Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شخصيات "تلال الرماد" تحلم بالعيش على كوكب آخر

عمار علي حسن يصور الواقع وما يكتنفه من كوابيس وخيبات

لوحة للرسام فؤاد حمدي (صفحة الرسام على فيسبوك)

إذا كانت القصة القصيرة عامة، تقترب من الشعر في كثافتها وإيجازها وتخلصها من التفاصيل غير الدالة فإن "القصة القصيرة جداً"، تقترب في إشاراتها السريعة مما يعرف بفن "الأبيغراما" أو "القصيدة الومضة"، ولهذا فهي تعتمد على مجموعة من الآليات في إنتاج الدلالة. ويأتي في مقدمة هذه الآليات ذلك التوتر الحاد بين قطبين أو حالتين، ويظهر ذلك في المجموعة القصصية "تلال الرماد" لعمار علي حسن الصادرة حديثاً عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة. ففي القصة الأولى التي تحمل عنوان "خطر" تقرر مجموعة من الرجال الأشداء إزاحة حجر ضخم مغروس فى منتصف الشارع يعيق السائرين، ويتمكنون من ذلك بالفعل. وإلى هنا يبدو الفعل السردي طبيعياً منطقياً وينصرف الذهن إلى أن ذلك الحجر الضخم هو "الخطر" الذي تمت إزالته. لكننا نفاجأ بأن الخطر الحقيقي كامن تحت هذا الحجر، فبعد أن شدوه وجروه بعيداً "صنع حفرة أطلت منها رؤوس ثعابين ضخمة راحت تطلق فحيحاً مرعباً".

وهكذا وجد الرجال أنفسهم – فجأة – في مواجهة هذه الثعابين الضخمة من دون أن يكون "بوسعهم إعادة الحجر إلى مكانه أو منازلة الثعابين أو حتى الهروب". ويمكننا أن نستنتج من ذلك أن ما يبدو خطراً ظاهراً قد يكون مخفياً لخطر أشد لا نستطيع مواجهته ورجع ذلك لمحدودية معرفة الإنسان وعدم اطلاعه على الغيب. فلو أن هؤلاء الرجال كانوا يعرفون الخطر الكامن تحت الحجر لما حركوه من مكانه. كما يمكننا أن نستنتج أن الأخطار العظيمة لا يظهر منها إلا السطح الذي يكشف عنها بمجرد إزالته.

اغتصاب علني

وفي قصة "تبلد" يكشف الكاتب عن وجه الجريمة الممثلة في الاغتصاب العلني الذي تعرضت له إحدى الفتيات، والتي كان يأكل روحها ذلك السؤال الذي يكشف عن فداحة التواطؤ المجتمعي وهو: كيف رآها كل هؤلاء وسمعوها وهي تستغيث "ولم يحرك أحدهم ساكناً ومضوا في طريقهم مسرعين"؟ وهذا يعني أننا أمام جريمتين: جريمة الاغتصاب وجريمة الصمت. وفي قصة "كابوس" يلجأ الكاتب إلى الحجاج الاستعاري معتمداً على الاستعارة المكانية التي تجمع – كما يقول البشير عزوزي – "بين قطبين أساسيين هما العقل والنفس، فإمتاع العقل ودغدغة الفؤاد أدعى إلى الإقناع". وذلك حين يشخص كاتبنا "الكابوس" ويجعله في صورة شخص قادر على الجلوس والكلام في قوله: "أجلس كابوسه إلى جانبه على السرير اللين وراح يرجوه في خضوع تام: لا تداهمني كل ليلة أريد راحة قصيرة منك". لكن ما لم يدركه بطل القصة أن الكوابيس لا تأتيه من الخارج بل هي إحساس داخلي لا خلاص منه إلا بالتحرر من وطأته. وهذا ما يقوله "الكابوس" في ما يشبه الحكمة: "تغادر الكوابيس من عرفوا كيف يحررون أنفسهم". وتستمر آلية الاستعارة في قصة "هموم" حين يجسد الكاتب الهموم – وهي إحساس داخلي – في صورة أثقال مادية لا يستطيع صاحبها رفعها وحملها، وذلك حين يفتح السارد نافذته كل صباح فيرى شخصاً؛ "يمد ذراعيه ويبسط كفيه وينيخ ظهره ويحاول أن يرفع شيئاً من الأرض"، وعندما يهبط السارد ويسأله: "ماذا تفعل؟"، يجيب: "تثاقلت همومي ولا أقدر على رفعها".

في محبة الصمت

يبدو الكاتب وكأنه "دراماتورج"، يعيد صياغة النص بصورة تمثيلية درامية، وذلك أكثر تأثيراً وإثارة لخيال المتلقي. وإذا كان قد قرن الصمت بالتواطؤ في قصة "تبلد" وجعله صفة مذمومة تساعد على انتشار الرذيلة، فإنه يقرنه بالحب في قصة "محبة".

فوسط حركة العشاق وكائنات الطبيعة تبتلع "البنفسجة" الهواء فيسكن كل شيء ويتجلى في الأفق صوت يردد: "تصفو المحبة مع الصمت الحزين". وقد امتدح الصوفيون الصمت وعدم البوح بما يرونه من أسرار. هذا الأثر الذي تركته الصوفية ممثلاً في محبة الصمت، نراه أيضاً في رؤية "الدنيا" الفانية التي لا يبقى فيها شيء. فها هو بطل قصة "دنيا" يضعف بصره ويمد "يده بعرض الشارع الواسع لعلها تعود إليه بشيء يأخذه معه إلى قبره" من دون جدوى. بل إن الكاتب– في قصة "محطات"– يجعل هذه الدنيا أشبه بالحافلة المتهالكة التي لا سائق لها وينزل كل راكب في محطته ليرى أرضاً ممتدة يتوزع طرفها البعيد إلى ظلام ونور.

نحن إذن أمام تعبيرات مجازية رمزية، فالحافلة هي الدنيا، بينما الظلام والنور هما النار والجنة. وتظل ثنائية الظلام والنور في قصة "بوصلة" التي تصور رحلة البشر على الأرض واستشرافهم للنور الذي يتراءى لهم من بعيد. يقول: "في البعيد الأسود برق خيط نور، كان يومض ويخفت لكنه ظل عالقاً في الفضاء العالي تهزه الريح فيخطف أبصار المتجهين إليه وكل منهم يهتدي بجسد أخيه وهو يخوض في الوحل الغزير". كأننا أمام تصوير آخر لرحلة الحياة الدنيا، والحقيقة أن ثنائية الظلام والنور تقترب من ثنائية "الخفاء والتجلي" بتعبير كمال أبو ديب، كما يظهر في قصة "أصالة" التي حاول فيها البعض إخفاء عبارة "مقهى الحرية" المكتوبة على لافتة أحد المحال لكن بمرور الوقت يبهت الطلاء لتظهر العبارة مرة أخرى.

صحف بيضاء

في قصة "النشيد" يظهر التعارض بين النشيد الرسمي الذي ينفض عنه الجميع؛ لأنه لا يعبر عن أشواقهم، والنشيد الشعبي الذى يعرف أصحابه "كيف يعبرون بطريقة أعمق عن حب الناس والأرض والحرية". وهو ما حدث أيضاً مع الصحف التي لم يستطع محرروها كتابة شيء بسبب الرقابة، فصدرت "بيضاء"، وأدرك الناس الرسالة وأخرج كل منهم قلمه وكتب ما يشاء. ولا يتوقف الأمر عند التعبير عما يعانيه الناس بل يتحول إلى "غضب". ففي القصة التي تحمل الاسم نفسه يعبر الكاتب عن خروج الجماهير التي ضاق بهم الشارع: "ولم يجد المتزاحمون بداً من دفع جدران البيوت كي يتسع الطريق". واللافت أن الكاتب يحاول أن يعبر عن هذه الحالة من خلال غضب الطبيعة. ففي قصة "عطش"، "يقف المزارعون عاجزين على الجسور يراقبون نباتاً كاد يقتله الظمأ ويتبادلون نظرات تسكنها الحسرات ليجدوه ينهض فجأة من انحنائه ويقتلع جذوره من الأرض القاحلة ويهجم غاضباً في اتجاه المنابع البعيدة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي قصة "قانون" يبلغ أصحاب السلطة الكاتب بأنهم سيطبقون بصرامة قانون حظر الاجتماعات، فيصمم جلسة رواد صالونه بحيث لا يرى أحدهم البقية لكنهم– أي أصحاب السلطة– يهاتفونه في منتصف المحاضرة ليبلغوه أن "القانون لا يسمح أيضاً بأن يسمع أي منكم الآخر". وتظل تهمة الخيانة إحدى التهم الجاهزة التي توجه لكل من يعترض على شيء، ففي قصة "خيانة" يصير كل أهل القرية خونة في نظر العمدة وعندئذ يتساءل: "إذا كان كل هؤلاء خونة فمن هم الذين يمتثلون لإرادته". لكن الذين اعتادوا ترديد ما يريد "عجزوا عن تقديم إجابة تسعفهم لمواجهة الغضب العارم الذي اندلع ضدهم".

إن ما سبق يجعل أغلب شخصيات المجموعة تشعر باغترابها على الأرض وتمنياتها أن تعيش في كوكب آخر أو تعود إلى طفولتها وعفويتها باعتبار كل ذلك تمهيداً لامتلاك إرادتها، فالغضب لم يكن فحسب من أجل الطعام بل طلباً للحرية قبل أي شيء آخر. وهكذا تتنوع تيمات هذه المجموعة التي ترصد الواقع المرير وتراهن على المستقبل المغاير.

المزيد من ثقافة