Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الممرضون... ملابس بيضاء بهموم سوداء

تعددت البلدان ومشكلاتهم واحدة: أجور متدنية وحقوق مهدرة وحياة في خطر والهجرة حلم مؤجل

تفاقمت معاناة الممرضين في المستشفيات خلال جائحة كورونا (أ ف ب)

"مهنة إنسانية في واقع بلا إنسانية"، ربما تكشف تلك الجملة عن حال مهنة التمريض المأزوم في عالمنا العربي، إذ يعد التمريض ركيزة أساسية ووتد القطاع الطبي الذي لا غنى عنه، لكن هذا الوتد نخره سوس الإهمال والنسيان، بعدما تراكمت على العاملين بمجال التمريض هموم وأوجاع دفعت أغلبهم إلى الهجرة إلى الخارج بحثاً عن راتب أفضل أو حتى ساعات عمل أقل، أو حفظاً لكرامتهم التي كثيراً ما أهدرت بعدما أصبحوا في مرمى العنف من قِبل الأهالي في غالبية المستشفيات ببلادهم.

وفي اليوم العالمي للتمريض، ترصد "اندبندنت عربية" واقع التمريض العربي في جولة بعدة مستشفيات من داخل دول عربية شتى، لتفتش عن معاناة أصحاب الثياب البيضاء التي تخفي داخلها هموم ومشكلات سوداء، لطالما بحت أصوات في المناداة بحلها قبل أن تتفاقم، ليأتي كورونا ويسلط الضوء عليها من جديد، ويضيء روعة العمل في مجال التمريض التي ظلت كامنة في الظل، تعاني الهوان تارة والتحقير تارة أخرى والتجاهل دائماً. ليس هذا فقط، بل إن بعض الثقافات يعتبرها مهنة دونية وعملاً لا تمتهنه إلا الطبقات المتدنية.

قصص وحكايات إنسانية لا حصر لها تدور رحاها في اليمن وسوريا ولبنان والعراق وغيرها من الدول، حيث عمل دون هوادة من قبل أطقم التمريض ومعاناة كبرى ليس فقط بسبب الوباء، لكن لنقص الإمكانات والإمدادات والموارد. وبين مستشفيات، بعضها في أماكن صراع، ووحدات طبية متنقلة تعمل في أصعب الظروف، وزيارات منزلية يسطر الممرضات والممرضون في المناطق العربية قصصاً عن البطولة والشجاعة في زمن الوباء.

ويعود سبب الاحتفال بالممرضين والممرضات في الـ 12 من مايو (أيار) من كل عام إلى ذكرى ميلاد فلورانس نايتينغيل، صاحبة قائمة طويلة من الألقاب وخلفها جميعاً أعمال أقل ما يمكن أن توصف بها، الجليلة والعظيمة والرائعة. إذ ولدت نايتينغيل في 12 مايو عام 1820 في مدينة فلورنس في إيطاليا، إلا أنها تنتمي إلى أسرة إنجليزية.

وعلى غير عادة الأسر في هذا الوقت، آمنت عائلتها بقيمة تعليم المرأة وعملها وأهميتهما. تعلّمت على يد والدها في البيت، وعلى الرغم من اعتراضه في البداية على عملها بالتمريض، إلا أنها أصرّت لإيمانها الشديد بهذا العمل في وقت كان الجميع ينظر إلى المهنة باعتبارها تقتفد الاحترام.

وصمة وتنمر

في يومهم العالمي هذا العام، يشهد الكون بأسره أن هذه الملايين بذلت مستويات غير مسبوقة من الجهود، لا سيما أولئك العاملين والعاملات في وحدات العناية المركزة الذين يعملون بشكل رئيس في الاستجابة لكورونا. هذه الملايين على مدار عام ونصف العام، ألغت تماماً من قاموسها مصطلحات "راحة" أو "استجمام" أو "شعور بأمان واطمئنان". والأدهى والأخطر من ذلك أن اعتبارات صحتهم العقلية والنفسية ليست في الحسبان.

ليس هذا فقط، بل سجل العاملون والعاملات في مجال الصحة مستويات مرتفعة من الإصابات. ويشار إلى استمرار الملايين منهم في العمل على خطوط الفيروس الأمامية من دون كلل أو ملل في الأشهر الأولى للاجتياح على الرغم من عدم توافر معدات الحماية الشخصية الكافية لهم.

 

وزاد طين تعرّضهم للخطر بل وقوعهم تحت طائلة الوصمة. فشهدت أطقم العاملين الصحيين، وعلى رأسهم الممرضون والممرضات اعتبار الكثيرين لهم مصدر خطر محتمل، نظراً إلى عملهم اللصيق بالمصابين وموتى الفيروس. وبحسب تقرير صدر العام الماضي عن منظمة الأمم المتحدة للتمريض والقبالة هو الأول من نوعه، أن أطقم التمريض ظلت معرّضة للهجوم ليس فقط بسبب رعايتهم مرضى كورونا، لكن أيضاً في حالات الإيبولا والإيدز. وأدى ذلك إلى تعرّضهم للتهديد والنبذ من قبل الآخرين على اعتبار أنهم مصدر لخطر الإصابة بالعدوى.

وطالب واضعو التقرير باعتبار تعرّضهم للهجوم والنبذ والتنمر جريمة. ويشار إلى أن عدداً من أسر الممرضات والممرضين ممن فقدوا حياتهم بسبب إصابتهم بالفيروس أثناء عملهم في المستشفيات، وجدوا صعوبة بالغة في دفن أحبابهم بسبب رفض المجتمع المحلي لذلك، خوفاً من انتقال الفيروس إليهم.

نقص حاد في الإمكانات

الفيروس المستمر في هجومه على الكوكب، يذكّرنا في "اليوم العالمي للتمريض" هذا العام أن هذه الملايين من الممرضين والممرضات مستمرة في عملها المضني على الرغم من النقص الحاد الذي يعانيه هذا القطاع من حيث الأعداد. منظمة الصحة العالمية ظلت على مدار أعوام تحذّر من نقص الأعداد، مشيرة إلى أن العالم يحتاج إلى زيادة نسبتها ثمانية في المئة في خرّيجي كليات ومعاهد التمريض لتوفي بالحاجات بحلول عام 2030.

ويشار إلى أن النقص الأكبر في أعداد العاملين في التمريض في أفريقيا وجنوب شرقي آسيا والشرق الأوسط. طواقم التمريض العاملة تحت ضغط الوباء والخطر ونقص الإمكانات ومعدات الحماية والتعرّض للازدراء، ما زالت تعمل على قدم وساق. لهؤلاء وجّهت منظمة الصحة العالمية  كلمات شكر قليلة لكنها عميقة عبر تغريدة تقول: "لكل الممرضين والممرضات، شكراً لكم على العمل على مدار الساعة للحفاظ على سلامتنا أثناء الجائحة".

وأثناء كورونا، انشغل العالم بالهجمة الشرسة، ثم زاد انشغاله بمصارعة الزمن في محاولات للوصول إلى تطعيمات لتطويق الفيروس. وفي خضم كل هذا، تناسى الجميع الصحة النفسية للطواقم الطبية والتمريض في القلب منها، وما أصابها ولا يزال، من ضغوط بعضها يرتقي إلى درجة المرض النفسي.

دول العالم الأول بدأت بوضع برامج لعلاج الصحة النفسية لهذه الطواقم، لا سيما بعد ارتفاع معدلات التطعيم والتقاط نسبي للأنفاس. أما بقية دول العالم حيث الصراع ما زال على أشده ضد الفيروس وإصاباته القاتلة، إضافة إلى قلة أعداد الممرضات والممرضين ونقص الإمكانات، فالحرب ما زالت شرسة، والأخطار التي يتعرّض لها محاربو ومحاربات الخطوط الأمامية في أوجها.

وبينما منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تصارع الجائحة، فإن حاجة غالبية دول المنطقة لطواقم التمريض يزداد، لا سيما في ظل انهيار أنظمة صحية عدة. وفي العام الثاني من الوباء، فإن الدرس الأكبر المستفاد هو أن الممرضات والممرضين يلعبون دوراً مركزياً وحيوياً في منظومة الخدمات الصحية، لا سيما في الأماكن المحرومة والنائية.

وبحسب "ريليف وب"، وهي أكبر منصة إلكترونية تحوي معلومات طبية وصحية تابعة لمنظمة الأمم المتحدة، فإن دولاً مثل سوريا واليمن الواقعة تحت وطأة الصراع والعقوبات الدولية، تجد أنظمة الصحة نفسها في حال انهيار شبه كامل.

تغيرات صحية

وفي "اليوم العالم للتمريض"، تتذكّر الدول العربية أنها تمر بتغيّرات ديموغرافية واجتماعية وصحية عدة. فأعداد المسنين تتزايد بشكل غير مسبوق. وتشير تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن الأشخاص الذين تتعدى أعمارهم الـ 60 سنة، ستتضاعف أعدادهم في المنطقة العربية من 27 إلى 50 مليوناً عام 2030. وهذا يعني أن الدول العربية التي تعاني نقصاً في طواقم التمريض في أزمة الجائحة ستحتاج إلى مضاعفة الأعداد خلال الأعوام التسعة المقبلة.

يشار إلى وجود فروق كبيرة بين الدول العربية وبعضها البعض في ما يختص بأعداد طواقم التمريض المتاحة. فبينما الكويت لديها 74.1 ممرض لكل مئة ألف شخص، يوجد في اليمن 20 ممرضاً لكل مئة ألف شخص.

ويعيد الكثيرون لا سيما في الدول العربية تقييم دور هذا القطاع وما تقوم به طواقمه من أعمال أقل ما يمكن أن توصف به أنها جليلة. ومع إعادة التقييم، يأتي الاعتراف بأن النظرة الدونية للمهنة واعتبارها مهنة الطبقات المتدنية كانت خطأ فادحاً، ليس فقط لأن الجائحة سلّطت الضوء على الجهود التي يبذلونها، ولكن لأن المهنة عظيمة في زمن كورونا وغيره من الأزمنة.

العمود الفقري في الأزمة

في هذا اليوم، يقول لسان حال ممرضات وممرضي العالم إنهم العمود الفقري لأي نظام صحي. أنقذوا حياة الملايين، وقدّموا أفضل رعاية ممكنة لمن فقدوا حياتهم ووقفوا – وما زالوا- على خطوط الوباء الأمامية. وعلى الرغم من ذلك، فإن أعدادهم قليلة، والإمدادات المتاحة لهم حتى لحمايتهم الشخصية ما زالت قاصرة. وبحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية، فإن ما يزيد على 1.6 مليون عامل صحي في 34 دولة حول العالم أصيبوا بكورونا جراء عملهم منذ آخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

عام 2018، أطلقت منظمة الصحة العالمية حملة "التمريض الآن" لمدة ثلاث سنوات. وكانت تهدف إلى رفع اختصاصات التمريض لتحسين الصحة وتمكين الممرضين والممرضات من تعظيم إسهاماتهم في التغطية الصحية الشاملة. كما تهدف إلى ضمان حصول القوى العاملة الصحية بوجه عام وقطاع التمريض وطب التوليد بشكل خاص على دور أكثر وضوحاً في تطوير السياسة الصحية العالمية وتخطيطها بحلول نهاية 2020. وتطمح كذلك إلى الترويج لاستثمارات أكبر في تطوير التعليم في مجال التمريض وطب التوليد وفي الممارسات الخاصة بهما والقوانين المنظمة لهما، فضلاً عن تحسين المعايير وجودة الرعاية وظروف العمل.

وعلى الرغم من أن الحملة جرى تدشينها قبل الجائحة، إلا أن العالم في أشد الحاجة إليها اليوم بعد ثلاثة أعوام من انطلاقها.

حقوق مهدورة

وفي لبنان ترتفع ظاهرة هجرة الممرضين والممرضات إلى الخارج، لتخسر البلد أحد أهم عناصر طاقمه الطبي من ذوي الكفاءة والخبرات العالية. وعلى الرغم من جميع تضحياتهم، فإن الدولة متقاعسة عن دورها، فلا محفزات مادية ولا تقدير لأبسط جهودهم، ولا إدراك لتضحياتهم الجبارة، بحيث يعرّضون أنفسهم وعائلاتهم لشتى أنواع المخاطر.

يروي زياد كرامي، ممرض يعمل في قسم عناية الأطفال بأحد المستشفيات العريقة في بيروت، تجربته في ظل الأوضاع التي يمر بها لبنان. يقول، "أجورنا لا توازي عطاءاتنا. واليوم وفي ظل التخبط الاقتصادي وكورونا، بتنا نعرض حياتنا وحياة عائلاتنا للخطر، لكن لا نرى شيئاً في المقابل من دعم مادي ومحفزات تشجعنا على البقاء. وها أنا اليوم لا أفكر بالبقاء، فقد قدمت أوراقي للهجرة إلى بريطانيا وأنا بانتظار لحظة قبولي، خصوصاً أن الوضع اللبناني لم يعد مقبولاً ولا حتى طريقة العيش هذه القاسية تليق بنا".

 

من ناحيتها، تقول الممرضة مايا قزح، التي عملت فترة بأحد المستشفيات ومن ثم انتقلت إلى قسم الصحة الجماعية التي توجد في المدارس، "أعمل في المدرسة منذ عشر سنوات ممرضة تربوية تهتم بالشؤون الوقائية عبر نشر التوعية بين الطلاب عن كل الأمور المتعلقة بالصحة الجسدية والنفسية وغيرها من إسعافات أولية وإرشاد صحي. وبعد انتشار الجائحة ازدادت المسؤوليات والتحديات، لذلك وضعنا كجمعية ممرضات وممرضين خطة عمل للقيام بكل الإجراءات الوقائية لضبط الوضع في المدارس".

أما بالنسبة إلى الوضع المادي، فتقول، "مأساوي عموماً في كل القطاعات. وقبل بدء كل تلك الأزمات كنا نتوجه للمطالبة بسلسلة رتب ورواتب لكي نحسّن شروط عملنا وأمورنا، وكنا متريثين، لكن مع ظهور هذه الأزمات تبدّل كل شيء". وعن الدروس التي تعلمتها من مهنة التمريض، تقول، "الوقاية خير من ألف علاج والصحة هي أولويتنا. هناك كثير من التضحيات التي نقدمها، لكن حقنا لا يزال مهدراً".

وعملت نقابة الممرضات والممرضين منذ سنوات بالتعاون مع منظمات أممية عدة على إشراكهم في سوق العمل وتأمين الوظائف لهم، لكن على الرغم من كل هذا فإن دورها لا يزال ضئيلاً مع غياب سياسة صحية سليمة.

وتشير نقيبة الممرضين ميرنا عبد الله ضومط، إلى أن "هناك عوامل عدة أسهمت في تفشي ظاهرة الهجرة بدءاً من أواخر الثورة في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، حيث بدأ التسريح التعسفي، وخُفضت أجورهم، إضافة إلى أنهم عند بدء كورونا لم يتلقوا الدعم الكافي، علماً أنهم كانوا من الأكثر عرضة للمخاطر، بالتالي عندما اتخذت أغلبية هذه المستشفيات هذا الإجراء لم يعد هناك ثقة بين التمريض والقطاع الاستشفائي"، معتبرة أنه "عندما تأتيهم الفرصة ليذهبوا بأعداد كبيرة جداً، خصوصاً الكوادر الخاصة بالتدريب بتنا نتفهم وضعهم أكثر، مع العلم أن هذا يشكل ثغرة كبيرة في القطاع الصحي، وحتى لو استقطبت المستشفيات الممرضات والممرضين الجدد علينا أن نعي أن هناك 12 شهراً ليصبح هذا الممرض متمكناً".

ظاهرة الهجرة

وترى أن "الهجرة هي خلاص هؤلاء الممرضين، ولكن هذا ينعكس سلباً على القطاع الاستشفائي والصحي في لبنان"، مشيرة إلى أن "هناك نحو 1600 ممرض وممرضة تركوا البلد، وهم من حملة الشهادات وذوي الاختصاصات ولديهم الخبرات"، لافتة في الوقت عينه إلى "خرجنا 1200 ممرض وممرضة عام 2020، ونتوقع 1700 ممرض وممرضة، ولكن للأسف لا توجد خريطة طريق أو خطة وطنية لهؤلاء للمحافظة عليهم مع الإقبال الكبير على مهنة التمريض. لذلك، أعلنا منذ أربعة أسابيع حالة طوارئ تمريضية في البلد، لكي نقول طفح الكيل، وكنا قد سلطنا الضوء على هذا الأمر وحذرنا أن العالم سيحتاج إلى تسعة ملايين ممرضة وممرض ويجب الحفاظ عليهم".

وتعتبر أن "الممرض اللبناني مطلوب في المستشفيات العربية والأجنبية، خصوصاً أنه كفء، يحمل ثلاث لغات، يخضع لبرامج أكاديمية قوية ويتأقلم بسرعة"، مناشدة "المعنيين من نقابة مستشفيات إلى وزارة صحة وجميع المؤسسات الصحية أن تسارع بإنقاذ ما تبقى واستيعابهم ودعمهم مالياً، لأنهم باتوا حاجة ملحة في هذا الزمن"، لافتة إلى أنه "حاولنا كنقابة أن نتعاون مع منظمات أممية كمنظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر وأمنا وظائف تضخ أموال بالعملة الصعبة وتحديداً الدولار، وحتى المستشفيات المتعثرة حذرناهم من خطورة تسريح هؤلاء وكنا خير متابعين لشجونهم اليومية".

وعن الحلول المقترحة التي تعمل النقابة عليها من أجل الحفاظ على هؤلاء الأشخاص، تقول، "كنا قد طالبنا بأن تكون الأجور أقله على سعر المنصة الرسمي (3900)، وطالبنا بخفض ساعات العمل في القطاع الخاص ليصبح مثل القطاع العام 35 ساعة، وهكذا يمكنهم أن يعملوا أكثر ويجنوا الأموال بكثرة في المقابل. كما طالبنا بإعطائهم حزمة تحفيزية للحفاظ عليهم وعلينا مراعاة الشق الإنساني لكي نوقف النزيف التمريضي".

مستشفيات على شفير الانهيار

تباطأت مستشفيات لبنان لزيادة كفاءتها وقدرتها على مواجهة كورونا، ومع هجرة الممرضات والممرضين المستشفيات باتت بحاجة ماسة إليهم أكثر من أي وقت. بدوره، يشير نقيب المستشفيات سليمان هارون إلى أن "المستشفيات تعاني قبل بدء موجة هجرة الأطباء أي منذ نحو سنة ونصف مع انطلاق الحراك الشعبي في أكتوبر 2019، من نقص في الطاقم الطبي ككل وصل إلى 7 آلاف شخص، ومنذ ذلك الحين اضطرت بعض المستشفيات إلى إقفال أقسامها وأبوابها، وحينها حدث تسريح وطرد تعسفي لعدد من الموظفين وليس فقط الممرضين. أما اليوم ومع تدني الأجور ازداد النقص في الطاقم الطبي ككل مع ارتفاع ظاهرة الهجرة، خصوصاً الأكثر كفاءة"، محذراً من "خطورة هذا الأمر في حال ظهور الموجة الثالثة من كورونا، إذ بتنا بحاجة أكثر إلى الممرضين والممرضات أكثر من أي وقت مضى".

ولفت إلى أن "المشكلة الأساسية اليوم، هي أن الرواتب الموجودة لم تعد باستطاعتها أن تعيّش عائلة. فالذي كان يتقاضى مليوناً ونصف المليون ليرة أي 1000 دولار أميركي، أصبحت تشكل على سعر الصرف الجديد 120 دولاراً، بالتالي أصبحت المعيشة صعبة الأمر الذي ينعكس سلباً على واقع المستشفيات عموماً"، مشيراً إلى أن "التكاليف الاستشفائية زادت بالنسبة إلى التعاريف القديمة مع الوزارة والجهات الضامنة التي بقيت على حالها، بالتالي لا يمكن للمستشفيات أن تستمر بهذه الطريقة، إما عليها أن تزيد تعرفتها أو تحمل المريض جزءاً من الفاتورة وهذا أمر غير مقبول، خصوصاً أن وضع المرضى سيئ جداً، وهنا على الدولة أن تجد طريقة لدعم القطاع الاستشفائي ليستمر".

لا امتيازات مالية

وفي العراق ومن داخل غرفة مخصصة للحجر الصحي بأحد مستشفيات بغداد يوجد فيها 8 مصابين بفيروس كورونا، يجلس وسطها الممرض أحمد علي الذي يتابع حالتهم الصحية باستمرار، وتبديل المغذيات ووخز الإبر وقياس الحرارة ونسبة الأوكسجين وسط جدول محدد له.

يتناوب أحمد مع زميل له على المرضى يومياً وربما يضطر إلى المبيت أيام طويلة لمنع تدهور وضعهم، خصوصاً الذين يصلون إلى الحجر، وقد تقدّمت بهم الإصابة إلى حد خطير ينذر بفقدان حياتهم.

 

يقول علي، "أعمل في حجرة العزل منذ عام ونصف العام في ظروف شديدة الخطورة، تمثلت في حظر التجول وعدم لقاء أسرنا لمنع انتقال الفيروس إليهم وقلة الكادر الطبي في بعض الأحيان الذي لا ينسجم مع عدد الإصابات"، مبيّناً أن الحجرة بحاجة إلى ممرضيْن إضافييْن لتقليل العبء.

ويضيف، "الممرضون لم يحصلوا على امتيازات مالية أسوة بالأطباء الذين وصلت نسبة مخصصاتهم من 100 إلى 150 في المئة من الراتب، لكن مخصصاتنا أقل بمقدار النصف تقريباً، علماً أن بعض الممرضين شهاداتهم جامعية"، مشيراً إلى أنهم يعانون أيضاً من تأخر العلاوة السنوية وعدم ترفيعهم وعدم إيفاء الحكومة بتخصيص قطع أراضٍ لهذه الشريحة التي تعاني من مشكلات كبيرة في السكن بالرغم من الوعود الحكومية بذلك.

ويأمل علي أن تتم زيادة أعداد الكوادر التمريضية كونهم يسهرون على حياة المرضى سواء في ظل جائحة كورنا أو في الظروف العادية، لا سيما مع الزخم الحاصل في المستشفيات الحكومية.

في مرمى العنف

في المقابل، يتحدث الممرض الجامعي كاظم عبد السادة عن معاناة أخرى تتمثّل في العنف الذي يتعرّض له الكادر الصحي ومن ضمنهم الكادر التمريضي من قبل ذوي المتوفى، لا سيما في ردهات الطوارئ وتصل إلى التعرض لكسور ورضوض في أنحاء مختلفة من الجسم.

وعلى الرغم من وجود قوانين تمنع التعرّض للموظف والكادر التمريضي، فإن الاعتداءات مستمرة وتتصاعد بشكل كبير يومياً بحسب عبد السادة الذي يشير إلى ضرورة أن يتم تعريف المجتمع عبر حملات إعلامية إلى دور الممرض ومهماته ودوره الإنساني.

75 ألف ممرض في العراق

من جهته، يقول مدير قسم شؤون التمريض في وزارة الصحة كريم فرحان سلطان إن العراق بحاجة من 150 إلى 200 ألف ممرض، لا سيما إذا ما جرى افتتاح المستشفيات التي قيد البناء حالياً، مبيّناً أن أعداد الممرضين حالياً يبلغ 75 ألفاً فقط.

ويضيف سلطان "أن عدد الذين أصيبوا بكورونا من الممرضين منذ بدء الجائحة بلغ 5000 ممرض من المسجلين رسمياً، فضلاً عن وفاة أكثر من 100 ممرض نتيجة إصابتهم بكورونا"، مشيراً إلى عدم وجود نقص في ردهات عزل المصابين، لأن غالبية المستشفيات قللت من استقبال الحالات الاعتيادية، ولهذا فإن الأعداد تعززت في ردهات العزل والطوارئ.

ويوضح مدير قسم شؤون التمريض في وزارة الصحة أن الممرض يعاني من عدم تحديث التشريعات القديمة التي تحدّ من تطوّره مثل قانون التسكين وضرورة احتساب شهادة الممرض وتقليل القيود على الدراسات العليا وزيادة أعدادها، فضلاً عن بيئة عمل الممرض وتدخّل المراجع والمريض في عمله وعدم معرفة دوره والاعتداء عليه بالضرب.

ويشدد على ضرورة أن تتم زيادة مخصصات الممرض من 80 في المئة كما هي الآن إلى 100 في المئة، أسوة بالأطباء، كون الممرض يعتبر حائط الصد الأول ويبذل الجهد الأكبر في السهر على راحة المريض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نقص المعدات

ويعاني الممرضون المغاربة ضغوطاً تفرضها قلة الأطر، إضافة إلى النقص في المعدات الصحية وفي عدد المستشفيات. وتؤكد عضوة حركة الممرضين وتقنيي الصحة فاطمة الزهراء بلين، الوضعية المزرية التي تعيشها تلك الفئة، موضحة أنه "منذ بداية الجائحة ونحن نعمل بجهد كبير لتلبية حاجات أعداد هائلة للمرضى، في وقت يعاني القطاع من نقص كبير في الموارد البشرية وعلى رأسها الممرضين وتقنيي الصحة". ورأت أن الأمر أكده وزير الصحة عند إعلانه أن القطاع يعاني من نقص يقدّر بـ 50 ألف ممرض.

وأشارت بلين إلى وجود نقص في المعدات الطبية، وأرخى ذلك بظلاله على الجائحة، إذ رفع ضغط العمل، في حين زادت قلة أعداد المستشفيات في المغرب من سوء حال عمل الممرضين وأنواع الأطر الصحية كافة.

في المقابل، أدى الوضع الصعب للممرضين إلى خوضهم إضراباً عن العمل يومَي 29 و30 أبريل (نيسان) الماضي، بعد عدم استجابة الحكومة لمطالبهم المتمثلة في "الإنصاف في التعويض عن الأخطار المهنية وتعديل المرسوم 535-17-02 بما يضمن ويحقق إنصاف جميع ضحايا المهنة، وإحداث الهيئة الوطنية للممرضين وتقنيي الصحة بالمغرب، إضافة إلى إخراج مصنف الكفاءات والمهن، ومراجعة وتحسين شروط الترقي، وتوظيف الممرضين وتقنيي الصحة المعطلين كافة".

وأشارت "حركة الممرضين وتقنيي الصحة" إلى أن التصعيد يأتي بعد "عقود طويلة من التضحيات والعمل المتفاني المتواصل، وأعوام طوال منذ بداية الحراك التمريضي المرابط على مستوى الميدان وعلى مستوى المؤسسات في سبيل تجويد الخدمات الصحية المقدمة والرقي بمهن التمريض وتقنيات الصحة نحو المستوى المنشود ميدانياً وعلمياً". وأكدت الحركة استمرار تهميش وتقزيم مطالب الممرضين وتقنيي الصحة الموجودة في أسفل لائحة أولويات وزارة الصحة.

عمل الممرضون بوتيرة كبيرة خلال جائحة كورونا من دون الاستفادة من العطل، لكنهم يعتبرون أن تلك التضحيات لم تُؤخذ في الاعتبار خلال وضع القوانين الخاصة بمهنتهم، إذ أكدت جبهة الممرضين أنه "على الرغم من انخراط الجميع في مواجهة الجائحة وتجسيد الموقف الإنساني التاريخي بتعليق جميع أشكال الاحتجاج خلال الفترة ذاتها، لم تتوانَ وزارة الصحة عن مواصلة مسلسل التنكّر الصارخ للحقوق العادلة والمشروعة، بل لم تبذل جهداً لتمرير أحد المراسيم المؤطرة للقانون 43.13 المنظِّم لمهن التمريض في القطاع الخاص من دون أدنى مقاربة تشاركية للمعنيين، وفي ضرب صارخ لمطالب الجسم التمريضي الذي طالما نادى بإحداث الهيئة الوطنية للممرضين وتقنيي الصحة، بل الأدهى من ذلك محاولة تكريس الوصاية على مهن التمريض الحرة وفتح المجال لدخلاء لا تتوافر لديهم شروط مزاولة المهنة".