Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"شم النسيم" تتجاذبه كورونا ورمضان وحكم أكل "الفسيخ"

العيد الذي يحتفل به المصريون منذ 4700 سنة يأتي هذا العام محاصراً من كل حدب وصوب

هو "شم النسيم" الأكثر إثارة للجدل والشد والجذب والرفض والقبول منذ 4700 عام. آلاف الأعوام مضت والمصريون يجتمعون على "فسيخة" (أسماك مملحة) واحدة تتبعها حزمة من البصل الأخضر لم تتغير ملامحها على مر التاريخ، مع طقوس احتفالية متطابقة وتلاصق بشري على ضفاف نهر النيل أو الحدائق العامة والشواطئ في كل ركن من أركان البلاد.

لكن مصر وقعت في حيرة من أمرها في شم النسيم هذا العام. مكامن الحيرة كثيرة وعواملها عديدة ولعبة القط والفأر بين ما يبنغي أن يكون في شم النسيم وما ينبغي حظره ومنعه وصلت إلى مراحل غير مسبوقة في تاريخ العيد المصري الصميم الذي يسمى "شم النسيم". 

نسيم غير عليل

النسيم الذي يتوقع أن يكون ملتهباً هذا العام، حيث وصلت الحرارة إلى 38 درجة مئوية مع نشاط للرياح المحملة بالرمال وضع المصريين في خانة اليك. فحتى أولئك المغامرون الذين كانوا ينوون الحفاظ على أحد عمودي "شم النسيم"، رغم شهر رمضان، ودواعي الصيام، والخروج ساعتين أو أكثر في أحضان الطبيعة، وجدوا أنفسهم مجبرين على مراجعة أنفسهم والالتزام ببيوتهم بعد أن ملأت هيئة الأرصاد الجوية الأثير التقليدي والعنكبوتي تحذيرات في شأن الطقس المتوقع في هذا اليوم. 

هذا اليوم الذي ينتظره المصريون على مدار نحو 4700 عام ليقيموا ركنيه الرئيسين: أكل "الفسيخ" و "الرنجة" والبصل الأخضر والخروج إلى الأماكن المفتوحة لقضاء اليوم على ضفة النيل أو شاطئ البحر أو في حديقة عامة، يأتي هذا العام محاصراً من كل صوب. طقس غيرعليل، ووباء يأبى التراجع أو الاستسلام وشهر الصيام، كل هذا يتربص بأي محاولة لتناول سمكة مملحة تستوجب شرب ليترات من الماء، وقرارات حكومية تصب في خانة الإغلاق والحظر، وقبلها قرار بترحيل العيد برمته إلى يوم الخميس، ثم عودة عنه والالتزام بتقويمه بعد كثير من الهرج والمرج العنكبوتي. 

الاثنين الموافق الخميس!

عنكبوتياً، انقض آلاف المستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي على القرار الحكومي الذي صدر الأسبوع الماضي بأن يكون شم النسيم الذي يجب أن يوافق يوم الاثنين التالي لعيد القيامة، الذي لا يقع إلا يوم الأحد، الذي يأتي بعد أول بدر كامل عقب الاعتدال الربيعي. 

وكانت رئاسة مجلس الوزراء قد قررت منتصف العام الماضي التوسع في تطبيق نظام اعتبار يوم الخميس التالي على العطلة الرسمية التي تتزامن ويوم آخر من أيام الأسبوع غير الخميس، وذلك "فى إطار حرص الحكومة على إتاحة فرصة أكبر أمام المواطنين لقضاء إجازة متصلة بعطلة نهاية الأسبوع واستثمارها كيفما يريدون، وذلك باستثناء إجازات أعياد الفطر والأضحى والميلاد"، بحسب ما قال المستشار الرسمي باسم مجلس الوزراء نادر سعد في حينها. 

قرار الترحيل

ومن ذلك الحين، لم يتسبب قرار الترحيل في أية مشكلات أو اعتراضات باستثناء قرار ترحيل اثنين "شم النسيم" إلى الخميس التالي، وهو القرار الذي قلب أثير منصات التواصل الاجتماعي رأساً على عقب. فبين تنديد بالقرار وسخرية منه ومطالبة شعبية حاسمة بالعودة عنه، صال رواد المنصات الاجتماعية من دون هوادة على مدى أيام إلى أن عدلت الحكومة عن قرار الترحيل.

عدول الحكومة لم يُنهِ حالة الجدل والشد والجذب في "شم النسيم" 2021. فمسألة تناول الأسماك المملحة من عدمه على إفطار رمضان، وما يمكن أن تؤدي إليه أسماك "الرنجة" و"الفسيخ" الغارقة في الملح من شعور الصائم في اليوم التالي بعطش شديد باتت مثار شد وجذب. الأطباء الذين اعتادوا على توجيه النصح للمحتفلين بشم النسيم بترشيد تناول الأسماك المملحة وما ينبغي عمله بعد تناولها لوقاية الجسم شرور الصوديوم الذي يصطحب الملح كي لا يُحدث خللاً في توازن السوائل، وجدوا أنفسهم هذه الأيام مضطرين لتحديث خطاب "الرنجة" و"الفسيخ"، واستبدال المطالبة بالترشيد بالمطالبة بالامتناع للصائمين، لا سيما في ظل الموجة الحارة التي تضاعف الإحساس بالعطش وتعرض الجميع لخطر الجفاف في نهار رمضان. 

"الفسخانية" الخاسر الأكبر

نهار رمضان المواكب لنهار شم النسيم يلقي بظلال تجارية متضاربة في الأسواق والمحال التي وجدت نفسها مشتتة بين تلال التمور والقراصيا وقمر الدين ومعها حلوى البسبوسة والكنافة والبقلاوة، لزوم الموائد الرمضانية، وبين صناديق الرنجة المملحة وصفائح الفسيخ ذات الرائحة النفاذة، والتي تقف على طرف نقيض من الروائح الرمضانية. أصحاب المحلات وجدوا أنفسهم في حيرة بين ترجيح كفة سلع رمضان، وإبراز خصوصية سلع شم النسيم، وبينهما فجوة عميقة واختلاف واضح. لكن الغالبية وصلت لحل يرضي جميع الأطراف، حيث الغلبة لسلع رمضان مع تنويه على الباب بأن "لدينا أجود أنواع الرنجة وأفضل سلالات الفسيخ". 

الخاسر الأكبر في تزامن المناسبتين المتضادتين في محتويات موائد الاحتفاء هم "الفسخانية". "الفسخانية"، أو المحلات المتخصصة لبيع الفسيخ وغيره من أنواع الأسماك المملحة، ينتظرون قدوم شم النسيم من العام للعام، لكن 2021 المتزامن والشهر الفضيل يعني أن "الموسم انضرب"، بحسب تأكيد الغالبية المطلقة من أصحاب المحلات المتخصصة في بيع الفسيخ وأقرانه من الأسماك المملحة. رؤية العين تؤكد أن حركة البيع راكدة جداً، لكن الذين يتمسكون بحبال الأمل ورجاء المكسب يرجحون كفة "فسيخ العيد". أقاويل عدة تتردد في الشارع المصري ترجح أن تلجأ القاعدة العريضة من المصريين إلى تأجيل أكل الفسيخ والرنجة إلى ما بعد رمضان ليقف جنباً إلى جنب مع كعك العيد. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قاعدة عشاق الفسيخ

الترجيح مبني على ملاحظات دقيقة ومتابعات قريبة. فالقاعدة العريضة من المصريين تعشق الأسماك المملحة، أو على الأقل تعشقها لأسباب تتعلق بحنين إلى أجواء "شم النسيم" المبهجة في سنوات الطفولة أو لأيام بلا سجالات عقيمة أو فتاوى عجيبة. أحدث الفتاوى التي تواكب العصر وتناسب ما جرى في البلاد من تغيرات ثقافية وتقلبات مزاجية صدرت عن دار الإفتاء المصرية قبل أيام لتؤكد أن أكل الرنجة والفسيخ التي يأكلها المصريون منذ 4700 عام "حلال شرعاً". وعلى الرغم من سيل الانتقادات الموجهة للدار من قبل العديد من الأصوات المطالبة بتطهير الخطاب الديني مما لحق به من مظاهر تشدد وأمارات غلو والغاضبة لإيلاء الدار اهتماماً غير مستحق لما صغر أمره وتضاءلت قيمته من أسئلة، إلا أن كثرة ورود أسئلة الفسيخ في رمضان دفعها للرد عليها. وجاء في رد الدار، أن "أكل الرنجة والفسيخ في رمضان جائز شرعاً. وأفتى مفتي الديار المصرية شوقي علام بأن الاحتفال بشم النسيم جائز شرعاً لأنه من العادات المصرية التي لا يوجد فيها طقوس تخالف الشرع الشريف، ومن المقرر أن العادات والأعراف طالما أنها لا تخالف الشرع فهي جائزة". وأضاف علام أنه "لا يُلتَفَت إلى قول من قال في أن هذا الاحتفال له من الجذور ومن الأصول ما يجب تحريمه". 

تحريم الاحتفال

تحريم الاحتفال بـ"شم النسيم" هو مربط الفرس. فقد شهدت العقود الخمسة الماضية جهوداً عدة من قبل جماعات الإسلام السياسي لسلب المصريين حق الاحتفال والاحتفاء بهذا العيد الفرعوني الذي يحتفي بالربيع والبدايات الجديدة والأمل باعتباره رمزاً لبعث جديد للحياة كل عام. 

فرحة أكل الفسيخ والرنجة الغائبة هذا العام بسبب ظروف الصيام والطقس الحار تقابلها صدمة إغلاق المتنزهات والمسارح والشواطئ تحسباً لتحالف شم النسيم المحب للتجمعات، والسبب الخوف من وباء كورونا. 

"أدرينالين" التخطيط

أصابت الفرحة العارمة بالعطلة الطويلة التي قررت رسمياً من الجمعة إلى الاثنين مكامن أدرينالين التخطيط والتدبير للسفر أو الخروج والاستمتاع مع الأهل والأصدقاء على الشواطئ وفي الحدائق العامة وعلى نهر النيل، ولا سيما أن قراراً رسمياً قد تم اتخاذه بإنهاء العام الدراسي المدرسي لجميع سنوات النقل، لكن ما هي إلا ساعات، حتى ضرِبت مكامن الأدرينالين في مقتل، واشتعلت الأسئلة باحثة عن إجابة من دون جدوى. 

فبينما المساجد مفتوحة على مصاريعها لأداء صلاة التروايح ووسائل النقل العام متخمة على آخرها بالركاب وحركة البيع والشراء في الأسواق والمحلات على أشدها من دون رقيب أو حساب، يجد محبو الاحتفاء بـ"شم النسيم" في أحضان الطبيعة أنفسهم مضطرين للتزام البيوت. قرارات متسارعة متواترة صدرت لإلزام المواطنين البقاء في بيوتهم أملاً في الحد من الإصابة بالفيروس، مع قرار غلق جميع المتنزهات والحدائق ومنع إقامة الحفلات الموسيقية والغنائية وغلق مسارح المنوعات والنوادي الليلية وغلق العديد من الشواطئ العامة أمام الجمهور. 

الجمهور المصدوم

الجمهور المصدوم بقرارات الإغلاق هرع إلى شاشة التلفزيون بحثاً عن تكذيب لها أو للبحث عن بدائل ترفيهية أخرى تتفق وروح "شم النسيم" المبهجة، لكن ما وجدوه كان عكس ذلك. مستشار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للشؤون الصحية، محمد عوض تاج الدين، الذي يؤكد بصفة شبه يومية أمنياته بأن يستمتع المصريون بشم النسيم في الحدائق والشواطئ، أشار سريعاً إلى الحاجة الماسة للحد من التجمعات بما في ذلك وسائل النقل. وبرر تاج الدين ذلك بالحد من التجمعات للسيطرة على العدوى وانتشار الوباء. 

وباء كوفيد-19 يحتفل بعامه الثاني وهو يفسد الاحتفال بشم النسيم. وعلى سبيل صرف الجماهير العريضة عن الاحتفال التقليدي من دون التصريح بذلك، قال تاج الدين إنه في حال الإصرار على أكل الفسيخ فيجب أن تكون من مصادر موثوق في نظافتها وصلاحيتها. وحذر أنه في حال حدوث تسمم جراء تناوله، فإن الجهازين الهضمي والتنفسي هما الأكثر تأثراً. ويبقى المعنى في بطن التحذير. وكلمة السر "الجهاز التنفسي" الذي لا يخلو خبر أو تنويه عن كورونا من الإشارة إليه وإلى اعتلالاته المميتة. 

اعتلالات الكوكب

اعتلالات الكوكب تلقي بظلالها هذا العام على عيد "شم النسيم" المصري، وكأن الاعتلالات الكلاسيكية الناجمة عن أكل الفسيخ، وتلك الحداثية الناتجة عن محاولات إلصاق "التحريم" به لم تكن تكفي. هذا العام يقف كورونا متربصاً بعيد "شم النسيم"، حيث لا "فسيخ"، ولا "رنجة"، إلا لأصحاب القلوب القوية وأواصر الإيمان غير المعتلة والقدرة على صوم اليوم التالي من دون عطش رهيب، أو تسمم مميت.

وقد وصل الأمر إلى درجة تحذير وجهه مدير منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط، أحمد المنظري، فيما يختص بشم النسيم باعتباره ضمن الأعياد والمناسبات التي تزيد فرص الإصابة بالفيروس. 

المزيد من تقارير