"تيك توك". يقول، "هناك خيط رفيع بين الوطنية وحب الوطن والخوف على مصالحه ومستقبله، والضحالة والسطحية وإلحاق الضرر بالوطن والمواطنين جراء تصديق كل ما يكتب على منصات التواصل الاجتماعي. وتصبح الضحالة عملاً خطيراً بقرار الدق على "لايك" وقد تتحول إلى سلاح فاسد يصيب حامله ويقتله ومن حوله بالدق على الـ"شير" دون تفكر".

وما يقصده صلاح هو تداول وتشارك العديد من الأخبار غير المؤكدة باعتبارها تصريحات رسمية، أو إشاعات تُبث لأغراض سياسية ضمن حروب الجيل الرابع لبث الفرقة والفتنة في الأوطان عبر التشكيك.

لكن تشكيكاً من نوع آخر يفرض نفسه على القدرات التنظيرية والإفتاءات العنكبوتية التي ينوء بحملها الأثير من قبل مستخدمين عاديين يتحولون بين دقة زر وأخرى إلى خبراء في السياسة والأمن والتسليح والحقوق المائية والخطط العسكرية وأسس المفاوضات الدولية وقائمة تخصصات الخبرة لا تنضب.

شريان حياة موازٍ

نضوب مياه النيل في مصر أو شحها أو وصولها إلى حد الفقر المائي الشديد تثير مخاوف منطقية ومبررة لكنها تدفع البعض من مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي إلى اعتبارها شرياناً موازياً للحياة. ضيق سعة منصات التعبير السياسي المتاحة في الواقع إضافة إلى قيود وباء كوفيد-19 يدفع كثيرين دفعاً للارتماء في أحضان المنصات العنكبوتية. هذا الارتماء لا يقتصر على التصفح والتجول والتسكع، لكنه يمتد ويتوغل ويتمكن من الإدلاء بالدول في أدق التخصصات العسكرية والاستراتيجية والأمنية انطلاقاً من قواعد شعبوية وعاطفية جارفة.

 

 

ينجرف البعض وراء المطالبة بعمل عسكري لضمان حق مصر من مياه النيل. ويجد البعض الآخر في نفسه موهبة فطرية لوضع الخطط العسكرية وتصل أحياناً إلى تحديد المهام الموكلة إلى كل المشاة والمدفعية والمدرعات والطيران والبحرية! ولأن فيض "غوغل" لا ينضب من حيث المعلومات المتاحة، التي يعتبرها البعض مرجعية تؤهله للضلوع في تقرير خط سير الجيوش، فإن الناتج ربما يكون تدوينة أو تغريدة أو مقطع "تيك توك" يحظى بمئات وربما آلاف الـ"لايك" والمشاركات بل وإعادة التدوير أحياناً ونسب الخطة العسكرية الشعبوية للغير.

سايبر حورس غروب

وغير "سايبر حورس غروب"، وهي مجموعة من أربعة شباب قراصنة مصريين اخترقت مواقع إثيوبية مهمة قبل نحو عام، لم تحدث اختراقات أخرى، إذ يبقى الغالبية المطلقة من الحراك العنكبوتي في "سد النهضة" حراكاً افتائياً. وكانت المجموعة اخترقت مواقع إثيوبية رسمية مهمة وتركت رسالة يقال إنها منقوضة على جدران معبد حورس إله الشمس لدى المصريين القدماء يقول نصها، "إذا انخفض منسوب النهر فليهرع كل جنود الفرعون ولا يعودون إلا بعد تحرير النيل مما يقيد جريانه".

لكن جريان الرسالة لم يتوقف. أيادي المدونين والمغردين تدق من دون هوادة متخذة من الرسالة مقدمة لتدوينة على "فيسبوك" أو تغريدة على "تويتر" ليبقى المعنى والمراد في بطن المستخدم وأصدقائه ومتابعيه.

لكن مستخدمين آخرين وأصدقاءهم ومتابعيهم ينتهجون نهجاً عنكبوتياً آخر في الملف نفسه، وهو النهج الذي يعكس خبرة افتراضية دبلوماسية أو حنكة ستراتيجية بالسليقة. المئات يدلون بدلوهم في شؤون التفاوض الدبلوماسي مملين على مسؤولي وزارة الخارجية ما ينبغي وما لا ينبغي قوله. وكان التصريح الذي وصف بـ"الصادم" من قبل وزير الخارجية المصرية سامح شكري قبل أيام عن "مأمونية" مصالح مصر رغم الملء الثاني للسد نقطة انطلاق رئيسة للتنظير الدبلوماسي العنكبوتي.

 شكري، الذي قال في برنامج تلفزيوني، "لدينا رصيد أمان متوافر بخزان السد العالى، ونثق فى أن الملء الثانى للسد لن يؤثر في مصالحنا المائية ونستطيع أن نتعامل معه من خلال الإجراءات المحكمة فى إدارة مواردنا المائية" أصاب كثيرين بصدمة، والبعض بطمأنينية والثالث بـ"أزعرينا" (غضب صاخب). وانعكست تلك المشاعر المتضاربة تنظيراً دبلوماسياً واستراتيجياً في التغريدات والتدوينات حيث إملاءات نابعة عن خبرة افتراضية يبدو أن بعضها خيالي. فبين "على وزارة الخارجية أن تداهن وتتحدث عن القبول والتفاوض بينما يجري ضرب السد ودكه تماماً" و"على وزير الخارجية أن يستقيل" و"عين العقل ما قاله وزير الخارجية علينا أن نحل الموضوع بالعقل والتفاوض" اشتعل الأثير تنظيراً دبلوماسياً هادراً.

المنطق والهراء

إحدى المشكلات الناجمة عن التنظير الهادر على منصات التواصل الاجتماعي، هو ذلك الخط الرفيع الفاصل بين الحقيقة والخيال، والمنطق والهراء، والواقع والزيف. وبات من المعروف أن منصات الإنترنت تفاقم انتشار المعلومات المضللة نتيجة الخورازميات التي تروج للمحتوى الذي يتمتع بقدر عال من المشاركة. وهذا يثير القلق الذي يصل لدرجة الرعب حين تنجح الخورازميات في أن تصنع من الفسيخ شربات ومن التنظير العنكبوتي القائم على فورات الغضب أو ثورات الوطنية أو فقرة على جدول الأعمال السياسي أو الاستراتيجي أو الدبلوماسي أو حتى في برنامج تلفزيوني أفلس فلجأ لإعادة تدوير ما زرد على منصات التنظير.