Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"خطف مني كورونا حاسة الشم وأنا مضطرة إلى تدريب أنفي"

فقدان هذه القدرة يمثل واحداً من أعراض "كوفيد" الموثقة في كثير من الحالات، بيد أن هذه المشكلة دامت مع ليز دارك طوال 12 شهراً، وهي الآن تتعلم التنشق من جديد

لا تؤدي الإصابة بكورونا إلى فقدان حاسة الشم فقط بل إلى تغيرات كذلك في إدراك الرائحة والموقف منها (غيتي)

لغاية مارس (آذار) 2020، كنت أتمتع بحاسة شم خارقة بحدتها، لم يكن يفوت حاستي شيء، فردة جوارب تائهة تحت السرير، قطعة رقائق بطاطا قابعة في زاوية، أو همبرغر "بيغ ماك" تُلتهم على بُعد سبع مقصورات قطار من مقعدي. لقد كنت مهووسة بطعام الوجبات السريعة، يمكن القول.

لكن، حين حل 16 مارس 2020، فقدت حاسة الشم كلياً إثر إصابتي بفيروس "كوفيد 19". وكان أشخاص كثيرون آنذاك، خلال الربع الأول من سنة 2020، وعبر وسائط التواصل الاجتماعي، يبلغون الأطباء والجمعيات التي تهتم بمشكلات من هذا النوع، عن إصابتهم بذاك العارض، وذلك على الرغم من عدم إدراج الحكومة فقدان حاستي الشم (العارض المعروف بـ"أنوسميا") والتذوق ضمن اللائحة الرسمية لأعراض فيروس كورونا حتى أواخر شهر مايو (أيار) (وذاك مثل، إلى جانب الحرارة المرتفعة والسعال الطارئ، العارض الثالث من الأعراض التي نشرتها "هيئة الخدمات الصحية الوطنية" NHS في بريطانيا).

في هذا الإطار، يرى البروفسور كارل فيلبوت، مدير شؤون الطب والأبحاث والقيّم في جمعية "الحاسة الخامسة" Fifth Sense الخيرية البريطانية التي تعنى بمشكلات الشم، أن معدل 60 في المئة من الأشخاص عبر العالم، عانوا من عارض فقدان حاسة الشم، أو غيره من المشكلات المرتبطة بالحاسة المذكورة، وذلك من جملة ما عانوه جراء الاصابة بـ"كوفيد 19". 

بالنسبة لي، وبعد نحو عشرة أسابيع من إصابتي بـ"كوفيد"، عادت إلي تدريجياً حاسة الشم الغالية على قلبي. بيد أن الأمر تطلب 12 شهراً بالتمام كي أدرك أنها لم تعُد أبداً إلى سابق عهدها. إذ إن بعض الروائح المفضلة عندي، مثل عطر "توم فورد" Tom Ford، وحبات الثوم الطازجة المقلية بالزبدة، والكينا المهدِئة التي يحويها زيت الأولباس Olbas Oil، باتت تتسبب لي اليوم بانقباض ولعيان في المعدة.

وأنا في ماضي الأيام، قبل زمن كورونا، كنت مولعة بالبصل النيء. الأمر الذي جعلني أضيف شرائح منه إلى السلطات والسندويشات، وإلى "نقانق غريغز" وكعكة الفول (وهذا لمعلوماتكم حقق النجاح). بيد أن اليوم حتى نفحة بسيطة من رائحة (البصل) تجعلني أرتجف.

وفي أغلب الصباحات كانت قهوتي المحضرة للتو تبث في الأجواء رائحة حريفة، كمثل رائحة سماد ينبعث منه البخار. وكان تنشقها من إبريق "برانستون بيكل" خلال عيد الميلاد يشبه تلقي لسعة ساخنة تعصف بأنفي، فأشعر وكأن تلك الرائحة النفاذة اخترقتني، وألهبت مجاريّ الأنفية وكوتها.

بيد أن هذا التحول في إدراك الروائح يُعد شائعاً، على ما يبدو، في أوساط من أصيبوا بـ"كوفيد 19". إذ غالباً ما يرتبط ذاك التشوش والانحراف في حاسة الشم، المعروف بالـ"باروسميا" parosmia، بالالتهابات الفيروسية، كما أنه يمثل في العادة علامة تشير إلى أن المريض يتماثل للشفاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشرح البروفسور كارل فيلبوت الأمر لـ"اندبندت"، فيذكر، "ينتقل المرضى من حالة عدم القدرة على شم وتنشق أي شيء، إلى حالة فجائية من استعادة عمل واحد أو اثنين من (أجهزتهم) قدراتهم الاستقبالية. إلا أن معظم الأشياء التي نشمها في العالم حولنا تمثل مزيجاً من الجزيئات، ونحن نقوم بالتعرف على أنماطها (أو أنساقها)". يتابع، "إن كان لدينا عدد قليل من مستقبلات الروائح، حينها لن نتمكن من التعرف إلا على جزء من النسق، ما يعني (أن حاسة الشم) تعرضت للانحراف".

إلى هذا، وبالعودة إلى حالتي، فقد قادني مسار رحلة التعافي من "كوفيد" إلى عالم من "التوهمات"، أو الـ"فانتوسميا" phantosmia. وكما يشير إليه اسمها، فإن الـ "فانتوسميا" هذه تمثل تجربة شم شيء غير موجود (وتعطي "هيئة الخدمات الصحية الوطنية" NHS مثلًا على ذلك برائحة الدخان، أو احتراق خبزة محمصة). وذاك يعد أكثر شيوعاً في أوساط من فقدوا حاسة الشم كلياً، فيقوم الجزء المسؤول عن الذاكرة في الدماغ بمحاولة توليد إشاراته الخاصة. وفي هذا السياق يتابع البروفسور فيلبوت شرحه، فيذكر أن "الـ"فانتوسميا" تحاكي قليلاً حالة الألم الوهمي عند مبتوري الأطراف، إذ يعاني هؤلاء (مثلاً) من ألم في قدم لم تعد موجودة".

ومنذ حوالى شهر، وفيما كنت أقوم بعملي من خلف طاولة المطبخ، تملكني إحساس غامر برائحة روضة الأطفال التي كنت فيها أيام طفولتي. فلفحتني نسائم من رائحة الأرضيات الخشبية القديمة التي تُصدر صريراً حين تُداس، وروائح عجينة اللعب المالحة. وتلك نسائم صدرت من اللامكان، وجاءت كمزيج من روائح لم أكن أدرك أنني ما زلت أتذكرها، بيد أنها أعادتني فوراً إلى هناك، إلى تلك الحضانة سنة 1992. وبعد فترة قصيرة رحت، على نحو عشوائي، أتلقى (أتذكر) الرائحة الطيبة والفاتنة لبيض الشوكولا والحليب من "كادبوري" Cadbury وأنا مغمورة بالمياه في حوض الاستحمام. وذاك جاء قبل أسابيع من قيامي بالتهام المئات منها من دون توقف خلال عطلة عيد الفصح. إذ ربما ظل طعم الشوكولا مقيماً في ذاكرتي. ومن المعلوم هنا أن الروائح المتوهمة يمكنها أن تصدر نتيجة محفزات عاطفية وبصرية تعصف بالذاكرة وتستثيرها.

لكن يبقى من غير الواضح ومن غير المعلوم كم من الوقت الذي ستستغرقه تلك الحالة، وإن كانت حاسة الشم عندي ستعود إلى سابق عهدها. فالتأثيرات طويلة الأمد التي يتركها "كوفيد" على الجسم البشري ما زالت غير معلومة، على الرغم من وجود علاج يرى الخبراء فيه عاملاً مساعداً (في التعافي واستعادة حاسة الشم).

مزودة بأربعة أباريق من الخواص العطرية وحقيبة طبية لحالة الطوارئ، سأبدأ غداً يومي الأول في تمارين استعادة حاسة الشم.  

تمارين استعادة حاسة الشم التي صُممت خلال العقود المنصرمة لتحسين قدرات الشم عند الأشخاص الذين يعانون من انحرافات وتشوهات في حاسة الشم، تتضمن تدريبات تقوم بتعريض المستقبلات الأنفية إلى مجموعة من الروائح الأساسية، وذلك بهدف إعادة الصلة بين الأنف والدماغ.

ويشرح البروفسور فيلبوت عن تلك التمارين فيذكر "(تمارين استعادة حاسة الشم) تحاكي بعض الشيء ما يقوم به العطارون وصانعو المشروبات، عندما يشرعون في تمرين أنوفهم والاعتياد على تلقي الروائح التي يستخدمونها في عملهم. وفي حالة فقدان القدرة على الشم، تحاول هذه التمارين تشجيع مسارات ومستقبلات الروائح عند المرء، كي تقوم هذه الأخيرة باستعادة الصلات (بين الأنف والدماغ) التي كانت موجودة في السابق".

وينصح الخبراء في هذا الإطار البدء بأربع روائح، هي رائحة الزهر (الوردية)، ورائحة القرنفل (الحريفة)، ورائحة الليمون (الفاكهة)، ورائحة الكينا (الحيوية)، فيجري تنشق كل واحدة من هذه الروائح عبر خواص زيتها، مرتين في اليوم لفترة 10 إلى 20 ثانية في كل حصة تمرين. وتختلف معدلات نجاح التمارين المذكورة بين حالة وأخرى، لكن بعد مرور أسابيع قليلة قد يشعر المرء الذي مارسها بفارق ملحوظ، غير أنها قد تتطلب أشهراً عدة كي تنجح، كذلك قد لا يُحقق بعض الأشخاص أي تحسن يذكر. كما ينصح بأن يقوم المرء بعد مرور 12 أسبوعاً من بداية التمارين، بتبديل الروائح، فيمكنه الانتقال إلى روائح من الحياة اليومية، مثل مسحوق الفلفل، والبن، والفانيلا، وحتى الأعشاب والبقول الطازجة.

إذاً، سأبدأ بتمارين استعادة حاسة الشم، مسلحة بأربعة أباريق من خواص الروائح، وحقيبة طبية لحالة الطوارئ. أنا مترددة قليلاً، أجل، خصوصاً كوني في الأصل، ومنذ ما قبل الجائحة، أكره رائحة الزهر والقرنفل، لكن كما علمتنا تجربة السنة الفائتة، فإن طريق التعافي ليس سهلاً.

وهذا نخب تحضير طبق من السباغيتي (بكمية زائدة من البصل والثوم) من دون تقيؤ. ادعوا لي بالنجاح.     

© The Independent

المزيد من صحة