Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يمكن لفرنسا فعلا أن تغادر الاتحاد الأوروبي؟

يُعزى التراجع الواضح في مكانة (مشروع) الانسحاب الفرنسي من الكتلة الأروبية في التداول السياسي، إلى المشكلات التي تسببت بها المغادرة البريطانية

تساءل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن موقف مواطنيه من الانسحاب من أوروبا وعما إذا كانوا استخلصوا دروس بريكست (رويترز)

أحيا ميشال بارنييه المفاوض الأسبق عن الاتحاد الأوروبي في محادثات خروج المملكة المتحدة من الكتلة الأوروبية (بريكست)، الحديث عن مغادرة فرنسا الاتحاد أو ما يُعرف اختصاراً بمصطلح "فريكسيت"  Frexit، عبر إطلاقه تعليقات فسرها المشككون في جدوى الاتحاد الأوروبي، على أنها تحذير من أن فرنسا قد تقتدي ببريطانيا في الخروج من الكتلة.

وفي وقت تظهر فيه استطلاعات الرأي قبل الانتخابات الفرنسية العامة السنة المقبلة، أن الرئيس الفرنسي الراهن إيمانويل ماكرون يترنح خلف زعيمة حزب "الجبهة الوطنية" اليمينية مارين لو بان (التي لا تستسيغ عضوية بلادها في الاتحاد الأوروبي) نبه بارنييه قائلاً، "نستطيع استخلاص بعض الدروس لأنفسنا من مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي. لقد فات الأوان الآن بالنسبة إلى المملكة المتحدة، لكن ليس بالنسبة إلينا".

المسؤول الأوروبي الذي خرج حديثاً من نفق التفاوض مع لندن على اتفاق تجارة مع بريطانيا في مرحلة ما بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، أكد استعداده الشهر الماضي للترشح إلى الرئاسة الفرنسية في سنة 2022، مظهراً حرصه على أن يكون المرشح الأكثر تأييداً لأوروبا ضمن خط يمين الوسط، بعدما أعلن في فبراير (شباط) الماضي عن تأسيس فصيل سياسي أطلقت عليه تسمية "وطني وأوروبي" Patriot and European داخل حزب "الجمهوريين" المتعثر، الباحث عن مرشح قادر على المنافسة في السباق الجاري نحو الرئاسة الذي يتواجه فيه حصانان يقودهما كل من ماكرون والسيدة لوبان.

وقد دعا كبير المفاوضين الأوروبيين سابقاً الذي تحدث خلال مؤتمر عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وعن مستقبل الكتلة عُقد في مدينة لو توكيه الساحلية شمال فرنسا، إلى استخلاص العبر من العوامل التي أدت في الجهة المقابلة للقناة، إلى نتيجة تصويت في الاستفتاء على مغادرة المملكة المتحدة، تمثلت بنسبة 52 في المئة (لمؤيدي الانسحاب)، في مقابل 48 في المئة (ممن يودون بقاء بريطانيا في كتلة الاتحاد).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأفيد في هذا الإطار أن بارنييه قال للمندوبين بلهجة تحذير، "يمكننا أن نجد أيضاً، ليس فقط في المملكة المتحدة فحسب، بل هنا في فرنسا، في مناطقنا الشمالية والشرقية ... مواطنين فرنسيين يريدون أن تخرج بلادنا من الاتحاد الأوروبي".

وفي سرد لحجج هؤلاء أضاف بارنييه، "يقولون إن الاتحاد الأوروبي لم يستجب للرغبات المشروعة لمواطنيه، وإن هناك اضطرابات اجتماعية أو حالات غضب. وقد يقول البعض، إن السبب هو عدم حماية الحدود الخارجية. وبات تدفق المهاجرين ينعكس سلباً علينا". وأردف حديثه بالقول، إن "أوروبا غالباً ما تتعرض للانتقاد أيضاً بسبب إجراءاتها الروتينية البالغة التعقيد".

لكن في وقت تتوزع فيه حال عدم الرضا عن المشروع الأوروبي على ضفتي الطيف السياسي في فرنسا، فإن الحديث الأكثر جديةً عن مغادرة فرنسا الاتحاد، الذي كان من الأهمية بمكان بالنسبة إلى إيمانويل ماكرون، بحيث اعترف في عام 2018، بأنه إذا واجه الناخبون في بلاده خياراً من اثنين شبيهاً بالخيار الذي طُرح في المملكة المتحدة في عام 2016، فلربما كانوا قد أعطوا الإجابة نفسها (المغادرة)، هذا الحديث قد خبا في الأعوام الأخيرة.

أما مارين لوبان التي كانت قد أطلقت على نفسها وصف "مدام فريكسيت" (سيدة الخروج الفرنسي من الاتحاد الأوروبي)، فقد توقفت بشكل لافت عن حملتها المطالبة بتحقيق هذه النتيجة مع حلول موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية في عام 2017، واستعاضت بدلاً من ذلك بالدعوة إلى إنشاء منظومة "أوروبا الأمم" Europe of nations، وهي تسمية أقرب إلى تحالف المغالين في التشكيك في أوروبا والمناهضين لتدفق المهاجرين على القارة من سياسيين في اليمين المتطرف، الذي أسهمت في تشكيله في كنف البرلمان الأوروبي في عام 2015.

ويتيح هذا الغطاء للسياسية الفرنسية اليمينية الادعاء بأنها تسعى إلى "تعديل جذري" للكتلة الأوروبية، من طريق إلغاء "المفوضية الأوروبية" التي تعتبر أنها "غير ديمقراطية"، وتنفيذ سياسات حماية للدول تقول إنها مستوحاة في جزء منها من الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترمب.

وفي السياق نفسه، يُعزى هذا التراجع الواضح في مكانة (مشروع) "الانسحاب الفرنسي من الاتحاد الأوروبي" في التداول السياسي، إلى المشكلات التي تسببت بها المغادرة البريطانية للكتلة.

وفي وقت كانت دوائر "ويستمنستر" البريطانية تتخبط في مشاحنات مستميتة للتوصل إلى اتفاق مناسب للانسحاب من الاتحاد الأوروبي في عام 2019، كتبت مديرة التحرير في صحيفة "لوموند" سيلفي كوفمان أن "بريكست جعل المغادرة الفرنسية للكتلة مستحيلة"، وقد كان ذلك سياسياً على قدر من السوء إلى حد أن لوبان استغرقت عاماً كاملاً كي "تتعافى" من جدال تمكن فيه الرئيس ماكرون من "سحقها (دحض حججها)، من خلال إثبات مدى تهافت (ضعف) فكرتها عن بناء فردوس فرنسي خارج منطقة اليورو".

لكن على الرغم من محاولات إعادة تموضع مارين لوبان أمام الرأي العام بصفتها سياسية إصلاحية، فإن مدى عمق هذا التحول السياسي لا يزال غير واضح. فقد رأت في فبراير (شباط) الماضي أن "بريطانيا العظمى ربما تستطيع معاودة الانضمام إلينا بمجرد أن نبني مجموعةً تحافظ فيها كل دولة على حريتها واستقلالية كيانها"، وتمسكت في المقابل بوصف الكتلة الأوروبية الراهنة على أنها "سجن"، سواء كان في وسع الدول الأعضاء أن تختار مغادرته أم لا.

وفي حين لم يتضح بعد إلى أي مدى يشكل إرث بريكست تحذيراً للأمم المشككة في جدوى الاتحاد الأوروبي (إلى حين تبلور وظهور آثاره طويلة الأجل على التجارة والقطاع المالي وغيره من القطاعات)، فإن انفصال المملكة المتحدة عن الكتلة، ونهاية الفترة الانتقالية، والمفاوضات الطاحنة بشكل علني في بداية هذه السنة، كلها عوامل جعلت المشككين في أوروبا يعاودون تحديد كثير من الأهداف الجديدة.

من بين هذه الأهداف مسألة إطلاق اللقاح المضاد لفيروس "كورونا"، التي دفعت بشارل هنري غالوا، زعيم مجموعة سياسية هامشية تطلق على نفسها اسم "جيل الخروج الفرنسي (من الاتحاد الأوروبي)"  Generation Frexit، إلى التعليق هذا الأسبوع قائلاً، "إذا كان هناك من مثل صارخ على مدى ضرر الاتحاد الأوروبي وعدم جدواه، فهو طريقة التعامل مع أزمة "كوفيد–19". إذ يُقال عن حق، على الجانب الآخر من القناة الإنجليزية، أن مرحلة نشر اللقاحات، كانت بمثابة أفضل إعلان يروج لبريسكت (ويؤيكد صوابيته)".

لكن على الرغم من أن الوباء يبدو قد تسبب بإحداث تغييرات كبيرة في الميول السياسية، فإن تأثيره على الأطراف الفرنسية المشككة في أوروبا كان أقل وضوحا. فقد أشار استطلاع أجرته في شهر مارس (آذار) الفائت مؤسسة الاستشارات "كيكست سي أن سي" Kekst CNC، إلى أن الناخبين الفرنسيين كانوا أكثر انتقاداً لحكومتهم على طريقة تعاملها مع طرح اللقاح من انتقاد الاتحاد الأوروبي.

وإضافةً إلى ذلك، خلص استطلاعا رأي أجرتهما مؤسسة OpinionWay في شهري مارس، وأكتوبر (تشرين الأول) من عام 2020 (في شأن الأولويات التي يجب أن يضعها الاتحاد الأوروبي في العقد المقبل) بأن منح الدول الأعضاء مزيداً من السيادة قد تراجع بنحو 4 نقاط ليحل في المرتبة الخامسة من الاهتمام، بعد مسألة المخاوف المتعلقة بالصناعة والرفاه الاجتماعي والرغبة المتزايدة في اعتماد سياسات حمائية.

 وعلى الرغم من ذلك، يبدو أنه من العسير تغيير وجهة (اقتلاع) التشكيك الراسخ الجذور في الوحدة الأوروبية، وأشارت استطلاعات للرأي العام أجرتها مؤسسة "ريدفيلد أند وينتون" Redfield and Winton في أغسطس (آب) الماضي، إلى أنه في حال تحسن اقتصاد المملكة المتحدة بعد نحو خمس سنوات من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن نحو 36 في المئة من الفرنسيين سيصوتون على مغادرة بلادهم للكتلة الأوروبية، أي بزيادة مقدارها 3 في المئة عن نتيجة الاستطلاع الذي أجراه في عام 2016 "مركز بيو للأبحاث" Pew Research Centre.

وفي حين يبدو أن هذه المشاعر لا تزال تعكس وجهة نظر الأقلية في فرنسا، إلا أن ميشال بارنييه كان حريصاً على تذكير مؤيدي البقاء ضمن أوروبا موحدة، بعدم اعتبار أي أمر على أنه معطى ومسلم به.

وصرح لصحيفة "فايننشال تايمز"، "لقد توليتُ على مدى أربع سنوات ونصف السنة إدارة حدث بريطاني كان ضعيف الاحتمال، وغير مرجح حتى في عيون مؤيدي بريكست. ومع ذلك فإنه تحقق، للأسباب نفسها التي نلمسها في فرنسا اليوم، وتحديداً في المناطق الفرنسية الأكثر فقراً التي تعتبر أنها متروكة لأمرها وغير محمية".

وختم بارنييه مستشهداً بالتهديد الذي قد يتمثل في حدوث اضطراب تاريخي تقوم به مارين لوبان، قائلاً، "إننا في عالم حيث يمكن فيه لأحداث غير محتملة أن تحصل فعلاً".

© The Independent

المزيد من تحلیل