Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تقطير ماء الورد البلدي "ربيع لبنان المتجدد"

لا تتوقف فوائده على النكهة اللذيذة في الحلويات وإنما يدخل في صلب العلاجات المنزلية

ما إن يدخل موسم الربيع في لبنان حتى تبدأ رحلة إنتاج ماء الورد (اندبندنت عربية)

في فلسفة المطبخ اللبناني، يحضر ماء الورد باعتباره عنصراً أساسياً ليُخاطب الحواس والمخيلة. فما إن يدخل موسم الربيع، ويأتي شهر أبريل (نيسان)، حتى تبدأ رحلة إنتاج ماء الورد، و"البحث عن الورد البلدي الذي يمتاز بعطره ونكهته في الحلويات"، وصولاً إلى "إعداد الهدية الملكية" التي يُقبل إليها اللبناني أينما حلّ وارتحل.

في انتظار القطرة الأولى

تبدأ رحلة ماء الورد مع البحث عن أجود أنواع الورود البلدية التي يتم "التوصية" عليها، لتكون طازجة في الموعد المتفق عليه.

وتقول سعاد العويك "رائحة الورد الطبيعي لا تُخبّأ، تعشق المنزل والأثاث حتى بعد فترة من إنتاج ماء الورد". وتشرح العويك "بعد إراحة الورد ليوم واحد، يوضع في طنجرة نحاسية، ويُغمر بالماء بمقدار يوازي كمية الورود، إذ يوضع لكل خمسة كيلوغرامات من الورد، ثلاثة ألَفيات وهي تسمية للعبوات الزجاجية التي يتم تقطير الماء فيها، أي حوالى 15 ليتراً من الماء".

تنتقل سعاد إلى المرحلة التالية، فتجمع "الكركة"، أي آلة التقطير فوق الطنجرة النحاسية، وتقوم بـ "تطيينها" من الأسفل، من خلال وضع العجينة التي أعدتها سابقاً من الطحين والرماد، وتغلقها بإحكام من مكان تسريب الماء. وتضعها فوق النار الهادئة جداً، ويغمر الماء فوق منطقة التبريد التي تتركز في أعلى "الكركة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في انتظار القطرة الأولى التي ستنزل في "الألَفية"، تتردد سعاد إلى مطبخها، مانعةً الدخول، خشية أي حادث طارئ. بعد حوالى الساعة والنصف، تبدأ عملية التقطير التي تستمر لسبع ساعات، وخلال هذه العملية "تمارس ربة المنزل رياضة شاقة، فبين الفينة والأخرى تقوم بتبديل الماء من منطقة التسخين، لأن ذلك "أساسي في عملية التبخر والتقطير والحؤول دون احتراق الورد المضغوط داخل الكركة".

تستمر عملية التقطير إلى حين امتلاء "الأَلَفية". بعد الانتهاء تُطفأ النار، وتُترك "الكركة" جانباً لتبرُد. تُغلق العبوة بإحكام على ثلاث طبقات "قطعة قماش، الغطاء البلاستيكي، والشريط اللاصق". وتنصح سعاد بتخزين ماء الورد في مكان مُغلق، وعدم استخدامه مباشرة، لذلك يُترك حوالى الشهر ليتخمر.

تؤكد سعاد أن "ماء الورد عذابه كبير لأنه يتطلب جهداً جسدياً ونفسياً كبيرين، ويتطلب هدوء الأعصاب، وطول البال والصبر، في انتظار الحصول على النتيجة المرغوبة".

تَعود السيدة الثمانينية في الذاكرة، فمنذ ستة عقود بدأت مسار "تقطير الورد البلدي"، عندما تعلمت ذلك من "جارتها الحاجة أم عبد آمنة الحلاب"، وبات جزءاً من الطقوس الموسمية للسيدة الطرابلسية وفي كل عام، فهي اكتسبت هذه المهارة انطلاقاً من رغبتها في إعداد "المونة المنزلية، وعدم شرائها من السوق لأن الورد البلدي مميّز، ولا تدخله الملونات والنكهات الاصطناعية". وطوّرتها مع مرور الزمن. وتتحدث السيدة عن أشكال أخرى من استخراج رحيق النباتات والزهور، إذ لا يتوقف التقطير على الورد البلدي، وإنما يتجاوزه إلى "زهر الزفير" و"الصعتر البري" و"الميرمية" وغيرها من النباتات البرية التي تدخل في صلب المطبخ التراثي المشرقي.

رفيق المطبخ الشرقي

يدخل ماء الورد في صلب المطبخ الشرقي، فنادراً ما نجد نوعاً من أنواع الحلويات العربية التي لا يدخلها ماء الورد. وتلفت سعاد إلى أنه لا يمكن تخيّل المنزل من دون ماء الورد لأنه يُستخدم في أطباق الحلوى الاعتيادية مثل "الرز بحليب" و"المهلبية" و"حلاوة الرز"، وكذلك في صناعة القَطر.

تبرز أهمية ماء الورد في مواسم الأفراح والأعياد أثناء صناعة "المعمول وكعك العيد"، إذ يترافق ويتكامل مع ماء زهر الزفير الذي يُستخرج في مارس (آذار) وبطريقة التقطير نفسها. وإلى جانب المزايا التي ينفرد بها ماء الورد المُقطّر، يحضر الورد البلدي في المطبخ الشرقي من خلال استخدامه في طبخ ورق العنب والزهورات البرية.

يُستخدم ماء الورد من أجل ميزتيه التي تُخاطب حاستَي "الشم، والتذوق"، إذ يسبغ على الحلويات رائحة بديعة شهية، وكذلك نكهة فريدة تنفرد بها الحلويات العربية التي تنشّط الخيال، وتشتهر بها مدينة طرابلس اللبنانية المعروفة بعاصمة الحلويات العربية.

ماء الورد علاج منزلي سريع

لا تتوقف فوائد ماء الورد على النكهة اللذيذة في الحلويات، بل يدخل في صلب العلاجات المنزلية. ويشتهر ماء الورد في التقاليد الشعبية بآثاره الملموسة على العيون والبشرة.

يُستعمل ماء الورد بصورة منفردة، أو يدخل ضمن خلطات "تتناقلها الألسن والأجيال المتعاقبة"، ويُستخدم كبديل مؤقت لمعالجة إحمرار العين، كما يُستعمل لتنقية البشرة والوجه، فهو يساعد على التخلص من الحبوب. ويدخل مكوناً أساسياً في الخلطات والكريمات المرطبة للوجه والجسم. وتحضر النصيحة الدائمة بأن ماء الورد عنصر طبيعي، فوائده أكثر من أضراره، وعليه إذا لم يكن منه منفعة، لا يتسبب بالضرر.

يُعتبر ماء الورد صورة عن المطبخ الشرقي الموغل في التاريخ، بدأت مكوناته كعنصر عادي ليتحوّل تحضيره إلى طقس من الطقوس العائلية، إذ تجتمع العائلة على تحضيره وتتفاخر الأُسر في إعداد الأفضل منه والتعبير عن تمسكها بالتقاليد والتراث الشعبي.

المزيد من منوعات