55 ألف نازح في طرابلس... الليبيون دمى في لعبة المعارك

بعد مرور شهر على بدء العمليات العسكرية باتت الأوضاع الإنسانية والاجتماعية مأساوية

ليبيون يتسوقون في سوق الحوت في العاصمة الليبية في 1 مايو (أ.ف.ب)

المعركة حول العاصمة الليبية طرابلس، عسكريّاً، في المجهول. الاشتباكات تشتعل حيناً وتخبو أحياناً، وفيما يتقدّم هذا الفريق هنا، يتراجع هناك.

لقد مرّ شهرٌ على إطلاق المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني الليبي، الخميس 4 أبريل (نيسان)، حملة عسكرية في اتجاه طرابلس، التي تسيطر عليها حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج.

ومقارنة بالوضع العسكريّ، المجهول، فإن الأحوال الإنسانية الاجتماعية والاقتصادية، في العاصمة ومحيطها، مأساوية. ويختصر أحد المواطنين "المسألة" بالإشارة إلى "مفارقة مؤلمة"، ألا وهي أن "الإنسان عادة يؤثّر في أي لعبة يمارسها على الشاشة، بينما نحن في طرابلس اللعبة التي تجري حولنا هي ما يؤّثر فينا. فنحن المواطنين مَن بات دمى في يد اللعبة، بمعزل عمن نناصر وعمّن نراه على صواب أو على خطأ. فنحن ندفع ثمن غموض المعركة، وإذا كان هناك من يستفيد منها، فإن الخاسر منها هو نحن والبلد الذي يزداد دماراً".

معاناة

وسط ذلك، ووسط مناشدة المؤسسات الإنسانية الدولية الفرقاء لوقف القتال والذهاب إلى عملية سياسية برعاية الأمم المتحدة وبمشاركة الدول النافدة، أعلنت حكومة الوفاق الوطني أنّ عدد النازحين من جرّاء المعارك الدائرة حول طرابلس ارتفع إلى 55 ألفاً.

وجزء كبير من حركة النزوح في اتجاه الأحياء الداخلية للعاصمة. ما فاقم معاناة السكان.

وسجّلت لجنة الطوارئ المكلّفة برعاية النازحين، وفق نائب رئيسها عثمان عبد الجليل، 11 ألف أسرة نازحة، يبلغ مجموع عدد أفرادها "55 ألف نازح". وأشار عبد الجليل إلى أنّ اللجنة خصّصت "40 مركز إيواء و27 مدرسة" لإيواء هؤلاء النازحين".

أضاف في مؤتمر صحافي من طرابلس "نسّقنا لاستقبال 15 ألف نازح" إضافي، مؤكّداً "وجود مخزون إستراتيجي من السلع يكفي للأشهر المقبلة".

وكان رئيس حكومة الوفاق فايز السراج شكّل لجنة الطوارئ لتوفير الحاجات الخاصة بسكان العاصمة من خدمات وعلاج جرحى المعارك.

وحذّرت الأمم المتحدة، على لسان مساعدة مبعوثها إلى ليبيا ماريا دو فالي ريبيرو، من "خطورة" الأوضاع الإنسانية في طرابلس، مشيرة إلى احتمال "تدهورها" في حال استمرار المعارك.

تداعيات

"من يموت يرتاح من العنف والمجهول" نسمع هذه العبارة في كل مساحة تشهد حرباً، وتتردّد الآن في طرابلس، حيث سقط منذ 4 أبريل 376 قتيلاً وأُصيب 1822 بجروح، وفق مكتب منظمة الصحة العالمية في ليبيا.

و"المأساة يعيشها من يبقى حيّاً"، هذا هو الوجه الثاني لانقلاب معنى الموت والحياة في جبهات القتال، ومنها طرابلس حيث يتجسّد ذلك. مع مضاعفة الحرقة لاقتراب شهر رمضان، أو لبقاء طرابلس وسكانها، بسبب ظروفها، بعيدة من مائدة رمضان.

يجلس محمد النويري (69 سنة) على كرسي صغير داخل سوق الرشيد الذائع الصيت وسط العاصمة، حيث ينصب يومياً طاولته الخشبية لعرض بعض البهارات والثوم المغلّف، مصدر رزقه وأهل بيته، مترقباً قبل أيام من بدء شهر رمضان، الزبائن الذين أنهكتهم سنوات من الأزمات والحروب.

ويقول محمد النويري لوكالة الصحافة الفرنسية، وهو يغلّف الثوم بأكياس، "أصابني الإرهاق وغيري كثيرون مثلي. نقاوم عاماً تلو آخر في ظروف استثنائية والحرب تتربّص بنا، كلما نشعر ببصيص أمل، يطفو على السطح صراع عسكري بين الليبيين".

وعلى الرغم من تركّز المعارك في جنوب العاصمة، ولم تصل إلى أحيائها، يشعر سكان طرابلس بالقلق ويدركون أن الحرب تزيد من تداعيات الأزمة الاقتصادية التي يعيشونها منذ غرقت ليبيا في الفوضى بعد سقوط نظام معمر القذافي.

ويقول النويري "منذ سنوات، أواظب على القدوم إلى هنا، لإعالة أسرتي المكونة من عشرة أفراد (...)، لدي أولاد في الجامعة وابنة معوقة بدنياً"، مضيفاً "أنا مصاب بالسكري وأشتري دوائي بشق الأنفس".

شمل الليبيين

وتتجوّل منال خيري (45 سنة) داخل سوق البقوليات، مشيرة إلى أنها تأتي كل عام إلى هذا المكان لشراء بعض الحمّص والعدس ومستلزمات رمضانية خاصة.

وغالبا ما تشهد هذه السوق زحمة في مثل هذه الأوقات، لكن الحال تغيّرت بفعل الظروف الاقتصادية التي تمرّ بها ليبيا، وصعوبة الحصول على السيولة النقدية من المصارف.

وتشكو منال، وهي أم لأربعة أطفال، من ارتفاع الأسعار، "ثلاثة أيام أمضيت خلالها ساعات أمام المصرف"، مشيرة إلى أنها تمكّنت من سحب 500 دينار (360 دولاراً) فقط.

وتقول إن هذا المبلغ لا يكفي لسدّ حاجات عائلتها سوى الأسبوع الأول من شهر رمضان.

وترفع يدها صوب السماء قائلة "أرجو من الله أن يجمع شمل الليبيين، لأننا الآن نقتل بعضنا بعضاً وثروات بلدنا تسرق في وضح النهار".

مائدة من دون تمر

يشير التاجر عبد الله الشايبي إلى أن المعارك التي يشهدها محيط طرابلس "باتت مزعجة ومقلقة، وجعلت آلاف الناس يتركون منازلهم".

ويلاحظ أن "فئة واسعة من الليبيين عاجزة عن شراء أبسط مقومات الحياة، بعض العائلات تعدّ تأمين وجبات الطعام إنجازاً، وهو أمر لم نعتدّ عليه في بلاد غنية بالنفط".

يضيف بينما يقف أمام محلٍ لبيع التمور، "بلادنا مشهورة عالمياً بإنتاج التمر، نجد أنفسنا عاجزين عن شرائه بعد ارتفاع ثمنه ضعفين". ثم يسأل "هل يمكن تخيّل مائدة الليبيين في رمضان خالية من التمر الذي يمثل رمزية وقت الإفطار وروحيته؟".

وتعجز المصارف التجارية الخاصة والحكومية عن توفير السيولة النقدية للمواطنين، على الرغم من إقرار حكومة الوفاق الوطني برنامج إصلاحات اقتصادية العام الماضي.

ويقول مالك الذي قصد السوق لشراء حاجياته "الحرب أخرجت آلافاً من سكان جنوب طرابلس من منازلهم، وغادر معظمهم مسرعين من دون التمكن من أخذ حاجاتهم الأساس. ما جعل الأعباء المالية تُثقل كاهلهم. مع رمضان سيواجهون أوقاتٍ قاسيةً لتأمين حتى وجبة الإفطار".

ورأى أن رمضان هذه السنة "سيكون الأشدّ والأقسى" منذ أعوام على سكان طرابلس.

خطورة ومبادرات

وفتحت حكومة الوفاق مدارس عامة لاستضافة عدد كبير من النازحين، فيما فضّل غيرهم النزول عند أقارب لهم، أو يقيمون في مخيمات مستحدثة.

وحذّرت مساعدة مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا ماريا دو فالي ريبيرو، الأحد 30 أبريل، من "خطورة" الأوضاع الإنسانية في طرابلس، مشيرة إلى احتمال تدهورها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحاولت حكومة الوفاق استباق رمضان بمحاولة تطمين المواطنين.

ودفعت الأزمة بعض الجمعيات الخيرية إلى إطلاق مبادرة "الإفطار الجماعي".

وقال مفتاح إدريس الذي يرأس جمعية خيرية في طرابلس لوكالة الصحافة الفرنسية، "قرّرنا مع بعض الجمعيات الإسهام في التخفيف عن النازحين والبلديات التي تتحمّل ضغطاً هائلاً مع استمرار حركة النزوح، وقرّرنا إطلاق مبادرة الإفطار الجماعي".

وأوضح أن "الإفطار الجماعي ليس جديداً في ليبيا. كل رمضان توجد مثل هذه المبادرات. لكن هذه المرة مختلفة لأننا سنقيم إفطاراً جماعياً في بعض مقرات النازحين ومخيماتهم"، معرباً عن أمله في أن يترك ذلك "أثراً طيّباً نفسياً في النازح ويخفّف الأعباء المالية عن كاهله".

المزيد من العالم العربي