Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صعود جديد للدولار في السودان يثير مخاوف من موجة غلاء

اختلال السياسات يزيد الفجوة في سعر العملات الأجنبية بين البنوك السودانية والسوق الموازية

زحمة أمام أحد المصارف السودانية (اندبندنت عربية - حسن حامد)

يشهد الجنيه السوداني هذه الأيام تراجعاً كبيراً مقابل الدولار الأميركي، حيث نشطت السوق الموازية مجدداً عقب استقرار سعر الصرف في ضوء إعلان الحكومة السودانية في فبراير (شباط) الماضي، توحيد سعره، لكن سرعان ما بدأت الفجوة السعرية بين المصارف الرسمية والسوق الموازية تتسع (410 جنيهات للدولار في البنوك، و430 في السوق الموازية)، وذلك بسبب عدم تمكن البنوك من توفير احتياجات المواطنين من العملات الأجنبية، فضلاً عن الاختلالات في السياسات المتبعة وإشكالاتها. وأثار ذلك الوضع مخاوف السودانيين من حدوث موجة غلاء جديدة في الأسعار، في وقت أبدوا تفاؤلهم بنتائج مؤتمر باريس الذي انعقد الأحد 17 مايو (أيار) الحالي، لدعم اقتصاد بلادهم وتخفيف عبء ديونها البالغة 60 مليار دولار.
وتعليقاً على هذا التراجع، رأى الباحث الاقتصادي السوداني هيثم محمد فتحي، أن "هناك تعقيد في المشهد الاقتصادي في البلاد، وتعددت أسباب ارتفاع سعر الدولار، بخاصة مع التطورات الحالية التي طالت المؤشرات الاقتصادية، أما بالنسبة إلى مشكلة ارتفاع أسعار صرف الدولار، فلها أبعاد أبعد من تدني معدلات الإنتاج الزراعي والصناعي وعدم الاستقرار السياسي والأمني، في ظل زيادة الإنفاق العام بصورة كبيرة خلال الفترة السابقة، ما أدى إلى تفاقم مشكلة التضخم بصورة عامة".
وبيّن فتحي أن "هناك كثيراً من السياسات غير الثابتة التي اتخذها بنك السودان المركزي، تسببت في بروز ظاهرة عدم الثقة في الجهاز المصرفي والعملة المحلية، في دولة كثير من مستهلكاتها مستوردة من الخارج. ومن تلك السياسات، الإعلان عن تحرير العملة الأجنبية، ثم مزاد للعملة الأجنبية، ومرة شراء الذهب عبر البنك المركزي، وتارةً السماح للشركات بتصدير الذهب، وكذلك الإعلان عن آلية تحديد سعر العملات الأجنبية وغيرها". وأضاف أن "سعر صرف الدولار كسلعة يُفترض أن يقوم على قواعد السوق المتعارف عليها، وهي مسألة العرض والطلب، هذا وفق الإطار العام، لكن نجد الآن كثيرين من السودانيين في بلادهم يتعاملون بالدولار وكأنها عملتهم الوطنية، على خلاف البلدان الأخرى. لذلك لا يمكننا تحديد الحاجة الفعلية للدولار، فهو ضروري من أجل استيراد المواد الأساسية، وكذلك من أجل التخزين والادخار والمضاربة. كما أصبح الدولار عاملاً نفسياً مؤثراً في مشهد الحياة اليومية للفرد، لأن هناك غموضاً بالنسبة إلى الغد الاقتصادي، وعدم توقع للمستقبل، وخوفاً من الاستثمار، وزيادة الاستثمارات، وعدم ثقة بالعملة المحلية".
 


ترويج الإشاعات

وحول قيام بنك السودان بطرح مزاد للعملة الأجنبية، ومدى إسهامه في استقرار سعر الصرف، قال فتحي، "في تقديري أن التوقيت الذي استخدِمت فيه آلية المزاد غير مناسب، من ناحية أن البلاد لا تملك حالياً موارد من العملات الأجنبية منذ فترة، بخاصة أن هناك توجهاً عاماً لدى الأفراد نحو ما يُسمى بالدولرة (تحويل أرصدتهم من الجنيه السوداني إلى الدولار) نتيجة الخوف من انخفاض قيمة ثرواتهم بالعملة المحلية. وهذا المزاد عبارة عن سوق للعملة الأجنبية يلتقي فيها الطلب على هذه العملة بالعرض منها، ومن ثم يتكون سعر الصرف".
ولفت إلى أن "عملية تحديد سعر الصرف يجب أن تجرى بسلاسة، لأن عرقلتها ستؤثر على الطلب على الدولار"، مشدداً على أن "الطلب الذي ستتم عرقلته سيشبع من السوق، وسيكون هذا الإشباع بسعر صرف أعلى، بالتالي يحصل الارتباك في السوق، ويكون ذلك مقدمة لتعدد أسعار الصرف، الأمر الذي يعرقل اتخاذ القرارات الاقتصادية وتنفيذها".
وخلص الباحث الاقتصادي إلى أن "أهم هدف للسياسة النقدية هو الحفاظ على سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملة الأجنبية"، فيما أرجع تصاعد سعر الدولار في السوق الموازية إلى "المضاربات الناتجة من ترويج الإشاعات المتعلقة بعدم توفر العملة الأجنبية بشكل كاف وشحها في العرض، الأمر الذي تعقبه زيادة في الطلب، ما يؤدي إلى ارتفاع السعر، إذ إن المضاربين ينتفعون من ذلك، إضافة إلى بعض الحوادث المتعلقة بعدم الاستقرار السياسي والأمني، بل وحتى الاقتصادي".

تباطؤ ومضاربات

في المقابل، اعتبر الباحث الاقتصادي السوداني الزبير وراق أن "ما يحدث الآن من زيادة في سعر الدولار له أسباب عدة، أولها أن سياسة تعويم الجنيه السوداني التي اتبعها البنك المركزي منذ البداية لم تكن سليمة، وفيها إشكالات كثيرة، على الرغم من أن التعويم لم يكن كاملاً، ولم يتمكن البنك المركزي من التدخل بشكل تام لإيقاف المضاربات التي حدثت في السوق الموازية. ففي الفترة التي استقر فيها سعر الصرف، وشهدت إقبالاً كبيراً من المغتربين السودانيين في الخارج، وعامة المواطنين داخل البلاد بتحويل عملاتهم الأجنبية بواسطة البنوك، حدث تباطؤ كبير جداً من قبل البنوك مع العملاء، فضلاً عن سوء التعامل، في حين بدأت هذه البنوك بواسطة بعض العاملين بتقديم التسهيلات اللازمة لتجار العملة، عبر توفير فئات العملة الكبيرة لهم، بينما تمنح الفئات الصغيرة لبقية العملاء، إلى جانب تأخير الصرف وبيروقراطية الإجراءات".
وتابع "هذا التعامل السيء، وما صاحبه من تعقيدات بنكية، إلى جانب عدم عمل البنوك في الفترة المسائية، قاد كثيرين إلى التوجه نحو السوق الموازية، لما توفره من ميزات كثيرة، أهمها سرعة تسليم المبالغ وإيصالها إلى المنازل، فضلاً عن توفير الفئات الكبيرة من العملة المحلية. ويمكن ربط ذلك بمسألة تغيير العملة وأهميتها، حيث أن معظم الكتلة النقدية موجودة في يد تجار العملة وبعض الأشخاص الذين يتعاملون معهم، ولهم غرض في تخريب الاقتصاد".


تسريب المعلومات

وزاد وراق "في نظري، إن بنك السودان المركزي لا يستطيع حالياً السيطرة على هذا الوضع، فالتجربة الهندية أحدثت تأثير كبير جداً على الاقتصاد الهندي بعد تطبيق سياسة تغيير العملة، لأنه تم ربط تغيير أي مبلغ بإثبات خلو الطرف الضريبي، ما اضطر البعض بخاصة الذين كانوا يمارسون غسيل الأموال والمضاربات إلى إحراق مبالغهم لعدم تمكنهم من إثبات هذا الشرط، لذلك فإن تغيير العملة في السودان مهما كانت كلفته يظل أمراً ملحاً، للسيطرة على الكتلة النقدية، ومعرفة حركة الأموال وعدم تسربها للمضاربات. كذلك من الإشكالات الأخرى تلك التي تتعلق بالمستوردين، فالبنوك السودانية لا تمنحهم المبالغ الكافية لاحتياجاتهم، ما جعلهم يلجأون إلى السوق الموازية لتأمينها، إضافة إلى وجود شريحة تقوم من وقت لآخر بتحويل أموالها إلى الخارج لشراء عقارات في مصر وتركيا وغيرها، فتضطر للتعامل مع تجار العملة لتسهيل عملية التحويل".
ويعتقد المحلل الاقتصادي، أن "موضوع العملة السودانية يحتاج إلى حلول ناجعة ومتابعة يومية، لأن المشكلة بالدرجة الأولى تتعلق بالنواحي الإدارية داخل بنك السودان المركزي، فما لم تكن هناك جدية من قبل البنك المركزي لضبط البنوك، وإيجاد مراقب في أي بنك، واتباع سياسة الانفتاح، فلن تُحل هذه المشكلة نهائياً، فهناك حالات عدة تم إثباتها، لتسريب مبالغ كبيرة ومعلومات سرية إلى تجار العملة، لذلك يُتوقع أن يواصل الدولار الصعود، بسبب عدم وجود ثقة في البنوك، بالتالي يظل الطلب على الدولار في مكانه في السوق الموازية". وأكد أن مواصلة الدولار صعوده من شأنه أن يحدث هلعاً لأصحاب الودائع، ما يزيد الطلب عليه من قبل المواطنين لحفظ أموالهم من التآكل وتراجع قيمتها السوقية".

مزاد للعملات

في غضون ذلك، يُفترض أن يطرح البنك المركزي السوداني، يوم الأربعاء 26 مايو الحالي، 40 مليون دولار للبيع في مزاد للعملة الصعبة، وذلك للمرة الأولى منذ قرار خفض قيمة العملة وإطلاق سياسة توحيد سعر الصرف، منذ نحو 3 أشهر، على أن يكون الحد الأعلى لقيمة الطلب المسموح بتقديمه من كل مصرف كنسبة من حجم المزاد الكلي، 20 في المئة.
ويقتصر المزاد على المصارف فقط، بالإنابة عن عملائها، على أن يقدم العميل طلباً واحداً عبر مصرف واحد، مع توضيح الرمز الائتماني والرقم الضريبي. وكان "المركزي السوداني" أصدر منشوراً لتنظيم عمليات مزادات النقد الأجنبي، أكد فيه أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على نتائج السياسة الاقتصادية الكلية، التي من ضمنها سياسة سعر الصرف، لكنه اعتبر عقد مزادات النقد الأجنبي خطوةً أولى للتدخل، ويتبعها قريباً إطلاق نظام إلكتروني مُحكَم يمكّن كافة المتعاملين في سوق النقد الأجنبي من التداول بكل سهولة وشفافية، لكسر الجمود الحالي في سوق النقد الأجنبي، ومحاربة كل عمليات المضاربة والوساطة الضارة.
وأشار "المركزي" إلى أن جملة مشتريات المصارف والصرافات من النقد الأجنبي بلغت حتى الآن حوالى 1.2 مليار دولار، فيما بلغت جملة الاستخدامات لمقابَلة احتياجات العملاء المختلفة حوالى 760 مليون دولار، معتبراً أن ذلك يُعد مؤشراً أولياً لنجاح هذه السياسة في إعادة تدفق الموارد من خلال القنوات الرسمية للجهاز المصرفي.
واعترف البنك المركزي بأن هنالك عقبات ما زالت تقف أمام المصارف السودانية لاستعادة علاقاتها المصرفية مع مراسليها في الخارج، لافتاً إلى أنه يعمل حالياً على تذليل تلك العقبات من خلال استيفاء المصارف والصرافات لمتطلبات التعامل المصرفي العالمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


تباين الآراء

وكانت أراء الاقتصاديين السودانيين، تباينت حول القرار الذي اتخذته الحكومة في فبراير الماضي، بتوحيد سعر الصرف الرسمي والموازي للعملة المحلية، على أن يتم تحديده وفق آلية العرض والطلب، حيث اعتبره البعض قراراً إيجابياً لإيقاف تشوهات الاقتصاد السوداني وتدهوره المستمر، بينما رأى آخرون أنه قرار خاطئ سيؤدي إلى مزيد من المعاناة للاقتصاد والمواطن معاً.
وبحسب "بنك السودان المركزي"، فإن قرار تعويم العملة الوطنية (الجنيه) يهدف إلى إزالة التشوهات والاختلالات، التي يعاني منها الاقتصاد السوداني المثقَل بالمشكلات والأزمات في ظل ارتفاع الديون إلى حوالى 60 مليار دولار والتضخم إلى ما فوق 300 في المئة، فضلاً عن وقف مزيد من الانفلات في أسعار الصرف، بعد أن فاق سعر الدولار الواحد آنذاك 400 جنيه في السوق الموازية، حيث حدد "المركزي"، 375 جنيهاً كسعر تأشيري مقارنةً مع 55 جنيهاً السعر الرسمي أي بزيادة 700 في المئة.
وأكد وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم، في تعليقه على هذا القرار، أن "الحكومة ستعمل على تحقيق أقصى قدر من الاستفادة من القرارات الجديدة لتحسين وضع العملة المحلية"، مشيراً إلى أن تلك القرارات "ستتبعها إجراءات إضافية تضمن تفعيلها بشكل سليم".