Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في أسبوع التحصين العالمي ضد كورونا: كيف نخرج من دائرة الشك؟

فريق يرى في "التطعيم ضد كوفيد-19" طوق النجاة للكوكب والآخر يعتبره والعدم سواء وربما أسوأ

تقف المعلومات المضللة وحالة الذعر ونشر الإشاعات من لقاحات كورونا حجر عثرة أمام التحصين (غيتي)

يدق "أسبوع التمنيع العالمي" هذا العام على الوتر الحساس، أو بالأحرى الأكثر حساسية لدرجة الإصابة والعدوى والانتشار. فبينما دول العالم تصارع من أجل الحصول على اللقاح المضاد لـ"كوفيد-19" وتجاهد من أجل تطعيم أكبر عدد ممكن من شعوبها، تتصاعد نبرات رافضة أو خائفة أو معارضة للتطعيم، وهو ما يضع الجميع في "خانة اليك".

عبارة "التطعيم ضد كوفيد-19" هي الأكثر تداولاً وتشاركاً وتردداً هذه الأيام. فريق يرى فيها طوق النجاة للكوكب والإنسانية، والآخر يعتبرها والعدم سواء وربما أسوأ. فخلال الـ14 شهراً الماضية من عمر الجائحة، ظن كثيرون أن أسوأ ما يمكن حدوثه هو عدم القدرة على الوصول إلى لقاح يقي مليارات البشر شرور العدوى والمرض والموت. لكن ما جرى هو الأسوأ، إذ تتصاعد وتتنامي موجات من الرفض والمعارضة لتلقي اللقاح في دول عدة حول العالم، ولأسباب مختلفة.

اختلاف لقاحات وقيل وقال

اختلاف اللقاحات بين روسي وصيني وأميركي وبريطاني ليس سبب الذعر أو مفجر المعارضة. إنها حالة من الشك والريبة التي تعد أرضاً خصبة لنشر القيل والقال وإعادة تدوير الذعر والخوف.

الاجتماع السابع للجنة الطوارئ المعنية باللوائح الصحية الدولية الخاصة بفيروس "كوفيد-19" في منظمة الصحة العالمية، الذي انعقد قبل أيام، لفت إلى ضرورة إتاحة مواد إرشادية ومعلوماتية تتاح للمجتمعات المحلية لشرح الحاجة إلى استجابة مستديمة للجائحة وتوثيق حالة السأم العامة في المجتمعات تجاهها مع تزويد الجمهور بمواد تسلط الضوء على الفوائد والمخاطر النسبية للقاحات وحتمية تفنيد المعلومات المضللة.

المعلومات المضللة حجر عثرة

وفي أسبوع التمنيع العالمي هذا العام الذي يأتي في الأسبوع الأخير من أبريل (نيسان) من كل عام، تقف المعلومات المضللة والمنقوصة وحالة الذعر ونشر الإشاعات وعدوى الذعر والرعب من لقاحات "كوفيد-19" حجر عثرة ونقطة تحد كبيرة تختبر قدرة الأسبوع على المقاومة والانتصار.

أسبوع التمنيع العالمي يهدف، بحسب منظمة الصحة العالمية، إلى تشجيع الأفراد والمجتمعات على استخدام اللقاحات للحماية من الأمراض أياً كانت أعمارهم. وفي كل عام، تسلط الأضواء على دور التمنيع الذي ينقذ حياة الملايين كل عام، وهو تدخل صحي معترف به على نطاق واسع بوصفه واحداً من أنجح التدخلات الصحية وأعلاها مردودية في العالم. وجرى العرف في كل عام أن تستعرض الجهات الصحية أعداد الأطفال حول العالم ممن حرمتهم الظروف والأوضاع من حقهم في حياة بلا مرض قابل للوقاية عبر اللقاحات. في عام 2019، بلغ عدد الأطفال غير المطعمين حول العالم نحو 20 مليوناً إما غير مطعمين على الإطلاق أو غير مطعمين بالكامل.

ملايين الأطفال خارج الدائرة

هذا العام، يجد ملايين الأطفال من غير المطعمين أنفسهم خارج دائرة الضوء، بعدما هيمنت جائحة "كوفيد-19" على الساحة وسرقت الأضواء وأصبحت كلمة "لقاح" أو "تمنيع" مرتبطة بالضرورة بالوباء.

موضوع الأسبوع هذا العام هو "اللقاحات تقربنا أكثر"، حيث إتاحتها تعجل بعودة الحياة إلى طبيعتها قدر الإمكان والأفراد للتقارب مجدداً كما كان عليه الوضع قبل 14 شهراً. وتفترض الجهات الصحية أن الجائحة جعلت الجميع يدرك أهمية اللقاح أكثر من أي وقت مضى. لكن هذا ليس حقيقياً بالضرورة. وتقر منظمة الصحة العالمية بأن أخطر التحديات التي تفرض نفسها على الساحة في أسبوع التمنيع في عام 2021 هي ضعف الأنظمة الصحية والصراعات والعوائق المادية والاجتماعية والمعلومات المضللة والأخبار المغلوطة والإشاعات، "لكننا عازمون على الاستمرار في الأخذ بالعلم لصالح الجميع"، بحسب ما أعلنت المنظمة.

أمد التمنيع والتشكيك

ويرتكز الأمل في أسبوع التمنيع العالمي هذا العام على لفت كل الأنظار إلى اللقاحات، وبناء ثقة الجمهور في القيمة الثمينة لها لعل ذلك يؤدي إلى تدشين دعم طويل الأمد للتمنيع.

طول الأمد مسألة مهمة لكن هناك من يراها بشكل مختلف. "كيف لنا أن نتلقى لقاحاً لا يعرف أحد آثاره طويلة الأمد"؟ سؤال يتكرر آلاف وربما ملايين المرات حول العالم. المترددون والخائفون والمتشككون كثر، ويشكلون معضلة رئيسة لا تقل عن معضلة الوباء نفسه أمام السلطات الصحية في العالم. والأمثلة كثيرة. في مصر مثلاً، فإن 87 شخصاً من أصل 200 من أعضاء فريق طبي عامل في أحد مستشفيات العزل وافق على تلقي التطعيم. صحيح أن غالبية الطواقم الطبية الأخرى في بقية المستشفيات تلقت التطعيم، لكن حالة الشك لا يمكن تجاهلها.

وفي الولايات المتحدة الأميركية، أجرت شبكة "أن بي آر" الإذاعية استطلاعاً للرأي قبل أسابيع أسفر عن أن واحداً بين كل أربعة أميركيين يرفض تلقي لقاح مضاد لـ"كوفيد-19". وقال خمسة في المئة إنهم لم يحددوا موقفهم بعد. وبحسب نتائج الاستطلاع، فإنه على رغم أن أعداداً كبيرة بين الرافضين للقاح هم ذكور منتمون للحزب الجمهوري، إلا أن أعداداً غير قليلة أيضاً من الراضين للقاح ينتمون لفئات عمرية وديموغرافية مختلفة.

وبناء على استطلاع أجراه مكتب الإحصاء الوطني البريطاني في الأسبوع الثالث من مارس (آذار) الماضي، فإن 95 في المئة من البالغين ينظرون للقاح بإيجابية، إلا أن هناك نسبة كبيرة من الممانعين والمتخوفين في فئات أخرى من البريطانيين. وجاء أن 36 في المئة من المترددين في شأن تلقي اللقاح خائفون من الآثار الجانبية له، التي قد تكون أسوأ من آثار الفيروس نفسه، و12 في المئة يخشون الوخز، و22 في المئة يعتقدون أن اللقاح قد يؤثر سلباً في قدرتهم على الإنجاب.

اللقاح والإنجاب  

اللافت أن نسبة كبيرة من الناس تتحدث عن علاقة اللقاح بالإنجاب. في ألمانيا مثلاً، أظهر استطلاع للرأي أن نحو 31 في المئة من الألمان متخوفون من اللقاح ويفضلون الانتظار لحين التحقق من آثاره، لا سيما في ما يتعلق بالعقم والتغيرات الجينية. وعلى الرغم من أن تأكيد خبراء صحيين ألمان على عدم وجود علاقة بين اللقاح وهذه الأمور، إلا أن المخاوف مستمرة.

مخاوف شبيهة تتردد في دول عدة حول العالم حول اللقاحات المضادة لـ"كوفيد-19"، تارة خصوبة النساء وأخرى العقم عند الرجال وثالثة تغيرات جينية يحدثها اللقاح. وحتى حين خرجت مديرة التحصين واللقاحات والأحياء البيولوجية في منظمة الصحة العالمية كاثرين أوبراين لتؤكد قبل أسابيع أن لقاحات كورونا لا يمكن أن تسبب العقم، وأن ما يثار في هذا الشأن إشاعات ارتبطت بالعديد من اللقاحات المختلفة، وأنه لا يوجد لقاح يسبب العقم، ما زالت المخاوف تسري في مجتمعات عدة، حتى ما يثار حول قدرة لقاحات بعينها والمعروفة بـ"mRNA" أي التعليمات التي يستخدمها الجسم لصنع بروتين معين، فقد أكدت أوبراين عدم وجود طريقة يمكن أن يتحول فيها الـ"أم آر أن أي" إلى حمض نووي، إضافة إلى عدم قدرته على تغيير الحمض النووي للخلايا البشرية.

لكن قدرة البشر على التعامل مع سيول التصريحات المتضاربة وطوفان المعلومات المتناقضة يسهم في نمو ظلال التشكيك. ففي الوقت الذي تؤكد منظمة الصحة العالمية أمان اللقاحات المضادة لـ"كوفيد-19" مثلاً للمرأة الحامل، وذلك بعد تحذيرات سابقة من تلقيهن اللقاح، يحذر أطباء من تلقي المرأة الحامل للقاح وكذلك في فترة الرضاعة. بل هناك من يطالب بعدم الحمل لمدة شهرين بعد تلقي اللقاح.

فاوتشي واللقاح

حتى الرجل الأشهر على صعيد الجائحة والإصابة واللقاح في العالم تحول هو الآخر إلى سبب من أسباب التوتر والتشكك. كبير خبراء الأمراض المعدية في الولايات المتحدة الأميركية أنتوني فاوتشي كان قد طالب بالإسراع في الحصول على لقاح مضاد لـ"كوفيد-19" من دون النظر إلى نوعيته لأن جميع اللقاحات ستساعد في السيطرة على الوباء، مؤكداً أن العالم في سباق بين الفيروس والتطعيم، وأنه كلما طال تأخر الفرد في الحصول على اللقاح زادت فرصة الفيروس في التحور أو حدوث طفرة. بعدها بأيام، أكد فاوتشي أنه لا وجود حصانة مطلقة من الإصابة بالفيروس لمن تلقوا اللقاح. وأضاف أن ظهور متحورات جديدة شديدة العدوى من الفيروس يشكل تهديداً للأشخاص الذين تعافوا من "كوفيد-19" وكذلك الذين تم تطعيمهم. يشار إلى أن فاوتشي كان قد أكد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أن فيروس كوفيد-19" لن يستمر كجائحة لفترة طويلة، وأن المسألة مسألة وقت فقط في انتظار خروج لقاحات مضادة.

منطقية الفوضى

أجواء التضاد والتضارب متوقعة في حالات الطوارئ والكوارث كتلك التي يعيشها الكوكب حالياً، لا سيما أن الفيروس حديث وتطوراته غير معروفة وموجاته غير متوقعة ولقاحاته حديثة الولادة. لذلك فإن الفوضى تبدو منطقية. وتشير منظمة الصحة العالمية في مناسبة أسبوع التحصين العالمي 2021 إلى أن جائحة "كوفيد-19" تمثل تذكيراً مدمراً بالفوضى التي تنشأ عن الأمراض التي لا يمكن للبشر منعها. وتؤكد أنه بفضل اللقاحات أصبح لدى العالم وسيلة لإنهاء هذه الجائحة وإعادة بناء حياة مليارات البشر والعودة لما كان معتاداً.

الأمل معقود على عدم الاكتفاء فقط بالعودة إلى الوضع المعتاد، الذي لم يكن جيداً بما يكفي لملايين الأطفال في العالم ممن كانوا يمرضون أو يموتون بسبب أمراض كان في الإمكان تحصينهم منها. واليوم يضاف "كوفيد-19" إلى القائمة. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثورة اللقاحات المأمونة

مدير منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط أحمد المنظري يقول، "كانت اللقاحات، ولا تزال، أحد أنجع تدخلات الصحة العامة وأكثرها فعاليةً في إنقاذ حياة الملايين على مر السنين. وتتجلى أهمية التطعيم هذا العام أكثر من أي وقت مضى. وتستطيع اللقاحات المأمونة والفعَّالة أن تُحدِث ثورة، وأن تُغيِّر مشهد الاستجابة العالمية لجائحة "كوفيد-19". وفي خضم جائحة "كوفيد-19" يمكن للقاحات أن تقرِّبنا من عالم أوفر صحةً وأكثر ازدهاراً لا يعاني فيه أحد أو يموت بمرضٍ يمكن توقِّيه باللقاحات.

في أسبوع التمنيع العالمي هذا العام، التحديات كبيرة والمصاعب مضاعفة. فالأمر لا يتعلق بتوفير كميات من اللقاحات تكفي لتعطيم سكان الأرض فقط، ولا بالتأكد من أمان اللقاحات المطروحة تماماً فقط. كما أنه لا يقتصر على تحديد أمد الأمان ومدى الحاجة إلى جرعات إضافية، ولا بمواجهة حملات التشكيك ومخاوف الناس الطبيعية والمنطقية، التي قد تؤدي إلى امتناع الملايين عن التطعيم، وهو ما يعني أن الجميع ليس بمأمن طالما أن الجميع لم يتلق التطعيم.

مشكلات الكوكب الخاصة بالتطعيمات المضادة لقوائم الأمراض الأخرى ما زالت قائمة، بل إن بعضها تفاقم بسبب طوارئ الجائحة. يقول أحمد المنظري، "ما زلنا في إقليم شرق المتوسط نواجه تحديات خطيرة تقف عقبة أمام التطعيم، مثل ضعف النظم الصحية والنزاعات والحواجز المادية الاجتماعية والتردد في أخذ اللقاحات. لكننا عقدنا العزم على أن نتغلب على هذه التحديات وأن نتخطى هذه العقبات وأن ننشر العلم بما يعود بالنفع العميم على الجميع".

الوضع في شرق المتوسط

يشار إلى أن جميع دول إقليم شرق المتوسط البالغ عددها 22 بلداً أصبح لديها لقاحات للمساعدة في مكافحة الجائحة، مع وصول لقاحات "كوفيد-19" إلى ليبيا في مطلع أبريل (نيسان) الجاري. وكان بعض الدول بدأ شراء اللقاحات مباشرةً من الشركات المُصنِعة في وقت مبكر يعود إلى ديسمبر (كانون الأول) الماضي. كما تلقت 13 دولة لقاحات من خلال مرفق "كوفاكس".

وتلقى السكان في أنحاء الإقليم ما يزيد على 25 مليون جرعة من لقاحات "كوفيد-19". وأعطت دول مثل الإمارات والبحرين وقطر والمغرب أكثر من 20 جرعة لكل 100 من السكان بواقع 47 في المئة للبحرين و22 في المئة للمغرب و32 في المئة لقطر و87 في المئة للإمارات.

ويقول المنظري، "على الرغم من هذا التقدم المثير للإعجاب، ما زلنا نرى توزيعاً غير عادل للقاحات. فبعض البلدان لديها ما يكفي من اللقاحات لحماية سكانها عدة مرات، في حين تواجه بلدان أخرى نقصاً شديداً. ولا يمكن هزيمة "كوفيد-19" في أي بلد على حدة"، مضيفاً أنه "ينبغي أن يسترشد عملنا بالحاجة إلى حماية الناس وإنقاذ الأرواح وإنهاء الجائحة"، محذراً من أن الحِيَل السياسية والأنانية لن تفيد لأنه لن يكون أحد في مأمن حتى ينعم الجميع بالأمان".