Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يمكن للكمامة أن تصبح أداة جريمة؟

تساعد المجرمين على إخفاء هويتهم وتعقد مهمة الشرطة في الكشف عنهم

الرعب الذي يبثّه القناع في نفوس الآخرين دفع دولاً إلى سنّ قوانين تمنع أو تحدّد متى وأين ونوعية القناع الذي يمكن ارتداؤه (أ ف ب)

من ينوي ارتكاب جريمة سيرتدي قناعاً كي يخفي وجهه، ليصعّب على الشرطة كشف هويته، كما هي الحال في معظم الجرائم التي ترتكب في أماكن عامة أو تخضع لمراقبة الكاميرات. ومن يريد أن يصنع هوية خاصة يخفي وجهه بقناع، كما يفعل لاعبو المصارعة وقراصنة الإنترنت والمنتمين إلى جماعات سياسية كـ "أنونيموس"، وكحال أبطال القصص المصوّرة مثل "سبايدرمان" و"باتمان" وغيرهما، ومن يريد أن يثير الرهبة في نفوس الآخرين أو الأعداء يرتدي أقنعة ذات رسوم مرعبة كما فعلت سائر جيوش العالم منذ الحجر العصري كما كشف الحفريات.

الكمامة وأقنعة الجلد البشري

الكمامة التي أجبرتنا جائحة كورونا على ارتدائها هل يمكن أن تكون أداة لارتكاب جريمة؟، تجيب أجهزة الشرطة عبر العالم بالإيجاب والتأكيد، فقد تم ارتكاب آلاف الجرائم حول العالم بواسطة الاختفاء خلف الكمامة الطبية التي بات كل البشر يرتدونها، بعدما كان التخفي خلف القناع ممنوعاً ويعاقب عليه القانون في معظم دول العالم، ويضيف موقع "الإنتربول" أن إخفاء الشعر بقبعة ووضع نظارة شمسية مع الكمامة الطبية، يؤدي إلى اختفاء كل معالم المجرم، ويصبح البحث والتحري عنه شاقاً.

قبل الكمامة سنتناول قضية "أقنعة الجلد البشري" التي ازدهر بيعها في الصين، وهي أقنعة تقلّد بدقة عالية الوجه الذي يطلبه الشاري، وهذا ما أثار نقاشات واسعة على شبكة الإنترنت وفي وسائل الإعلام الصينية، ويخشى بعض مستخدمي الإنترنت أن يصبح هذا القناع وسيلة لارتكاب الجرائم، والقناع مصنوع من السيليكون ويتميّز بمرونة كبيرة، ويتناسب مع كل أشكال الوجه، ويمكن للزبون أن يقدم صورة ويحصل على قناع مطابق لها. والخوف يتمثّل في ارتداء هذا القناع خلال ارتكاب جريمة مادية أو عبر شبكة الإنترنت، إذ لا يمكن للآخرين تمييز الوجه المصنّع عن الوجه الحقيقي، وما زالت الشرطة الصينية تناقش حتى اليوم في مدى قانونية هذا القناع ولم تتوصل بعد إلى نتيجة.

وفي مجموعة جرائم اعتبرت من أكبر جرائم الاحتيال في أوروبا في عام 2015، قام أحدهم بتقمّص شخصية وزير الدفاع الفرنسي آنذاك، جان إيف لودريان، فتمكّن من الحصول على ما يقدر بنحو 80 مليون يورو (90 مليون دولار) من الضحايا الأثرياء، بمن فيهم آغا خان الزعيم الروحي للطائفة الإسماعيلية، ومن مالك شركة "شاتو مارغو" للخمور، وذلك بواسطة استخدام قناع الجلد البشري.

وكان هذا اللص يطلب مساعدة مالية لدفع فدية للصحافيين المختطفين كرهائن، من قبل مسلحين متشددين في الشرق الأوسط، وكان يطلب إيداع الأموال في أحد البنوك في الصين.

وفي اجتماعات رتبت عبر برنامج "سكايب"، ارتدى المحتال قناع لودريان، وجلس على مكتب يشبه تماما المكتب الوزاري للوزير الفرنسي، مع استكمال الصورة بأعلام وصورة للرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا أولاند، فخدع ضحايا عمليات الاحتيال بالمكتب الوزاري المزيف، إلى جانب القناع المزيف.

في إيطاليا، دانت محكمة إيطالية سيدة بالحبس 10 أشهر، لادعائها أن شخصاً يرتدي قناع فيلم "الصرخة" يطاردها وذلك على 10 سنوات، ليتضح أنها اختلقت القصة بأكملها وأنها من وحي خيالها، واكتشفت الشرطة كذب ادعاءات المرأة من الحمض النووي الذي وجد على طابع البريد الملصق على الرسائل التي قدمتها على أنها من مطاردها الغامض.

قوانين ضد القناع

الرعب الذي يبثّه القناع في نفوس الآخرين، وإمكانية ارتكاب جريمة بسهولة بسبب قدرته على إخفاء بصمات الوجه، دفع العديد من الدول إلى سنّ القوانين التي تمنع أو تحدّد متى وأين ونوعية القناع الذي يمكن ارتداؤه.

بدأ الأمر في الولايات المتحدة الأميركية حين تقرّر منع القناع في معظم الولايات، بسبب الأنشطة العنيفة التي ارتكبتها مجموعة "كو كلوكس كلان"، التي كان أعضاؤها يرتدون أغطية من الكتّان الأبيض لإخفاء هويتهم.

وفي العقد الماضي، أصبحت تلك القوانين سارية على المحتجين السياسيين كمنتسبي حركة "احتلوا وول ستريت"، أو مجموعة "أنونيموس" الذين يضعون أقنعة "جاي فوكس".

وعلى الرغم من كل الطعون في هذه القوانين بحجة الحرية الشخصية، إلا أن المحكمة العليا في جورجيا اعتبرت أن القانون دستوري على أساس أن ارتداء القناع بمثابة فعل من أفعال الترهيب والتهديد بالعنف، يستثنى من ذلك الاحتفالات بالعطلات والعروض المسرحية، ولكن محاكم أميركية أخرى ألغت هذا القانون كمحكمة الاستئناف في نيويورك، على أساس أن ارتداء أي نوع من أنواع الأقنعة كارتداء قلنسوة وثوب لدى اليهود، أو البرقع لدى المسلمين، وهو يدخل في إطار الحرية الشخصية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن في كندا، يمنع ارتداء الأقنعة أثناء أعمال الشغب أو غيرها من التجمعات غير القانونية، ويواجه المخالفون عقوبة السجن تصل لمدة 10 سنوات، ويعاقب مرتكب الجريمة متنكراً، بعقوبتين، الأولى على الجريمة والثانية على التنكّر، وفي عام 2017، مُنع في كيبك (شرق كندا) تغطية الوجه في الأعمال والخدمات الحكومية.

الحظر الفرنسي لعام 2010 على تغطية الوجه يعتبر الأكثر تشدداً، لأنه يحظر تغطية الوجه في كل الحالات في الأماكن العامة، أما القانون البلجيكي فيحظر منذ 2011، الظهور العلني "بوجه مقنّع أو مخفي، كلياً أو جزئياً، بطريقة لا يمكن التعرّف إليها".

وفي ألمانيا ومنذ عام 1985، لا يجوز إخفاء هويتك في الاجتماعات العامة كالتظاهرات لكي تتمكن الشرطة من التعرّف إليك، ويمكن تغريم هذا الانتهاك بالسجن لمدة تصل إلى سنة.

في عام 2019 في هونغ كونغ تم اعتقال متظاهرين لتجاهلهم قرار منع ارتداء الأقنعة بعد مواجهات دامية مع قوات الشرطة أدت إلى شلّ حركة القطارات السريعة. وأصدرت رئيسة السلطة التنفيذية في هونغ كونغ كاري لام في حينه، قراراً بمنع ارتداء الأقنعة خلال التظاهرات، مستندة، للمرة الأولى منذ 52 عاماً، إلى سلطات حالات طوارئ التي تعود إلى حقبة الاستعمار البريطاني.

أقنعة مشهورة

أكثر الأقنعة شهرة هي أقنعة اللصوص، خصوصاً الذين يسرقون في الأماكن العامة ويمكن أن تشاهد عمليتهم مجموعة من الناس،  وأشهر هؤلاء اللصوص ظهروا في أفلام رعاة البقر في الغرب الأميركي، الذين كانوا يغطون بالمناديل الأنف والفم والذقن، لكن حذر اللصوص من سقوط القناع دفعهم للجوء إلى "قناع التزلج"، المحاك من الصوف الذي يغطي الرأس والوجه بالكامل باستثناء العينين، ولا يمكنه أن يسقط أو يُنزع عن الرأس بسهولة، ويمكن شراؤه من دون إثارة أية شبهة، واشتهر عدد آخر من الأقنعة اللصوصية مثل الجورب النسائي المصنوع من النايلون، والذي يخفي قسمات وجه اللص، ويمدّدها ويبدّلها، فلا تتمكّن كاميرات المراقبة من الكشف عن الصورة الحقيقية للوجه.

أقنعة أبطال رسوم الكرتون والقصص المصوّرة والأفلام الهوليوودية عن الأبطال الخارقين أكثر من معروفة لدى الجميع، وهي تزيد على الـ 50 في أميركا وحدها، فمن لا يعرف "باتمان" و"سوبرمان" و"أيرونمان" (الرجل الحديدي) و"واتشمان"، وأشهرها "زورو" صاحب القناع الذي يغطي العينين فقط.

يخفي الأبطال الخارقون المعالم الإنسانية الحقيقية والواقعية، لتكون بطولاتهم الخارقة قابلة للتصديق، في إطار لا يحتمل النقاش، طالما أن البطل لا يزعم لنفسه أية هوية ولا يقدم نفسه أمام الناس كمخلّص.

في هذا المقام لا بد من الحديث عن القناع ذي الوجه الأبيض والوجنتين المتوردتين والابتسامة المتحجّرة والشاربين المقوسين واللحية الصغيرة فوق الذقن الرفيعة بشكل حاد، إنه قناع "في" "V" الذي لا تخلو تظاهرة أو حركة اعتراضية من مرتديه.

اشتهر هذا القناع في سلسلة الكتب المصوَّرة بعنوان " "V for Vendetta التي بدأت بالظهور عام 1982، ومستوحاة من سيرة شخص إنجليزي يُدعى غاي فوكس حاول أن يفجِّر البرلمان البريطاني عام 1605، أما في الكتب المصوَّرة فتدور الأحداث في المستقبل، بعد حرب نووية حين تركت بريطانيا بين أيدي حكومة بوليسية وفاشيَّة، فيتمرد شخص يُدعى "في"، وينجح في النهاية في تفجير البرلمان.

في عام 2008، نشطت مجموعة من قراصنة الإنترنت أطلقت على نفسها اسم "المجهولون"، واحتاجت إلى عنصر بصري يعبر عنها من دون الإفصاح عن هوية أعضائها، فاختارت قناع "في" للدلالة على نفسها، وعلى سعيها إلى محاربة كبريات الشركات المسيطرة على الشبكة. وبسرعة تلقف هذا القناع جماعة "احتلوا وول ستريت"، المحتجون على الأوضاع الاقتصادية في أميركا، ومن بعدها راح هذا القناع يظهر أينما كان في مواجهة الشرطة من لندن إلى سيدني في أستراليا إلى هونغ كونغ والعالم العربي في انتفاضات "2011"، وفي ما بعد، لم يعد هذا القناع يهدف إلى إخفاء معالم الوجه، بل أصبح رمزاً للمطالبة بإحقاق العدل، وللدفاع عن الضعيف ضد المتسلط القوي.