Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تصاعد الشعبوية في إيران يفرز ترشح أحمدي نجاد

هل يمكنه أن يقنع قاعدة شعبية كبيرة بتصوراته السياسية والاقتصادية

منذ أيام قليلة سجّل محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق (من 2005 حتى 2013)، ترشّحه للانتخابات الرئاسية في يونيو (حزيران) 2021. وعام 2017، تقدّم إلى مجلس صيانة الدستور للترشح ضد رغبة المرشد الأعلى علي خامنئي، لكن المجلس ألغى ذلك. هنا، يحضر التساؤل عما دفع نجاد إلى الترشح مرة أخرى، والمؤكد أن طلبه سيُرفض، ولا يبدو أنه مرحب به وسط تيار المتشددين المسيطر على مؤسسات الدولة.

إن الإجابة عن هذا التساؤل تطرح بروز تيار جديد كان يسمّيه البعض بعد انتهاء الولاية الثانية لنجاد عام 2013 بـ"تيار نجاد"، لكن المؤكد أن ملامح هذا التيار تتشابه إلى حد بعيد مع كثير من سمات ما يُعرف بالشعبوية التي تتصاعد عبر العالم في دول أوروبا والولايات المتحدة، وبعض منها في الشرق الأوسط. وقياساً مع أفكار ورؤى الفاعلين السياسيين الشعبويين، سواء كان حزباً أو قائداً سياسياً، فإن كثيراً منها ينطبق على أحمدي نجاد، لا سيما بعد خروجه من السلطة في إيران والارتكاز على القاعدة الشعبية فحسب.

أهم سمات الشعبوية

تُعرف الشعبوية بأنها مجموعة من الأفكار لا ترقى إلى حد أيديولوجية متماسكة، وتعتبر المجتمع منقسماً إلى معسكرين متجانسين ومتعارضين، "الشعب النقي" مقابل "النخبة الفاسدة" أي معسكر الخير في مقابل معسكر الشر، وأن السياسة في نهاية المطاف يجب أن تكون تعبيراً عن الإرادة العامة للشعب. وكثيراً ما يستخدم السياسيون الشعبويون خطابات ضد النخبة الحاكمة، التي يُشار إليها بالسياسات المناهضة للمؤسسة الحاكمة أو هيكل السلطة القائم. وتتّسم تلك الخطابات بالجاذبية للتعبئة الجماهيرية في أوقات الأزمات وتسعى إلى نقل وجهة نظر المجتمع في مواجهة النخبة الحاكمة.

وتنشط التيارات الشعبوية حيث يكثر الكشف عن قضايا فساد النخبة السياسية أمام العامة، ولكي تكون لدى القائد الشعبوي صدقية عند تقديم ذاته بأنه صوت الشعب في مواجهة النخبة الحاكمة الراسخة، عليه أن يقدّم ذاته باعتباره إما غريباً على المؤسسة السياسية (أي سياسي مستقل أو شخص مرتبط بحزب منافس حديثاً) أو "المنشق" (أي سياسي مرتبط بحزب راسخ ثم يتخلى عنه أو يغيره تماماً، أو منشق ومعارض للنظام السياسي القائم). وهذه هي الحالة مع نجاد. ومن ثم، هل تنطبق سمات وملامح الشعبوية على نجاد وتياره؟ بالطبع، يمكن تتبّع أهم ملامح سياسة نجاد خلال فترة ولايته الرئاسية، وما بعدها.

هل تنطبق سمات الشعبوية على نجاد؟

ربما التركيز على الولاية الثانية لنجاد يقدّم مؤشرات إلى تياره الشعبوي على اعتبار أن الفترة الأولى شهدت وفاقاً بين سياسته والمرشد الأعلى والحرس الثوري، أي كان جزءًا من النظام السياسي، في حين مثّلت الولاية الثانية أولى مراحل الاختلاف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فقد اتسمت الولاية الثانية لنجاد بعدم الامتثال لقرارات المرشد، والاشتباك مع المؤسسات الإيرانية، وأقال وزير الاستخبارات من دون تنسيق مع خامنئي، فضلاً عن الهجوم على القضاء. وفي مقابل الهجوم على مؤسسات الحكم، كان يتبع سياسات اقتصادية شعبوية، تقوم على دعم قاعدته الشعبية وقوامها من البسطاء والفقراء، وتوسّع في تقديم دعم نقدي شهري، ومنح قروضاً لبناء المنازل. وعلى الرغم من العقوبات الشديدة التي فُرضت على إيران منذ 2006، عمل على توزيع عوائد النفط على المواطنين بشكل مباشر. ومع انتهاء ولايته وحاجة إيران إلى إنجاز الاتفاق النووي والتواصل مع الغرب، بضوء أخضر من خامنئي، كانت الحاجة إلى رئيس منتمٍ إلى التيار المؤمن بالانفتاح. وجاءت الانتخابات بحسن روحاني. لكن، عام 2017، حاول نجاد اغتنام الفرصة التي أتاحها ضعف روحاني من خلال إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية في ذلك العام، متحدياً خامنئي الذي حذّره من ذلك.

أدى سلوك نجاد إلى تعميق النزاع بينه والمتشددين. ولم يتوقف نشاطه السياسي هنا، بل استمر في تكثيف نشاطاته، وزار جميع المدن، ونظّم فعاليات ركّزت على تقديم نفسه كمنقذ للملايين من الأشخاص الذين يكافحون من أجل البقاء في ظل الاقتصاد الإيراني المضطرب، وفي تقديم نفسه على أنه الزعيم الجديد للمعارضة. وازدادت انتقاداته لحكومة روحاني في ظل التظاهرات التي شهدتها البلاد عام 2017. وفي 2018، هاجم السياسيين من جميع التيارات، بمن فيهم رأس النظام. وانتقد المرشد لتدخّله في ما اعتبره هندسة الانتخابات. وكان أول من انتقد اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين إيران والصين، وأعلن أنها تتضمن تفاصيل لم يُكشف عنها. واتهم الإصلاحيين والمحافظين والمعتدلين "بالفساد والمحسوبية" وتدمير الاقتصاد الوطني. ونادى بأن الثورة الإسلامية يجب أن تُعاد إلى أصحابها الحقيقيين، الناس العاديين في إيران.

من المؤكد أنه في ظل سيطرة المنتمين للحرس الثوري والتيار المتشدد والموقف المعادي لنجاد، لن يُقبل ترشحه، وهو يعي ذلك. إذاً، فالمستهدف من تحركاته هو خلق نوع جديد من المعارضة لبنية السلطة القائمة والبعيدة من التصنيفات التقليدية للفصائل السياسية، ما بين تيار متشدد وإصلاحي وبراغماتي، ليظهر تيار يعتبر نفسه معارضاً للنظام السياسي القائم بمختلف مؤسساته، وقوامه الارتكاز على مبادئ الخميني بمساعدة القاعدة الشعبية، بعيداً من "النخب الفاسدة" التي لم تلبِّ حاجاتهم.

وحرص نجاد على التواصل من جهة أخرى مع العالم الخارجي، فأرسل خطابات عدة منها إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للتعاون معاً في حل أزمة اليمن، وإلى الأمين العام للأمم المتحدة والرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. بالتالي، فهو يقدّم نفسه باعتباره المعارض المنشق الذي لا تُتاح له الفرصة من قبل النظام القائم. لذا هدد بعدم التصويت وشجع الآخرين على مقاطعة التصويت إذا ما استُبعد.

والتحدي هو هل يمكن لنجاد أن يقنع قاعدة شعبية كبيرة بتصوراته السياسية والاقتصادية، لا سيما أن فترة حكمه شهدت تصنيف واشنطن إيران دولة مارقة، وساءت سمعتها دولياً على وقع خطاباته، فضلاً عن تشديد العقوبات عليها ومعاناة الإيرانيين، الأمر الذي دفعهم إلى انتخاب روحاني.

المزيد من تحلیل