Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فلاسفة سوريون معاصرون تركوا إرثا فكريا غنيا

كتاب شامل يتناول التوجهات الفلسفية الحديثة وأعلامها في سورية

لوحة للرسام السوري فؤاد حمدي (صفحة الرسام على فيسبوك)

لم تنعم سوريا بجزء ضئيل من الأنوار التي فاضت على لبنان نتيجة وضعه المميز ضمن الدولة العثمانية. فهي لم تعرف البعثات الدينية والمدارس الأجنبية إلا بعد الانتداب الفرنسي في عام 1917. وقد نجم عن ذلك بقاء الثقافة الحداثية ضيقة الانتشار ومحدودة التأثير في بلاد خضعت للتقاليد العثمانية أربعة قرون متصلة. وتحول الحكم الديمقراطي الذي انبثق بعد الاستقلال عن فرنسا إلى عقبة كأداء للتطور الثقافي والمعرفي، في حظر الحياة السياسية وتغييب الحريات الأكاديمية والصحافية وطرد المجتمع من السياسة وفرض نظام الحزب الواحد. فهل كان المثقف السوري في مثل هذه الأجواء قادراً على التوجه إلى الإنتاج الفلسفي، وهل اتسم الجهد الفكري الذي قامت به نخبة من المثقفين السوريين بجهد يمكن أن يوصف بأنه واقع في نطاق التفكير الفلسفي، السؤال الذي يمكن تضييقه إلى: هل ثمة وجود لإبداع فلسفي في سورية؟

بالعودة إلى قامات فكرية سورية كبيرة نجد جورج طرابيشي ينفي أن تكون هناك فلسفة عربية، لغياب الشروط الضرورية التي أولها مراجعة الجهاز المفاهيمي والتحرر من الصيغ الجاهزة. ونجد صادق جلال العظم والطيب تيزيني يتخذان الموقف نفسه لغياب "أي إنتاج علمي عربي أو ظهور إنتاج فلسفي يؤكد الخصوصية العربية".

سياق الفكر الفلسفي

على خلاف هذه الاستنتاجات يرى يوسف سلامة أن جل ما أنتجته نخبة المثقفين السوريين انصب على الإنسان بصفته الموضوع الأساس لكل تفكير في النصوص المنشورة، رغم التفاوت في المنظور والمنهج، وفي المعالجات المتعددة لمشكلات الإنسان من نص إلى آخر، ومن متفلسف سوري إلى آخر. ما يدرج هذه النصوص في سياق الفكر الفلسفي ويؤكد إمكان التحاق المتفلسف العربي بالمناقشات الفلسفية الجارية اليوم في العالم العربي.

إيماناً منهما بإسهامات المثقفين السوريين في الفكر الفلسفي المعاصر، جهد الأكاديميان مشير باسيل عون ويوسف سلامة مع مجموعة من الباحثين في "الفكر الفلسفي المعاصر في سورية" (إعداد ومشير باسيل عون ويوسف سلامة، مركز دراسات الوحدة العربية 2020)، لاستصفاء أبرز الإسهامات الفلسفية في الفكر السوري المعاصر، في إطار مشروع شامل لاستخراج التوجهات الفلسفية العربية المعاصرة المشتركة. وهذه مهمة صعبة ودقيقة باشرها عون في "الفكر الفلسفي المعاصر في لبنان" (مركز دراسات الوحدة العربية 2017). ذلك أن المرء حين ينظر في أوضاع العالم العربي قد يستغرب، كما يلاحظ عون، أن تنطوي البلدان العربية على كل ذلك العدد الكبير من الفلاسفة الذين حملوا إلى أوطانهم ومجتمعاتهم وبيئاتهم أنضج ما اختمر في أذهانهم من أصيل التصورات الفلسفية البناءة والخصبة والفاعلة. وقد تأثر هؤلاء تأثراً بليغاً بالتيارات الفلسفية الكونية، واجتهدوا إما في تكييفها وتبيئتها، وإما في مواجهتها ومحاربتها. الأمر الذي يحتاج إلى أبحاث تتناول الفكر الفلسفي العربي في ذاته، من دون أن تعزله عن ارتباطه بالتفكير الفلسفي الكوني الأوسع، لا سيما الغربي، الذي استل منه الفلاسفة العرب عدتهم الفكرية وأدواتهم التحليلية ومفاهيمهم الكشفية. هذا وإن ظلت بناهم الذاتية وقرائنهم التاريخية تختلف اختلافاً بيناً عن البنى والاختبارات التي تمهر الشخصية الإنسانية في المجتمعات الغربية المعاصرة.

خاض الفلاسفة السوريون في تشخيص الإعضال الفكري العربي والأسباب البنيوية العميقة التي تعيق التفكير الفلسفي الحر النقدي البناء المبدع، فعزا عزيز العظمة ذلك إلى غياب التراكم المعرفي، فيما أعاده أحمد برقاوي وبرهان غليون إلى أن الفلاسفة العرب، ظلوا أسرى الآباء الغربيين، وظلوا يدورون في فلك التصورات الغربية المعاصرة. وفيما ذهب جورج طرابيشي إلى أن إخفاق النهضة العربية مرده إلى أن العقل العربي آثر الركون إلى الغيبيات والتصوف، وإلى سيطرة العقل النصي في الذهنيات العربية، فلا يستغرب يوسف سلامة انهزام الفلسفة أمام الشريعة.

 إزاء هذه الإعضالات اعتبر جورج طرابيشي أن الإصلاح لا يستقيم إلا بثورات ثلاث، أدبية ولاهوتية وفلسفية، ورأى طيب تيزيني أن نقد التراث يفضي إلى نشوء فلسفة عربية تضطلع بضبط العلاقة المتوترة بين الفلسفة والدين في المجتمعات العربية.

اختلف الفلاسفة السوريون في تحديد أسباب التخلف الاجتماعي، فرده ياسين الحافظ إلى الفوات التاريخي، وربط برهان غليون بينه وبين الدولة العربية وتحولها إلى "وحش مفترس يبتلع الاجتماع العربي والحداثة"، فيما ذهب أحمد برقاوي إلى أن غياب الأنا الحر هو أساس المشكلات الوجودية في العالم العربي، فالفرد العربي فقد ذاته باتحاده باللامتناهي الغيبي- يوسف سلامة، وشكل فقدان الذات أساساً لمثال الأسرة البطريركية الذكورية التي أمست هي الأصل البنيوي لإعادة إنتاج التسلط- بو علي ياسين .

يتفق الفلاسفة السوريون المعاصرون على ضرورة الثورة لكنهم يختلفون في شروطها وآلياتها وسبلها. في السبيل القومي دعا ياسين الحافظ إلى تقويض كل ما هو تقليدي وقبلي في الدولة من أجل الوجود القومي الحر. وفي السبيل الاشتراكي نادى بو علي ياسين وبديع الكسم بالثورة على الظلم وبالاعتراف الصريح بحقوق الشعوب. وفي السبيل الثقافي دعا جورج طرابيشي إلى تعزيز الوعي بالقدرات الذاتية، ويوسف سلامة إلى الانعتاق من يوتوبيا الماضي وتخيلاته التمجيدية، وطيب تيزيني إلى استدخال قيم الديمقراطية في النسيج الحضاري العربي. أما في السبيل الديني، فقد دعا الفلاسفة السوريون إلى تفسير التاريخ الإسلامي تفسيراً متعدد المقاربات المعرفية، وإلى الانتصار لإسلام ليبرالي يستصفي القيم الكونية التي يزخر بها الإسلام الكلاسيكي.

 مذاهب الفلاسفة السوريين

من اليسير في رأي مشير باسيل عون أن يستطلع المرء طبيعة المذاهب الفلسفية التي اعتنقها الفلاسفة السوريون المعاصرون، إذ يغلب في أعمال كل فيلسوف طابع ويسود منهج ويبرز منحى. ولذلك ارتأى عون تصنيف التوجهات الفكرية لهؤلاء في بضعة من المذاهب الفلسفية العالمية المعروفة، وأولها المذهب الماركسي، وهو الأغلب في البيئة الثقافية السورية المعاصرة. وإليه تنضوي ثلة من الفلاسفة السوريين من أمثال الياس مرقص، وياسين الحافظ، وصادق جلال العظم، وطيب تيزيني، وبو علي ياسين. وقد ابتكروا سبلاً جديدة في تطبيق التحليل الماركسي على الواقع العربي المعاصر. فماركسية إلياس مرقص تخالف كل هيمنة سلطوية تحجز الواقع في قالب واحد، وتؤمن بالتنوع والاختلاف وحرية الإنسان الخلاقة في تغيير الأشياء. أما ياسين الحافظ فقد حرص على استدخال المنهج الماركسي إلى الواقع العربي، ومال إلى إسقاط التعارض بين الاشتراكية والليبرالية لأن كلتيهما في رأيه، تناصران الحداثة والديمقراطية والمساواة.

وثاني هذه المذاهب، المذهب النقدي الذي مال إليه رهط من الفلاسفة السوريين المعاصرين من أمثال طرابيشي وغليون والعظمة. وقد اجتهد هؤلاء في تحليل الواقع العربي تحليلاً علمياً نقدياً موضوعياً تاريخياً، من غير أن يسقطوا عليه مبادئ فوقية، أو يأسروه في تصورات قبلية أو يكبلوه بنماذج معرفية. من هذا المنظور النقدي أصر غليون على استنبات المفاهيم المعرفية في تربة الاختبار العربي الذاتي، باعتبار النقد التاريخي المشفوع بالأدلة الواقعية، السبيل الوحيد لتجاوز المجتمعات العربية الانسداد الحضاري، وانخراطها تالياً في الابتكار الخلاق.

وثالثها المذهب التفكيكي، ويجسده مطاع صفدي ويوسف سلامة اللذان يستندان إلى أعمال الفلاسفة التفكيكيين، من أمثال هايدغر، وفوكو، وليوتار. وقد استعان سلامة بفلسفة هيغل من أجل استثمار مقولة السلب وتطبيقها على واقع التحول التاريخي في العالم العربي، وذهب مطاع صفدي إلى أن الفلسفة انتهت صلاحيتها وباتت قيد الانحلال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 أما الرابع، فهو المذهب الوجودي، ومن أبرز دعاته تيسير شيخ الأرض، وأحمد برقاوي، فالكل المتجلي في الوجدان الذاتي هو الأصل عند تيسير شيخ الأرض، فيما الذات الفردية هي الأصل في وجودية أحمد برقاوي. فالأنا الفردية التي غيبها الاجتماع العربي، وفي ذلك أصل البلاء في المجتمعات العربية، يجب أن تصبح قادرة على الخلق والبناء في موضوع الفلسفة الأول، أي موضوع الإصلاح، الأخطر في إنهاض المجتمعات العربية.

والخامس، هو المذهب الإنساني الإيماني الذي اضطلع به كوكبة من الفلاسفة السوريين المعاصرين، ومن أبرزهم أنطون المقدسي، وعبد الكريم اليافي، وعادل العوا، وقد استحضر كل واحد منهم مقولة الإيمان في مذهبه الإنساني.

 والسادس، هو المذهب العقلاني، ويقتصر في رأي عون على فيلسوفين اثنين: جميل صليبا وبديع الكسم، وقد جاهرا بالعقل مرجعاً أساساً في تدبر وقائع الوجود، وسلطة عليا في الحكم على الأمور. فينبغي على العرب، وفق صليبا، أن ينهجوا سبيل الوعي العقلاني النقدي، إن هم أرادوا أن ينهضوا نهضة فكرية حضارية شاملة.

واستناداً إلى هذه الخلاصات الفلسفية الغنية والمتنوعة يستنتج مشير باسيل عون أنه يمكن القول من جراء هذا التنوع العظيم في الانتساب الفلسفي، إن الفكر الفلسفي المعاصر في سورية هو ثمرة جميع الاجتهادات التي ساقها هؤلاء الفلاسفة السوريون المعاصرون، الذين تركوا إرثاً فكرياً غنياً يليق الاعتناء به كأي إرث فلسفي عربي معاصر. فالأفكار الجريئة التي استولدها هؤلاء الفلاسفة تحمل في طياتها أسباب أصالتها وجدتها وقابليتها للإخصاب البنيوي في الاجتماع الإنساني السوري المعاصر.

المزيد من ثقافة