Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفهوم السعادة في زمن الوباء كما تشرحه الفلسفة 

في مرحلة كورونا تشتد على البشرية أزمة المعنى الأشمل في الوجود

الفلسفة في مواجهة زمن الشدة الكورونية (اندبندنت عربية)

تقترن السعادة بالمعنى الذي ينسبه الإنسان إلى الحياة، ويختزن مفهومها كل المثل والطموحات. أبدأ بالطموحات فأسأل: هل الغنى المادي سعادة؟ هل الاقتدار سعادة؟ هل العزة سعادة؟ هل الصحة والحياة المديدة سعادة؟ ومن ثم، أعرج على المثل: هل الحق سعادة؟ هل الخير سعادة؟ هل الصلاح سعادة؟ هل العدل سعادة؟ هل الحرية سعادة؟ هل الأخوة سعادة؟ يبدو للوهلة الأولى أن الفيلسوف الإغريقي ديموقريطوس (460 - 370 ق م) محق في قوله إن السعادة والكآبة منغرستان في أعماق الإنسان. في زمن جائحة كورونا تشتد علينا أزمة المعنى الأشمل في الوجود، وتستبد بنا رغبة السعادة التي نسعى إليها، في حين أن الكآبة تكتنفنا اكتنافاً. للفلسفة تصور جليل يوضح لنا المسألة الشائكة هذه، إذ لنا منها خير سند في آراء الفلاسفة الإغريق. من المفيد إذاً التأمل في الأجوبة الأربعة التي ساقتها الفلسفة اليونانية.

جواب أفلاطون: السعادة في الانعتاق

يعتقد أفلاطون (420-391 ق م) أن السعادة الفلسفية هي السعادة الفكرية التي ينعم بها الفيلسوف الحكيم حين يسوق حياته ويدبرها بحسب أصول الصلاح والخير والعدل، وهي المثل التي ترتسم في العالم السماوي العلوي المنزه. فالإنسان السعيد هو الإنسان الشريف الصالح العادل، والإنسان الكئيب هو الإنسان الفاسد الشرير الظالم، وذلك كله على الرغم من المظاهر الخارجية التي تزين للناس أن الأشرار هم السعداء، والصالحين هم الكئيبون. ينبغي للإنسان أن يعرض عن مباهج الدنيا وزخارفها، ويعتصم بجزيرته الداخلية التي تسعده بهنائها ورقيها ونزاهتها. يحيا الإنسان السعيد في غربة عن العالم، إذ إن حكمته وفطنته ورزانته تزين له حياته الداخلية بأبهى رسوم الجمال الروحي.

الإنسان السعيد هو الإنسان الحكيم، العارف، المثقف، المتأمل، المنصرف إلى تدبر معاني الوجود في قلعة وجدانه الذاتية. وعلاوةً على ذلك، إنه الحر الذي وقف ذاته في سبيل خدمة الخير الأسمى، على صورة المعلم سوقراطيس (470 - 399 ق م) الذي ناهض ظلم المدينة الإغريقية، وواجه الموت مواجهة الحكيم المتزهد المكتفي بحقائق عقله المستنير بأنوار الألوهة، الواثق من فضائل مسلكه وصوابية قراره النضالي. لذلك وصفه أفلاطون بأحكم الناس وأعقلهم وأنزههم وأسعدهم. أما المحاكمة الاجتماعية والسياسية التي أفضت إلى إدانة سوقراطيس، فيعاين فيها أفلاطون عجز الأنظومة السياسية عن التمييز بين الخير والشر، بين العدل والظلم، بين السعادة والكآبة. حين تفقد المدينة الإنسانية الحس الإنساني وحكمة الحياة، ينبغي للفلاسفة الأحرار أن يضطلعوا بمهمة القيادة والإرشاد حتى يصوبوا الوجهة ويدلوا الناس على طريق السعادة الحق.

جواب أرسطو: النضال من أجل عدالة المدينة الإنسانية

كان المشرع والحكيم الإغريقي سولون (630 - 560 ق م) يسأل نفسه: هل يجوز أن نصف الإنسان الذي أنجز مشروع حياته بالإنسان السعيد، في حين أن مسرى القدر يستطيع أن يبدل في خطط الناس وتدابيرهم؟ يتناول أرسطو هذا الاستفسار ويعكف على استجلاء حقيقة المشروع الإنساني. فيذهب إلى أن السعادة تتحقق حين ينجز الإنسان ما انعقد عليه كيانه من قابليات واعدة ينطوي عليها وجوده بمعزل عن مباغتات القدر ومعاكساته. فالإنسان السعيد يستطيع أن يجانب مراوغات الدهر وفخاخه، فيعتصم بفضيلة الاعتدال وبعزم الاقتدار الذاتي حتى يبدل في الأحوال، ويجعلها توائم مشروع وجوده الذاتي. يطلب أرسطو من الإنسان أن يواظب على معاركة الدهر لكي يفوز بسعادة تليق بمقام الفضيلة التي انتدب نفسه إليها.

يخالف أرسطو معلمه أفلاطون في مسائل شتى، منها الإعراض عن التجريد النظري والتحليق المثالي، إذ إن السعادة المقترنة بالمثل العليا لا يختبرها الإنسان في تضاعيف وجوده التاريخي المجبول بالفعل اليومي المحسوس؛ ومنها أيضاً أن السعادة لا تأتي للإنسان من فوق، بل من تحت، أي من وقائع تكسبه المعرفي ومواظبته الأخلاقية ونضاله السياسي. فالسعادة سعادة إنسانية وحسب. أما السعادة الأفلاطونية، فليست من صلب الحياة، وليست معدة لجميع الناس، ولا تستخرج من مراس الأفعال اليومية التي تستوجب العزم والحكمة والفطنة. بيد أن أرسطو لا ينكر أن السعادة خير أسمى، ولو أن الناس اختلفوا في تعيين ماهيتها. فالمريض سعادته في الشفاء، والمحتاج في التملك، والمنبوذ في الأنس، والمظلوم في العدل.

من صفات السعادة أنها خير ثابت يجعل الإنسان في حال من الاكتمال والاستقلال، يرنو إلى تحقيق دعوة وجوده بأكملها في معترك الممارسة الفعلية التاريخية المتدرجة، ذلك أن الطبيعة هي غاية الغايات، ومعنى المعاني، وخير الوجود بأسره. لا ينال الإنسان السعادة بالابتعاد والانعزال والتأمل الهدوئي، بل بالمعاشرة الحكيمة والتلقن المنفتح. فالسعادة مرسومة في الفعل الإنساني الذي يعقلن الطبيعة ويجعلها طوع المعية الإنسانية العاقلة. "فالنبيل نبيل بمخالطة النبلاء"، بحسب ما يقول أرسطو. ومن ثم، فإن السعادة التي تنجم عن تحقيق الطبيعة تحقيقاً عقلانياً، إنما تقتضي ائتلاف الجماعة الإنسانية في المدينة (polis) التي تحتضن الأفراد المواطنين العقلاء الأحرار. لا يسعد الإنسان في مدينته الإنسانية إذا انتزعت منه ومن نظرائه صفة العاقل الحر. وهو لا يحقق ذاته، كائناً اجتماعياً سياسياً سعيداً، إلا داخل المدينة المبنية على المعارف والعلوم والفنون.

جواب المذهب الرواقي: السعادة انسجام الذات مع نظام الكون

يعتقد الرواقيون، ومنهم زينون الكيتيوني (334 – 262 ق م)، أن السعادة هي انسجام الإنسان مع ذاته ومع العقل الانتظامي (logos) الذي يحكم الكون كله. لا يفوز الإنسان بهذا الانسجام إلا على قدر ما يتآلف مع الطبيعة، خاضعاً لناموسها ومراعياً أحكامها، غير أن الانتظام العقلاني في الكون يتطلب ممارسة أشد ضروب الفضيلة امتحاناً، ذلك أن الفضيلة الرواقية هي دستور النفس الراغبة في السعادة، بشرط أن يكف الإنسان عن الحنين إلى الماضي المنقضي، والتوق إلى المستقبل الهارب. من ألد أعداء السعادة الخوف والأمل اللذان يكبلان الإنسان بسلاسل التشنج والبطالة. وعليه، فإن المسلك العقلاني يقتضي التحرر من انفعالات النفس (pathein) والركون إلى الهدوئية الوجدانية السليمة. الإنسان السعيد هو الإنسان الذي يتخلى طوعاً عن الرغبات والأطماع والطموحات، ويغلب إرادياً الميول والآمال والأوهام. فلا حزن، ولا تحسر، ولا توجع، ولا تأوه، ذلك أن مثل الانفعالات النفسية هذه ما هي سوى أسقام العقل وأوهانه. سبيل السعادة أن يفرغ القلب من الهوى، ويعزف الباطن عن الافتتان، ويقيم الإنسان على وجدانه رقيباً حتى يبلغ الاستراحة الكيانية، والرفاهة النفسية، والهدوئية الوجدانية. وكلها مضامين عقلانية يتضمنها مفهوم الأباثيا (apatheia) الذي نحته الرواقيون تدليلاً على امتناع النفس عن الانفعال.

تؤكد الفلسفة الرواقية أن هذه الانفعالات تخالف العقل والطبيعة والحياة، وتعطل مبدأ الانسجام النفسي الداخلي، لذلك لا يستقيم حكم العقل في الإنسان إلا حين تهدأ نفسه وتسكن وتركن إلى حكمة الانتظام الكوني. الإنسان السعيد هو الإنسان الذي يضبط بحكمة عقله ضرورات الحياة، ويكتسب المعارف التي تنضج فيه وعيه الذاتي. الإنسان السعيد هو الحكيم الذي يستضيف في كيانه جمال الألوهة وسموها، فلا يتأثر بأحوال الزمان ونوائب الدهر، بل يحيا في صمود الراسخ المتيقن الزاهد، ويختبر حرية الداخل التي تؤهله لكي يتدبر حياته تدبراً سيادياً ملوكياً. الإنسان السعيد هو الذي يدرك أن لا قدرة له على تغيير مسرى الكون، فينكفئ إلى حكمة الواقعية التي تملي عليه أن ينتظم في سلك الأحداث، محافظاً على سكينة النفس، وهدوء الوجدان، واستجمام الوعي. السعيد من يصبر على المكروه، ويحتمل المعاكسة بطول أناته، فتنزل النوائب منه في خلق وادع وتجلد ثابت.

جواب المذهب الإبيقوري: السعادة في الاستمتاع المعتدل

يصر غير باحث على القول إن المذهب الإبيقوري لا يختلف عن المذهب الرواقي إلا بالتعبير اللفظي، ذلك أن الأباثيا الرواقية تقابلها الأتاراكسية (ataraxie) التي يحددها الفيلسوف الإغريقي إبيقوروس (341 - 270 ق م) راحةً في النفس، وفرجاً من الغم، ورخاءً في الصدر، وانحساراً للاضطراب والكرب. بيد أن الاقتبال المسيحي روج للإبيقورية صيتاً فاسداً، إذ رشقها آباء الكنيسة ظلماً بالمجون والفسق والفحش. أما تعليم إبيقوروس الصحيح، فيقضي بتدبر الملذات تدبراً سليماً واقياً يعزز صحة الجسد، ويمنح النفس السكينة المنزهة عن الألم. حكمة السعادة التي ينادي بها إبيقوروس تقتضي من الإنسان أن يمتع نفسه في حدود الملذة السليمة الشرعية الضرورية. بما أن العالم مؤلف من ذرات أبدية خالدة، فلا خوف على الإنسان من سطوة الآلهة.

وعليه، فإن السعادة تقضي بأن يحيا الإنسان مختبئاً عن الأضواء، بعيداً من ضجيح الإعلام، ساكناً في حصن ذاته، يمتعها بما يبيحه له بناؤه الجسدي والنفسي والروحي، ويجنبها الألم والوجع والحزن والاكتئاب. أما أخطر المخاوف التي تعطل سعادة الإنسان، عنيت بها استباق أهوال الموت، فينبغي للإنسان أن يقنع بأن الموت عدم مطلق، إذ إنه وهم من وجهين: ما دام الإنسان حياً، فليس عليه أن يقلق من الموت؛ أما حين يموت، فليس الإنسان حياً يرزق هنا لكي يختبر الخوف والقلق والاضطراب على الإطلاق.

لا يكتسب الإنسان السعادة إلا على قدر ما يتوافق مع نظرائه على نظام أخلاقي يردع العدوان بين النظراء، ويحصن الناس في أبراجهم الذاتية، ويتخير من الملذات أعدلها وأقلها ضرراً عليه وعلى الآخرين، لذلك لم تنشأ الأخلاقيات الإبيقورية على نواميس الطبيعة، بل على موافقات ومواثيق ومعاهدات تلزم الناس بالخضوع لمبدأ الملذة الأقصى والتألم الأدنى. إذا أفضت المتعة إلى الألم، كان على الإنسان الحكيم أن يقتصد فيها حتى يجعلها تلائم رغبة الإنسان في السعادة، لذلك لا يحرض إبيقوروس على الإكثار من الملذات المضرة، بل يحث الجميع على الزهد والعفاف والعزوف عن نوافل المتع والملذات المفسدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يبقى أن أساس السعادة الاعتراف بضرورة اللذة في حياة الإنسان، إذ إنها مبدأ الحياة السعيدة وغايتها. فالناس جميعهم يبحثون عن المتعة، ولو أنهم يختلفون في تعيين ماهيتها ومادتها وموضوعها وحدودها. من عبقرية إبيقوروس القول إن الإنسان الحكيم ينبغي له أن يحتسب مقادير الاستمتاع والتألم في كل لذة على حدة. فإذا به يميز ثلاثة أنواع من اللذات: اللذات الطبيعية والضرورية، واللذات الطبيعية، واللذات غير الطبيعية وغير الضرورية. أما يقينه، فيملي عليه أن يكتفي الإنسان باللذات الطبيعية والضرورية، بشرط أن يكون معيار التمييز صحة الجسد وسلامة النفس، وبذلك تخضع اللذة لمبدأ الخير العام.

يبدو أن الفلسفة الإبيقورية هي الأقرب إلى واقعية الوجود الإنساني في أبعاده الجسدية والنفسية والروحية كلها، لذلك صرح الشاعر الإغريقي ومؤرخ الفكر ديوجينيس لايرسيوس (180 - 240) بأن "سحر هذا المذهب يضاهي عذوبة حوريات البحر". في جميع الأحوال، لا بد للإنسان من أن يختار سبيل السعادة الذي يناسب بنيته الذهنية، وبيئته الثقافية، وخبرته الحياتية. أما العزوف عن الاختيار، فهو السبيل الذي ينهجه مذهب أهل الشك المطلق الذين يرتابون حتى من ظلهم. والحال أن الارتياب طريق إلى المعنى، لا المعنى بحد ذاته.

المزيد من ثقافة