Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصين قادمة قادمة

نوَّه هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق إلى أن أهم ميزة نسبية للصين مقارنة بالغرب هي تفكيرها وتخطيطها الاستراتيجي طويل الأجل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ (أ.ف.ب)

الحديثُ هذه الأيام عن أميركا ينصب في المقام الأول على سياسات وتصرفات ترمب، الذي يستهدف تغيير النمط التقليدي للمنظومة السياسية والأمنية والاقتصادية الأميركية، خصوصاً كل ما فعله أوباما.

والحديثُ عن روسيا يدور حول بوتين وسعيه إلى استعادة قدر من الاحترام الدولي لبلاده، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتعامل الغرب مع بلاده بتعالٍ وعدم احترام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أمَّا الحديثُ عن الصين فيركز على سياسات الدولة، أكثر من شخصيات بعينها، وحول طموحات جديدة وغير محسومة لها بنظرة ووفقاً لاستراتيجية صينية للقرن الواحد والعشرين، وما بعده، وليس بالنظر إلى الوراء، ولقد نوَّه هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، إلى أن أهم ميزة نسبية للصين مقارنة بالغرب هي تفكيرها وتخطيطها الاستراتيجي طويل الأجل، وهو تقييمٌ أتفق معه، رغم اختلافي مع عديد من آرائه حول منطقتنا الشرق الأوسطية، ومصالحنا العربية.

لقد تابعتُ الصين منذ زمنٍ طويلٍ، إذ كنت عام 1976 عضواً شاباً في وفد زائر مرافق لنائب الرئيس المصري حسني مبارك حينذاك عام 1976، في منتصف الثورة الثقافيَّة، التي هزَّت الصين، وجعلتها تُغلق جامعاتها مدة عشر سنوات على التوالي، وتابعتُها خلال اضطرابات الميدان الأحمر في بكين، والمظاهرات الشبابية الدموية، ثم مع تبني الصين سياسات انفتاحية بعد تولي دنغ شياوبنغ الرئاسة عام 1976، الذي شخَّص الساحة الصينية وتحدياتها جيداً، فوضع معادلة الانفتاح الاقتصادي على العالم عام 1978، من خلال إنشاء مناطق اقتصادية خاصة، ليصل النمو الاقتصادي الصيني إلى معدلات تجاوزت 12% سنوياً، ويتعدى حجم الاقتصاد الياباني، وينافس الولايات المتحدة على الريادة الاقتصادية العالمية.

رغم كل ذلك ظلت الصين طويلاً تطرح نفسها دولياً بتواضع، معترفةً بكبر حجمها، إنما متمسكة بأنها دولة نامية، بل وتشارك في اجتماعات دول الـ77 النامية حول الموضوعات الاقتصادية.

وهدف الصين حينذاك كان ترتيب البيت من الداخل، وخلق أرضية قوية لتنفيذ استراتيجية تحرك خارجية مستقبلاً.

وتزامن نضوج تلك المرحلة مع صعود شي جين بينغ إلى الحكم عام 2013، وتنامي الحاجة الملحة إلى تأمين الموارد الطبيعية المختلفة، من طاقة ومعادن خاصة وأملاح، لتغذية منظومة التنمية وصناعاتها، وكذلك توفير أسواق لمنتجاتها في الدول النامية في أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، ومن بعدها في الأسواق الأوروبية الأميركية.

من هنا بدأ التردد والتخوّف الغربي من التنافس الصيني الاقتصادي عامة، والتكنولوجي خصوصاً، وبالتحديد في مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في جيلها الخامس، وأحدث هذه التوترات قضية إحدى قيادات شركة هواوي في كندا، وهناك تخوفات مماثلة من قبل بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا، في حين أن آخرين بما فيها بريطانيا أقل قلقاً في هذا الشأن.

وقد جذب مشروع الحزام والطريق الطموح على طريق الحرير القديم من ثلاثة آلاف سنة اهتماماً دولياً كبيراً، إذ يعبر البلاد والقارات بتواصل استراتيجي واستثمارات واسعة مع تركيز خاص على البنية الأساسية في الطرق والموانى، ومشروعات الطاقة المغذية الاستثمار، وهو مشروع أثار من جديد مخاوف بعض الدول الغربية من التوغل الصيني، وتأييد عدد آخر من الدول الأوروبية، مثل إيطاليا واليونان سعياً إلى الاستفادة اقتصادياً.

وهناك مؤشرات تغير جديدة في التوجه الصيني وممارستها، التي أصبحت تتحرك وتروج بقوة أكبر لدورها، بعدما ظلت طويلاً تنفي ريادتها أي توجه دولي، فأعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ في ملتقى دافوس الرأسمالي لرجال الأعمال منذ عامين، وبكل ثقة وصراحة أن بلاده على استعداد لريادة عملية الإصلاح الاقتصادي الحر في عصر العولمة، في ظل اتجاه الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية إلى سياسات انعزالية، حمايةً لصناعتها وأسواقها المحليَّة ونصيبها في الأسواق العالمية.

وصيانة لدورها ومكانتها في سياق المنظومة الاقتصادية الدولية وتأكيداً لرغبتها في التعاون، عدَّلت الصين من قانون الاستثمار الأجنبي بالبلاد، وتتواصل مع الولايات المتحدة في مفاوضات تجارية شاقة، لتتجنب تصادمات غير ضرورية، وفي توقيت غير ملائم، من دون أن تحد من طموحاتها الاقتصاديَّة والسياسيَّة من خلال الانفتاح مع العالم والتواصل معه.

ولقد استضافت الصين منذ أيام معدودة في بكين الجولة الثانية لقمم الدول المنظمة لمسار الحزام والطريق، حضرها قادة عدد من الدول العربية مثل الشيخ محمد بن راشد عن الإمارات، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ممثلاً عن بلاده، وبصفته المزدوجة رئيساً لمنظمة الاتحاد الأفريقي، ساحتين محل اهتمام كبير للصين، استثمارياً وتجارياً، رغم علاقات دولها القوية بالولايات المتحدة.

هذا ولقد وصل حجم التجارة بين الصين ودول الحزام والطريق إلى تريليون و300 مليار دولار خلال العام الماضي، والخدمات إلى 97.7 مليار دولار، وتؤكد الصين أن فلسفتها هي بناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية، وتحقيق مبدأ النمو للجميع من خلال المشاركة والتعاون، والإسهام في وضع إصلاح نظام الحوكمة الدولية والعولمة الاقتصاديّة، ولقد وقَّعت 123 دولة و29 منظمة دولية اتفاقات حول المبادرة مع الصين.

وأجدُ أن التحفظ الغربي تجاه الصين مليء بالأخطاء والتناقض، فمن ناحية ينبني على قناعة خاطئة مترسخة لديهم بتفوق الحضارتين الإغريقية والرومانية على الحضارات الأخرى، كما أنه يتحفظ على طموحات الصين التنافسية اقتصادياً، رغم أنها ممارسات سبق أن قامت بها الدول الغربية طويلاً، وعلى حساب الدول النامية بشكل خاص.

وإنما من السذاجة أيضاً الاعتقاد أن النمو الاقتصادي الصيني لن يكون مصحوباً بتحوّل تدريجي في الدور والنفوذ السياسي والعسكري، فمع اتساع مصالح الصين عالمياً ستنغمس بشكل متزايد في نشاطات دوليَّة لحماية مصالحها، حتى وإن تم ذلك من دون نزعة استعماريَّة، وبمفهوم جديد للتعاون والتنمية، وقد شهدنا بالفعل نمواً كبيراً في القدرات العسكرية الصينية، خصوصاً في المجال البحري، ونشاطاً سياسياً أوسع وأعمق في تعاملها مع آسيا تحديداً.

الصين قادمة قادمة بكل الإيجابيات والطموحات والمحاذير، وعلى العالم بما في ذلك العالم العربي التفكير استراتيجياً، لتشكل هذه الإضافة عاملاً إيجابياً في بلورة نظام دولي جديد أكثر عدالة واستقراراً في القرن الحالي، وبما يحقق أكبر مصلحة لدولنا.

  

المزيد من آراء