Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفرد المعاصر تضربه الوحدة بأذرع الـ"نوموفوبيا" والاغتراب الرقمي

هناك حلقة مفرغة بين الوِحدَة وأنواع الاضطرابات النفسيّة والجسدية. وتتصاعد تلك الظاهرة السلبية باطراد إلى حد صارت فيه وباء منتشرا

الدراسات تظهر صورة قاتمة عن الحال النفسيّة للفرد حاضراً (موقع "إس بي إس. كوم. إيه يو")

الأرجح أن الطب النفسي لم يهتم بشيء قدر اهتمامه في مشكلة الوِحدَة  Loneliness التي يعانيها الفرد وسبل معالجتها والخروج منها! هل بدت الكلمات مفاجئة؟ إذاً، لا بأس من التذكير ببعض المعطيات سريعاً وسريعاً، قبل الانتقال إلى تناول الشكل الأكثر جدّة لوِحدَة الفرد، وهو المتصل بالانتشار الواسع للوسيط الرقمي وشبكاته التي تُشرنق العالم وتصنع خيوط اتّصال بين أفراده! مفاجأة اخرى؟ ربما! ثمة تناقض يقفز إلى العيون في الحديث عن صعود مذهل للاتّصال من جهة، ووصف الفرد الذي يعيش حال الاتّصال الفردي العالمي (للمرّة الأولى في التاريخ المعروف للكائن البشري) بأنه يعاني وِحدَة متفاقمة من الناحية الثانية. كيف يمكن قراءة ذلك التناقض؟ لنؤجل الأمر بضع سطور. لنترك "مسلسل" المفاجأت والتناقضات. لنعد إلى نقطة البداية، لأنها قد تصلح مدخلاً للانتقال إلى الحديث عن وِحدَة الفرد المعاصر المُتّصل عالميّاً، مع التذكير بأن ذلك الموضوع يحتاج مقالات مطولة، إضافة إلى ضرورة التنبّه إلى كتابات ودراسات واسعة ومتعمّقة عن ذلك الشأن، خصوصاً في الدول الغربيّة.

لنعد قليلاً إلى الطب النفسي. وفقاً للبروفسورة الأميركيّة ستيفاني كاسيوبو من "مختبر آليات الدماغ- جامعة شيكاغو"، تُعَرَّف الوِحدَة بأنها تجربة عقليّة- نفسيّة أساسها شعور الفرد أنه وحيد، بمعنى وجود فجوة كبيرة بين ما يطلبه المرء من تواصل وتفاعل في علاقته أو مجموع علاقاته الأكثر حميميّة (الحب، العائلة، الصداقة...)، وبين ما يشعر وجدانيّاً أنه يحصل عليه من تلك العلاقات. يجدر التشديد على أنها تجربة يعيشها الإنسان بعقله ومشاعره، بمعنى أنها ليست وضعاً في الحياة أو  المجتمع، على الرغم من التداخل بين الأمرين. بكلمات أوضح، من الممكن أن يكون المرء وحيداً تماماً، حتى في أوضاع لا يكون الفرد فيها "لوحده"، بل أن مكابدة الوِحدَة تحدث حتى عندما يكون الإنسان مع آخرين، سواء أكانوا مقربين منه أو بعيدون عنه. من الممكن أن تحيا مع عائلة وأصدقاء، وتبدو منخرطاً تماماً في عيش اجتماعي غامر، ولكنك في داخلك تعيش وِحدَة مرّة. وكذلك يصح القول أن الوِحدَة تحدث أكثر مع من يعيش في انفراد أو ما يشبهه، ولنفكر أيضاً أن ذلك ينطبق أيضاً على من يقضي معظم وقته "منفرداً" أو شبه منفرد، مع شاشة الخليوي أو الـ"تابلت"، وتلك ظاهرة متفاقمة. في المقابل، ليس كل يعيش "منفرداً" أو في شبه انفراد، يعاني حال الوِحدَة في وجدانه وتفكيره.

...لكنها ليست انفراداً

 

إذاً، يجب التفريق بوضوح بين الانفراد والوِحدَة. هناك أحوال كثيرة من الإنفراد في العيش، تشمل مروحتها مثلاً العيش المستقل، والشخصيّة المتفرّدة، واختيار الانعزال لسبب أو لآخر. لا تتساوى تلك الأحوال مع الوِحدَة بالضرورة. ثمة قول معروف عن المشاهير والمتفوقين والقادة الكبار ومن يشبههم، "عند القمّة، هناك كثير من العزلة" It’s lonely up there. ويرد إلى الذهن فوراً، كل تلك الصور الشائعة عن عزلة المشاهير والنخب ومن يشبههم. وفي المقابل، يصح القول بأن أحوال الانفراد وقلّة الأصحاب وضآلة العلاقات الاجتماعيّة، تمهد في أحيان كثيرة لمعاناة الوِحدَة. عند ذلك التقاطع المتناقض، تأتي مجموعات من الصور الشائعة كتلك التي تربط عزلة المشاهير والنُخَبْ بحالات من الكآبة، بل حتى الانتحار. في زمن سابق، كان نموذج ذلك في انتحار الممثلة مارلين مونرو، المحاطة دوماً بكثرة من البشر والمعانية لوِحدَة وجدانية ربما بسبب إخفاق علاقة حميمة قيل أنها كانت مع الرئيس الراحل جون كينيدي. في زمن أكثر قرباً، هناك الكآبة التي عاشتها الليدي ديانا، ربما أيضاً بسبب اخفاق في علاقة حميمة.

وقد تؤشّر تلك المعطيات المتفرقة على منحىً مهم، وهو الأحوال أو الاضطرابات الوجدانية والنفسيّة والفكريّة، التي تتراكم حول الوِحدَة أو تنجم منها أو تتصل بها بطريقة أو باخرى. لماذا عدم الحسم في الكلمات السابقة؟ لأن الآليات النفسيّة لتكوّن الإحساس بالوِحدَة (مع معطياتها في النفس والعقل والعاطفة)، وكذلك علاقة تلك الآليّات مع مناحٍ واضطرابات نفسيّة اخرى، هي من المواضيع التي اشتغل علم النفس عليها طويلاً في مدارسه المختلفة، خصوصاً منذ مطلع القرن العشرين عندما تبلور بوصفه علماً مستقلاً، مع وجود رؤى متعددة حولها. وهناك ميل عام للربط بين الوِحدَة من جهة، ومحاولة الإنسان الخروج منها، سواء في وعيه وإدراكه، أو في الدواخل العميقة للاوعي وتراكيبه وآلياته المختلفة.

وفي خريف العام 2018، صدرت دراسة موسّعة عن مكابدة الوِحدَة، اجرتها مجموعة من الأساتذة الأكاديميين المتميّزين في "مركز الدراسات الإدراكية والاجتماعيّة والعصبيّة" في "جامعة شيكاغو". وخلصت إلى أن الوِحدَة تأتي من تفاعل عناصر متنوّعة تشمل العزلة والانفراد، والطلاق وانهيار العلاقات العاطفية الحميمة، والتبدّل القوي في الأوضاع المجتمعيّة بما في ذلك الهجرة والانتقال من تركيب اجتماعي إلى آخر، وفقدان الأقارب والأحبة بالموت أو إصابتهم بأمراض شديدة توصلهم إلى أحوال مُقعِدَة أو ما إلى ذلك. وكذلك شدّدت تلك الدراسة على العلاقة الوثيقة بين الوِحدَة من جهة، وضعف ثقة المرء بنفسه وانحدار مستوى نظرته إلى ذاته وجدانيّاً وعقليّاً.

وانتهت تلك الدراسة إلى الربط بين الوِحدَة، وسلوكيّات مثل التوتّر المفرط، والعنف بأشكاله، والسلوك العدوان المعادي للمجتمع  Anti social behavior، والإدمان بأنواعه وغيرها.

لنتحدث عن الكآبة ولنتكلم عن... التوحّد

 

الأرجح أيضاً أن لا شيء شغل بال الطب النفسي، أكثر من معاناة الفرد مشاعر الوِحدَة وأفكارها وتجربتها. دليل؟ تشكّل الكآبة المرضيّة أكثر الأمراض النفسيّة انتشاراً، بل يقدر أن ما يزيد على خمسة في المئة البشر يمرون في نيرانها القاتمة، ولو مرّة في حياتهم. وتتصدر الوِحدَة قائمة أعراض الكآبة، بل هي أساس تشخيصها. وحتى عندما "تتخفّى" الكآبة خلف أقنعة متنوّعة، مثل القلق والتوتر والعنف (بل حتى الضحك، مع وجود حال نفسيّة معروفة باسم "الكآبة المبتسمة" Smiling Depression)، يكفي أن تتلمّس أصابع الحوار النفسي بين المريض والطبيب، الجرح الغائر الذي تحدثه الوِحدَة في الحال النفسيّة للمريض، كي يجري التفكير في وجود حال كآبة مرضيّة.

ويضاف إلى الكآبة المرضيّة، تجربة الاكتئاب، وهي حال نفسيّة تتسم بتسيّد مشاعر الحزن والأسى والحساسيّة الفائقة تجاه انكسار العلاقات والآمال، وغني عن القول أن أفكار الوِحدَة ومشاعرها تشكّل جزءاً أساساً منها. لا يصل الاكتئاب إلى مستوى المرض، لكنه معاناة يعيشها أعداد كبيرة من البشر، وهي أيضاً جزء من تركيب أنماط الشخصيّة لديهم، ومن الواضح أنها تصيب أعداداً من الناس تفوق كثيراً تلك التي تعاني الكآبة.

هل صارت أرقام الوِحدَة الفردية كبيرة؟ قد تكون كذلك، لكنها لا زالت أقل من حضور تلك الحال في عيش البشر. وإضافة إلى ما سبق بشأن الكآبة والاكتئاب وأنماط الشخصيّة، هناك مجموعة كبيرة من الاضطرابات النفسيّة تكون الكآبة والإحساس بالوِحدَة، جزءاً منها. ينطبق الوصف على الشيزوفرينيا بأنواعها، والوسواس القهري Obsessive- Compulsive Disorder، و"الاضطراب المزدوج القطبيّة"Manic Depressive  Disorder الذي يتأرجح فيه المريض بين "قمّة" الإفراط في سعادة غير مفهومة وبين التخبّط في القعر السحيق للإحساس المرير بكآبة طاحنة وغيرها.

وثمة مرض نفسي تحتل الوِحدَة موقعاً أساسيّاً، بل مركزيّاً فيه، هو... التوحّد ("أوتيزم" Autism). حتى مجرد التسمية تشير إلى المساحة التي تتمدد فيها معاناة الوِحدَة في ذلك المرض، بل أنها تبتلع الفرد إلى حد أنها تصير حدوداً قاسية تطوق المريض الذي يغدو أسيرها إلى حدّ أنه يكفي الاقتراب من تلك "الحدود"، حتى يتحرّك الاضطراب في نفسيّة المريض. وكذلك تمنع الوِحدَة الفرد المتوحّد من التواصل مع البشر، مع كل ما يترتب على الانهيار الكامل لعلاقة الإنسان مع كل الآخرين، بداية من التطوّر الإدراكي والمعرفي والعاطفي، ووصولاً إلى العزلة الاجتماعيّة بأشكالها. استدراكاً، يجدر التنبّه إلى أن مرض التوحّد ليس... مرضاً، بالأحرى أنه ليس مرضاً واحداً بل مروحة واسعة من الاضطرابات النفسيّة- العقليّة. ثمة خطأ شائع تماماً، خصوصاً في الإعلام العام، بالحديث عن التوحّد كأنه اضطراب من نوع واحد يصيب الأفراد كلهم على نحو متشابه، كأنه حمى التيفوئيد أو الملاريا أو التهاب الكبد أو غيرها. يجدر التشديد على أن التوّحد ليس اضطراباً نمطيّاً من نوع واحد، بل هو مروحة من الاضطرابات المتفاوتة والمختلفة، لكن يربط بينها وجود عارض الوِحدَة، بل الميل الشديد لها إلى حدّ التأثير سلبيّاً في القدرة على التواصل مع الآخرين، وبشكل متفاوت ومتنوّع أيضاً.

كذلك يجدر التنبّه إلى أن التوحّد يشمل أيضاً كونه نمطاً في الشخصيّة، بمعنى وجود ملمح من التوحّد في شخصيّة الإنسان، خصوصاً في مرحلة الطفولة. ويشار إلى ذلك بمعطيات مثل "نمط من التوحّد" Autistic Trait ، وشخصيّة ذات طابع توحّدي Autistic Personality وغيرها. ويعني ذلك أن مجرد وجود ميل توحّدي أو طبع/طابع توحّدي في الشخص (خصوصاً الطفل) لا يعني بالضرورة وجود مرض التوحّد.

ويقع الإعلام العام في معظم الدول العربيّة في خطأ الخلط بين التوحّد بوصفه اضطراباً نفسيّاً- عقليّاً (بالأحرى مروحة من الاضطرابات المتفاوتة) وبين وجود أعراض وميول من التوحّد لدى الفرد وشخصيته. وعلى بعض الشاشات العربيّة، يظهر أحياناً تربويّون وعاملون في مجال الصحة المدرسيّة العقليّة، يتحدثون عن التوحّد من التنبّه إلى تلك التفاوتات كلها. وهناك حاجة إلى نقاش ذلك الأمر بشكل موسع ومنفصل، بما في ذلك علاقة التوحّد والتباساته مع ظواهر متناقضة ومتشابكة تمتد من النبوغ والإبداع في مراحل مبكّرة من العمر، وصولاً إلى التأخير في التحصيل التعليمي، وأشكال الفشل المدرسي، والحاجة إلى تشخيص أصحاب الاحتياجات الخاصة وكيفية التعامل مع تلك الحالات وغيرها.

وفي تلك المساحة، يبدو التوحّد كأنه مدخل إلى مسائل ومساحات واسعة وفائقة التنوّع، يستوجب كلٌّ منها توقفاً ونقاشاً طويلاً.

من ينشر العزلة؟ ما هي مسؤوليّة الـ"سوشيال ميديا"

 

لماذا تلك الوقفة الخاصة عند التوحّد؟ لأن الحديث عن ظواهر التوحّد في المجتمعات المعاصرة، خصوصاً لدى الأطفال والمراهقين والشباب، كان من المداخل التي لفتت العلماء إلى الوِحدَة التي يعانيها الفرد المعاصر بشكل يبدو متناقضاً، ولو ظاهرياً، مع كثافة الاتّصال المعاصر الذي توفّره الشبكات المتطوّرة.

في خريف العام 2015، صدرت دراسة عن عن "مراكز السيطرة على الأمراض" Centers for Diseases Control في "اتلانتا" الأميركيّة، تؤكّد ارتفاع إصابة الأطفال والشباب الأميركيّين بين عمر 3 و17 سنة، من 1 بين 68 شخصاً (وهو المعدل المعتمد تقليدياً لدى الجهات الصحيّة الأميركيّة)، إلى 1 من 45 شخصاً. واعتمدت أرقام "مراكز..." على توصيفات الآباء لحالات التوحّد عند أبنائهم، مع الإشارة إلى أنها شملت ما يزيد على أربعين ألف شخصاً.

وفي الدراسة التي أجرتها جامعة شيكاغو وسبق الإشارة إليها، ورد معطى مخيف عن انتشار الوِحدَة إلى حدّ وبائي، إذ تضاعفت الوِحدَة تضاعفت ثلاث مرات، منذ العام 1985. واستطراداً، شددت الدراسة عينها على اسهام وازنٍ من قِبَل شبكات التواصل الاجتماعي في ذلك الانتشار الوبائي.

وفي العام 2016، ظهرت دراسة أجرتها البروفسورة الأميركيّة فيكتوريا دنكلي، وهي أستاذة أكاديميّة في الطب النفسي للأطفال والمراهقين، صاغت فيها مصطلح "ظاهرة الشاشة الإلكترونيّة" Electronic Screen Syndrome، في سياق حديثها عن الإدمان التكنولوجي لدى اليافعين. وكذلك ربطت دنكلي ذلك الإدمان مع الأوقات الطويلة من الانفراد بين الأطفال والشاشات، سواء لممارسة الألعاب الإلكترونيّة أو للاتّصالات عبر الـ"سوشيال ميديا". وإضافة إلى خبرة متطاولة في ذلك المجال، أُعطِيَتْ البروفسورة دنكلي في العام 2011 لقب "الطبيبة النفسيّة الأولى في أميركا"، من قِبَل "مجلس بحوث المستهلكين"، وهو هيئة بحثية علمية تعني بالدفاع عن حقوق الجمهور المستخدم لشبكات الاتّصالات المتطوّرة.

وفي مطلع  العام 2017، أجرى البروفسور الأميركي ريتشارد سيتويك، وهو أستاذ كرسي علم الأعصاب في "جامعة واشنطن"، مراجعة واسعة لدراسات ربطت بين تزايد الوقت الذي يقضيه الأطفال واليافعين أمام الشاشات الإلكترونيّة من جهة، وانتشار أعراض وميول توحدية لديهم، وتآكل علاقاتهم الاجتماعيّة، وتضاؤل قدرتهم على عقد علاقات وطيدة ومُشبِعَة عاطفياً ووجدانياً. وفي تلك المراجعة الواسعة، استعمل البروفسور سيتويك تعبير "التوحّد الافتراضي"  Virtual Autism، في الإشارة إلى بروز ميل إلى الوِحدَة لدى الأجيال الشابة من جهة، وبين انتشار الشاشات في أيديهم وانغماسهم المستمر في شبكات الـ"سوشيال ميديا".

وفي العام 2017 أيضاً، ظهر كتاب للدكتور الأميركي ليونارد أويسترايشر عن العلاقة بين الألعاب الإلكترونيّة والانغماس في شبكات الـ"سوشيال ميديا"، وبين زيادة أعراض التوحّد في المدارس والثانويات الأميركيّة. مرّة اخرى، هناك ذلك الترابط المتناقض بين الاتّصال الافتراضي من جهة، والوِحدَة المفرطة مع أحوالها الوجدانيّة والنفسيّة من الجهة الثانية.

أرقام تتحدّث عن نفسها

 

في ختام العام 2018، ظهرت دراستان موسّعتان عن "مركز بيو للبحوث"Pew Research Center، وهو مؤسسة بحثيّة أميركيّة مختصة، وثّقت إحداها أن قرابة 30% من الأميركيين يحسّون أن عيشهم العائلي وعلاقاتهم الاجتماعيّة، لا ترضيهم بل تفاقم إحساسهم بالوِحدَة. وقدّمت الثانية معطيات أشد إثارة للقلق، إذ وثّقت أن 54% من المراهقين في أميركا يشعرون أنهم يقضون أوقات طويلة مع هواتفهم الذكية وأجهزة الاتّصال الإلكتروني، مع معاناتهم إحساساً قويّاً بالوِحدَة. وبيّنت الدراسة أن الشعور بالوِحدَة يظهر جليّاً عند انقطاع المراهقين واليافعين عن تلك الأجهزة. وبعبارة اخرى، تضع العوالم الافتراضيّة والاتّصالات الشبكيّة الأجيال الشابة أمام مأزق صعب، لأنها لا تزيل شعورهم بالوِحدَة (بل تزيده)، لكنهم لا يستطيعون الاستغناء عنها بوصفها البديل الوحيد في محاولة الخروج من الوِحدَة والوصول إلى علاقة مُشبِعَة إنسانياً ووجدانياً مع الآخر/ الآخرين!

وفي سياق متّصل، شاع في العام نفسه، في الولايات المتحدة ومجمل الدول الغربية، مصطلح الـ"نوموفوبيا" الذي يختصر لفظيّاً عبارة "نو موبايل فون" No Mobile Phone. ويشير المصطلح إلى حال من القلق والخوف والفزع، تنتاب اليافعين والشباب، لمجرد عدم وجود الهاتف الذكي في متناول أيديهم. ويؤشّر المصطلح بحد ذاته على الحال المتناقض الذي يعيشه الفرد المتّصل- المنعزل. إذ هو ينفرد بالشاشة لوقت طويل يعزله عن مجتمعه الفعلي، حتى في الحلقات الأقرب والألصق مثل العائلة، لكنه لا يحصل من ذلك الانفراد على علاقة تكفي لكسر إحساسه العميق بالوِحدَة، ولا يستطيع سوى المداومة على الانغماس في تلك الحلقة المفرغة، على أمل العثور على مخرج ما من الوِحدَة، والدخول في علاقة إنسانيّة تتغلغل في وجدانه وتعيده إلى حال سويّة من التواصل الإنساني المُشبِع لوجدانه وكيانه وعواطفه.

في السياق عينه، في العام 2018، أفردت مجلة "الايكونومست" البريطانيّة محوراً موسّعاً لموضوع الوِحدَة المعاصرة، تناولها بوصفها مشكلة صحيّة جديّة، بل تساهم في الموت المبكّر أيضاً. واسْتُهِل المحور بإشارة إلى حملات حكوميّة واسعة تتناول الوِحدَة، خصوصاً في بريطانيا والدنمارك وأستراليا واليابان، بل أن الأخيرة تستخدم مصطلح "هيكيكوموري" في الإشارة إلى المنعزلين في منازلهم، ممن يعانون إحساساً قاسياً بالوِحدَة. وفي مطلع العام 2018، عيّنت تريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانيّة، وزيراً مختصّاً في شؤون الوِحدَة. وفي العام 2017، أشار المفوّض الطبي السابق للحكومة الأميركيّة، د. فيفك مورثي، إلى انتشار الوِحدَة في الولايات المتحدة باعتباره وباءً معاصراً يشبه في تأثيراته البدانة المفرطة وتدخين أكثر من 15 سيجارة يومياً.  

وأوضحت "الإيكونومست" أنها تعاونت مع "مؤسّسة عائلة كايزر"  في إجراء دراسة واسعة عن الوِحدَة، شملت ثلاث دول هي الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا. وفي النتائج، وُصِفَ الشعور بالوِحدَة بأنه "مشكلة كبرى" من قِبل 4% من الأميركيين، و5% من البريطانيين واليابانيين. واعتُبر ذلك الإحساس "مشكلة" من قِبَل 13% من الأميركيّين، و16% من البريطانيّين و8% من اليابانيّين.

واستعادت "الإيكونومست" أرقاماً وردت في كتاب "تاريخ ارتفاع العيش المنفرد والوِحدَة" لمؤلّفه كيه. دي. أم. سنيل. وبيّنت تلك الأرقام أن المنازل التي يعيش فيها شخص بمفرده في أوروبا والولايات المتحدة واليابان، ارتفعت نسبتها من أقل ما دون العشرة في المئة عند القرن التاسع عشر، إلى 60% في العام 2012!

وفي ملمح مهم آخر، بيّنت الدراسة المشتركة بين "الإيكونومست" و"مؤسّسة عائلة كيزر"، أن ستة من كل عشرة أشخاص يعانون الوِحدَة، أرجعوا سببها إلى مشكلة ما في صحتهم، سواء العقليّة أو الجسديّة. في المقابل، أورد ثلاثة من كل عشرة أشخاص يعانون الوِحدَة، أنهم فكّروا في إيذاء أنفسهم بسبب تلك الوِحدَة.

وأوردت "الإيكونومست" أيضاً بحثاً قاده البروفسور ماركو إلوفيانو، من "جامعة هلسنكي" في فنلندة، استخدم فيه قاعدة بيانات بيولوجيّة بريطانية التي تشمل مئات آلاف الأشخاص، لتقصي أحوال الوِحدَة. وتوصل إلى خلاصة مفادها أنّ الوِحدَة تقود إلى اضطراب الصحة جسديّاً ونفسيّاً، والعكس بالعكس.

وأعطت المجلة عينها حيزاً لدور التقنيات الرقميّة في الوِحدَة المعاصرة. وأشارت إلى أرقام من البلدان الغنيّة المنضوية في "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"، تشير إلى ارتفاع حاد في من يعانون الوِحدَة في سن الخامسة عشرة، بين عامي 2003 و2015. وكذلك لوحظ انخفاض حاد في الوقت الذي يقضيه اليافعون مع آبائهم خارج المنزل، منذ العام 2009 وهو زمن الانتشار السريع للهـواتف الذكيّة في أميركا.

ولفتت "الإيكونومست" إلى دراسة أميركيّة شملت من تتراوح أعمارهم بين 19 و32 عاماً، أجرتها "جامعة بيتسبرغ"، أن من يستعملون شبكات الـ"سوشيال ميديا" باستمرار، يعانون الوِحدَة بضعفي من يستخدمونها بوتيرة متقطعة.

الأرجح أن هناك وباءً جديّاً إسمه الوِحدَة، يضرب الفرد المعاصر لأسباب متنوّعة، ولا تفيد الاتّصالات الرقميّة المتطوّرة التي صنعت الفرد المتصل عالميّاً في التخفيف منها، بل الأرجح أنها من مصادرها وأسبابها.

المزيد من علوم