Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مسارات واتجاهات الوساطة المصرية الراهنة بين إسرائيل وغزة

القاهرة تطرح ضمانات محددة وخبراتها التراكمية مهمة ومن المرتقب الوصول إلى نتائج حقيقية

تتحرك القاهرة بذراعيها الاستخباراتية والسياسية لتقريب وجهات النظر بين الطرفين الإسرائيلي من جانب، وحركة "حماس" والفصائل الفلسطينية من جانب آخر. وجاء التحرك المصري وفق منظومة عمل واضحة يقودها فريق أمني متخصص سبق أن أدار مواجهات سابقة بنجاح واقتدار، ولكنه هذه المرة الأمر مختلف في ظل تعقد المشهد السياسي والاستراتيجي ومزايدات كل طرف، وهو ما يعقد المهمة المصرية، ويدفع إلى طرح رؤى ومساومات وأوراق ضغط في كل اتجاه، خصوصاً مع تمسك كل طرف بما يعرضه.

وساطات متعددة

تحرك مصر المباشر انطلاقاً من خبراتها الكبيرة والسابقة في التعامل مع التطورات على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وإن اختلف الأمر في هذه المرة، حيث كان التحرك على المسارين في التوقيت نفسه بهدف التأكيد أن استمرار المواجهات سيؤدي لنتائج سلبية ومدمرة، ومن الملاحظ أن الخارجية المصرية قد دخلت على الخط إلى جانب اتصالات جهاز المخابرات العامة، صاحب الإدارة المباشرة للملف منذ سنوات طويلة، ما يوضح أن الجهد الدبلوماسي يعمل إلى جانب التحركات الأمنية والاستراتيجية لمصر بهدف ممارسة أكبر قدر من الضغوط على الجانبين ونقل رسائل مباشرة، كما تحرك الوسيط المصري تجاه الجانب الفلسطيني، وتحديداً تجاه "حماس"، وتمت اتصالات مباشرة مع إسماعيل هنية مباشرة وباقي الفصائل الأخرى، وخاصة أن مصر يربطها بكل الفصائل علاقات جيدة، وسبق أن شاركت أغلب الفصائل في حوارات القاهرة التي تمت بخصوص الانتخابات الفلسطينية التي ألغاها الرئيس محمود عباس.

كما أن دخول الأمم المتحدة إلى جانب الوسيط المصري، والعمل معاً على اعتبار أن المبعوث الأممي له مصداقية التحرك، ومقبول من قبل الجانبين، وملم بتفاصيل ما يجري، وقد لوحظ أن الاتصالات الأممية تركزت مع الجانب المصري في إشارة مهمة إلى أن القاهرة ممسكة بتفاصيل ما يجري، ولها مصداقية التحرك والانفتاح على الجانبين، وهو ما سيعطي لأي نقاط قد يتم الاتفاق بشأنها مصداقية كاملة حال التوصل لنقطة بداية في الهدنة الجديدة.

أضف إلى هذا انفتاح الجانب الأميركي على الجانب المصري، وهو أمر لم يحدث في مواجهات سابقة، ويبدو أن الإدارة الأميركية التي عزفت عن التدخل في الصراع العربي - الإسرائيلي بصورة عاجلة مثلما تم في الملفات اليمنية والإيرانية والقرن الأفريقي (عينت مبعوثين في هذه الملفات) عملت على الحضور السياسي عبر اتصالات أمنية، كما أوفدت مبعوثاً رسمياً لإسرائيل للتشاور والتأكيد على وجودها في تفاصيل ما يجري، كما تمت اتصالات أمنية على مستوى عالٍ بين القاهرة وواشنطن قبل وأثناء قيام الوفد المصري بزيارة عاجلة لتل أبيب.

أيضاً دخل الجانب الروسي على خط الاتصالات وعلى مستوى عالٍ، وتمت اتصالات بين وزيري الخارجية المصري والروسي، في إشارة للحضور الروسي في قلب ما يجري وإعلان موسكو استعدادها للمشاركة في ممارسة دور الوسيط المشارك، وهو ما برز على مستويات ثنائية وعلى المستوى الأممي في مجلس الأمن، وجرى تنسيق روسي - تونسي - نرويجي في هذا السياق الدبلوماسي، ومن المتوقع أن يكون التحرك الروسي مطروحاً لموازنة أي تحركات أميركية لا تزال غير واضحة، أو مؤثرة في التوصل للتهدئة وبناء هدنة جديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بالإضافة إلى استمرار الاتصالات القطرية مع الجانبين الفلسطيني حماس وتنظيمات المقاومة من جانب وإسرائيل من جانب آخر، إلا أن التحرك القطري يتم بمفرده ولم يدخل على الخط مع المسار المصري، وإن كان يصب في إطار ما يجري مصرياً وروسياً ودولياً، وخاصة أن الجانب القطري يمكنه في الوقت الراهن إجراء تنسيق مباشر مع نظيره المصري بعد استئناف العلاقات بينهما، وهو ما يمكن أن يخدم الهدف الرئيس بالتوصل لاتفاق هدنة مقبول من الجانبين.

أما الجانب الأردني ففضل التشاور مع الأطراف المعنية والتحرك من أعلى في إطار ملف المقدسات الإسلامية باعتباره مشرفاً عليها وفقاً للاتفاق الثلاثي دون أن يدخل فعلياً في أي وساطة مباشرة أو غير مباشرة، كما استمرت الاتصالات بين السلطة الفلسطينية والأردن عبر الملك عبدالله الثاني والرئيس محمود عباس، وإن كانت مصر قد أحاطت الجانب الأردني بتفاصيل ما يجري لاعتبارات تتعلق بخصوصية العلاقات بينهما.

المطروح للتفاوض

في إطار ما هو معروض مصرياً، وقابل للتناول مع الجانبين كان التحرك انطلاقاً من قاعدة رئيسة مهمة تتعلق بما يلي:

إن التهدئة مقابل الاستقرار وخفض التوتر مهم تدريجياً، مما سيؤدي لخلق مناخ تفاوضي جيد، ويدفع بالتوصل لتهدئة حقيقية ومتماسكة مع التوقع بحدوث خروقات متتالية من قبل الجانبين. صحيح أن الحكومة الإسرائيلية تزايد على هدفها بالوصول إلى ما تحققه من فتح بنك الأهداف، إلا أن التخوف من المجهول واستمرار استهداف المدن الإسرائيلية سيدفع للتقارب والتجاوب مع الطرح المصري الهادف للتوصل لاستقرار وعدم التصعيد وبناء مواقف متماسكة تدريجياً، وعدم استمرار النهج التصعيدي، وهو ما يعني أن الطرفين مطالبان بذلك، وفي ظل دعم ومراقبة مصرية كاملة لما سيتم، وعلى الرغم من ذلك كان التحفظ على إطار ما عرض وأدي إلى تباينات في الرؤى. والحقيقة أن مصر لها مصداقية كبيرة لدى الطرفين، وتستطيع إنجاح أي تفاوض إن توافرت الإرادة السياسية والعسكرية، ولكن الإشكالية الحقيقية في المستوى العسكري الراهن والساعي للتصعيد مع وجود مزايدات حزبية في تبعات ما يجري، ولهذا كان الطرح المصري واقعياً، وسيعود إليه الطرفان لاستكماله، خصوصاً أن القاهرة اتخذت إجراءات عاجلة بفتح معبر رفح للحالات الإنسانية، بل تجاوبت مع الطرح الفلسطيني ورفضت المساس بالشعب أو بأمنه وتقرير مصيره.

ما هو مطروح مصرياً يركز على تهدئة تدريجية ومرحلية وخفض التوتر الراهن وبناء هدنة جديدة مراقبة وبضمانات مصرية كاملة، ولقد ثبت من وقائع متعددة أن مصر نجحت في إتمام ذلك، وهو ما يشجع القاهرة على تكرار نجاحاتها إن بدأت التهدئة بالفعل بدلاً من فرض سياسة الإملاءات التي تبحث عنها الحكومة الإسرائيلية، ولن تجرؤ على الوصول إليها، وخاصة أن الأطراف الأخرى الموجودة في إطار الوساطات المطروحة ليس لها خبرات في هذا الملف، كما أن المبعوث الأممي والوساطة الدولية غير ملمة بتفاصيل ما يجري داخل القطاع ونظيرتها الروسية أو القطرية تحتاج إلى آليات دعم ومراقبة على الأرض، وهو أمر صعب للغاية ولن يتحقق في ظل هذه الظروف، بالتالي فإن القاهرة أمامها عدة مسارات لإنجاح وساطتها.

المسار الأول: العمل على وساطة مرحلية تدريجية مع طرح ضمانات حقيقية لتقريب وجهات النظر، وبصرف النظر عن رد الفعل الإسرائيلي وتحفظه، فهذا مرتبط بالمستوى العسكري الذي يفتقد الرؤية الكاملة سياسياً، ويسعى لإثبات جدارته في المواجهة، وهو ما يعني أن الحكومة الإسرائيلية واقعة تحت ضغوط حقيقية للاستمرار في تنفيذ بعض السياسات الراهنة والموضوعة وفق بنك الأهداف الاستراتيجية في القطاع، ولكن مخاطر هذا الأمر قد يدفع حركة حماس إلى "الخطة باء" والانتقال لاستهداف منشآت عسكرية ومحطات تحلية وكهرباء وموانئ بحرية، وغيرها من الأهداف، وسينجح هذا المسار في حال قبول الطرفين بالطرح المصري مع المضي قدماً في خطوات بناء ثقة ستوفرها القاهرة للجانبين.

المسار الثاني: التوقف الاضطراري لما يطرح لمدة أيام أو إعادة تدوير مسارات التحرك مجدداً، والواقع أن خبرة المفاوض المصري كبيرة، وخاصة أن لها قبولاً من الطرفين. وسبق أن لجأت حكومة نتنياهو وطلبت من مصر التدخل لوقف إطلاق الصواريخ، ونجحت القاهرة في ذلك، وإذا تركت الأخيرة مسار الوساطة أو أعادت طرح بعض الأفكار الجديدة بعد زيارة الوفد المصري، فإن الجانبين لن يجدا أي طرف إقليمي أو دولي يستطيع إدارة التفاوض، وربما استمر المشهد لأكثر من أسابيع، ولن تستطيع إسرائيل تحمل ذلك لاعتبارات تتعلق بالجبهة الداخلية وتطورات القدرات الصاروخية لحركة حماس، إضافة للعدد الضخم التي تملكه الفصائل الأخرى، ومن الواضح أن هذا الأمر سيحتاج إلى بعض الوقت لتحقيقه، ومن المهم التأكيد أن تدوير الأفكار والمقترحات المصرية تتم في سياق محدد، ولن تخرج عما هو مطلوب من وقف التصعيد وإعطاء فرصة للتهدئة للعمل ولو بصورة مؤقتة، وهو ما قد يقبل به الطرفان في حال انفتاح المشهد العسكري أو عدم تماسك ما يتم الاتفاق بشأنه بوساطة مصرية مباشرة.

المسار الثالث: في الطرح الإسرائيلي العام، وما يقابله على جانب حركة "حماس" والفصائل الفلسطينية يمكن الإشارة إلى أن القاهرة تتحرك في إطار ستقبل الحكومة الإسرائيلية بالانخراط في هدنة جديدة حال التزام حركة "حماس" وتنظيمات المقاومة بعدم إطلاق الصواريخ من قطاع غزة على منطقة غلاف القطاع واستهداف المنشآت المدنية القريبة من القطاع والإقرار بمعادلة الردع المشتركة مع الجانب الفلسطيني، والمتمثلة في الأمن مقابل الأمن، والتهدئة مقابل التهدئة، وهو ما سيحكم معادلة التوازن الراهن وإمكانية التوصل لهدنة متماسكة ومستقرة ولا تتعرض لخروقات دورية حسب الظروف الراهنة، مع بناء هدنة شاملة تشمل تقييد حركة "حماس" في القيام بأعمال عدوانية أو تهديد العمق الاستراتيجي لإسرائيل. ويلاحظ أن هدنة 2014 دامت سنوات بصرف النظر عن الخروقات التي تمت في بعض الأحيان، وهو ما يشير لوجود ضوابط حقيقية لإمكانية التوصل لهدنة مقبولة من الطرفين، شريطة الالتزام الكامل بما سيتم التوافق بشأنه، والتأكيد على ضرورة مراقبة البرنامج الصاروخي لحركة "حماس"، وخاصة أن تطوير قدرات هذا البرنامج في الفترة الأخيرة كان لافتاً، وأثبت كفاءته في المواجهة الأخيرة، وأدى لنتائج مهمة تتعلق بالردع الاستراتيجي في معادلة الأمن بين الجانبين.

وفي المقابل، طلبت "حماس" وقف الإجراءات الإسرائيلية في القدس وعدم إجراء عمليات "ترانسفير" كامل في الأحياء المقدسية، كما أنها ستضع شرطاً رئيساً في عدم المساس بالوجود الفلسطيني في القدس، سواء تم بإجراءات قضائية، أو من قبل الحاكم العسكري، وهو ما سيكسب "حماس" حضوراً ووجوداً في الضفة الغربية على حساب السلطة الفلسطينية، والمطالبة بتقديم تسهيلات عامة في قطاع غزة وتنفيذ بعض المشروعات المعطلة منذ سنوات نتيجة للسياسات الإسرائيلية الحالية، إضافة لحسم ملف إمداد الكهرباء للقطاع وتنفيذ المشروع القطري، لتسهيل إجراءات الدخول والخروج من القطاع عبر المعابر الإسرائيلية ورفع الإجراءات الاحترازية، وهو ما سينطبق أيضاً على الجانب المصري بالنسبة لمعبر رفح بهدف إنجاح الوسيط المصري في مهمته، كما لن تمانع حركة "حماس" في إتمام صفقة تبادل الأسرى في حال التوصل لتهدئة يبني عليها الجانبان أخرى جديدة، الأمر الذي سيؤكد توافر الإرادة لإنجاح الوسطاء في إتمام هدنة مستمرة ومقبولة من قبل الجانبين، خصوصاً أن الحكومة الإسرائيلية، بصرف النظر عن وضعها الراهن، تعمل على تحقيق مكاسب حزبية جديدة.

الخلاصات الأخيرة

مسألة وقت، وسيتم التوافق على نقطة التهدئة الجديدة على الرغم من كل ما يجري ويشير إلى أن الأمر سيظل محكوماً بالنسبة للطرفين، وإذا توصل الوسيط المصري إلى نقطة توافقية سيبدأ العمل على الرغم من حالة التصعيد الراهنة؛ فالقاهرة تدرك أن مهمتها صعبة، ولكن سيبقي الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني في حاجة لتوافق ودعم ووسيط حقيقي يستطيع تقديم ضمانات حقيقية ويقدم التزامات لكل طرف. وتثق الحكومة الإسرائيلية بمستواها العسكري والسياسي في أن لدى المصريين القدرة على إقناع حركة "حماس" بالعمل والتجاوب مع الطرح المصري على الرغم من كل ما يجري، وإذا توقف الوسيط المصري عن العمل ستبقى حاجة المبعوث الأممي لضابط إيقاع حقيقي للتعامل.

المزيد من تحلیل