Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا تجبر إسرائيل مسيحيي فلسطين على الهجرة

ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية تدفعهم إلى الرحيل عن بلادهم

جانب من الطرق التي يعبرها المسيحيون بعيد الفصح في طريقهم لكنيسة القيامة (اندبندنت عربية)

"تخرجت قبل عام واحد ولم أجد عملاً حتى الآن، لذلك لن أضيّع أي فرصة للهجرة خارج فلسطين، وهذا الأمر أكاد أجزم أنه سبب هجرة الكثيرين من المسيحيين"، هذا ما تقوله لارا وهي إحدى الشابات المسيحيات، ويوافقها الرأي رامز الذي ترك مدينته إلى أوروبا للدراسة، فهو لا يرى سبباً مشجعاً على العودة، بسبب تدني الأجور وقلة فرص العمل، والأزمات الاقتصادية التي تمر بفلسطين على الرغم من رغبته الشديدة في ذلك.

المسيحيون أقل من واحد في المئة

لارا ورامز من مجتمع مسيحي يتناقص تدريجاً في فلسطين، إذ أظهرت آخر الإحصاءات تراجعاً كبيراً في أعداد معتنقي المسيحية، ليصل عددهم في العام 2018 إلى ما يقارب 45 ألف شخص، أي أقل من واحد في المئة من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، ففي الضفة يعيش 40 ألف مسيحي، وفي غزة ما يقارب 730 مواطناً، أما في القدس فلم يتجاوز التعداد خمسة آلاف نسمة، وهذه الأرقام تشير إلى انخفاض كبير إذا ما قورن بالسنوات السابقة.

أسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية

يعتقد رامز أن أحد أسباب التناقص الكبير في عدد المسيحيين، القيود التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على الحركة، وعدم القدرة على التنقل سوى في مساحة محدودة سواء داخل الضفة الغربية أو قطاع غزة، إضافة إلى الظروف الاقتصادية، ما يجبر الشبان المسيحيين على البحث عن فرص عمل ودراسة خارج فلسطين والسفر من أجل بناء حياة جديدة، في حين عزا باحثون انخفاض أعداد المسيحيين إلى عوامل عديدة تتمثل في الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وعلى الصعيدين  الاجتماعي والاقتصادي، كان انخفاض معدل المواليد وفشل المشاريع التنموية، وتردّي الأوضاع الاقتصادية وانخفاض الأجور وقلة فرص العمل، من أبرز الأسباب التي أدت إلى هجرتهم، وكان المهاجرون من المدن أكثر من ساكني القرى والمخيمات.

قلق كبير

وبالنسبة إلى الأب جوني أبو خليل كاهن رعية اللاتين في قرية الطيبة قرب رام الله، فإن تناقص الأعداد بهذا الشكل يسبب قلقاً كبيراً، خصوصاً أن فلسطين تعتبر مهد الديانة المسيحية، ويُرجع أبو خليل هذا الأمر إلى السياسات الإسرائيلية المتمثلة في إغلاق بوابات القدس والمضايقات الكبيرة على دخول المسيحيين إلى البلدة القديمة وكنسية القيامة، خصوصاً في يوم سبت النور والاحتفالات في عيد الفصح، إضافة إلى منع فلسطينيي الضفة والقطاع من دخول القدس لأداء الطقوس الدينية إلا بتصاريح، وقد لا يحصل جميعهم عليها بدواعٍ أمنية، وهذا يؤثر بشكل سلبي في أعداد المسيحيين وعلاقتهم بمقدساتهم، معتبراً إياه اضطهاداً دينياً كبيراً.

هذا ما نفاه كثيرون

أما بعض من قابلناهم فأعادوا ارتفاع الهجرة إلى التفرقة والعنصرية في المجتمع الفلسطيني، ولكن هذا ما نفاه كثيرون من أبناء الديانة المسيحية، مشيرين إلى أن الفلسطينيين يعيشون من دون تفرقة بين الديانات منذ زمن قديم، وما يحدث في بعض الأحيان من عنصرية ومشادات بين الطرفين يعود لحالات فردية فقط ولا علاقة له بالهجرة وتناقص الأعداد.

رئاسة بلديات معينة لهم

لا يوجد في القانون الفلسطيني بنود تتعلق بالكوتا المسيحية، ولكن في الحكومة الفلسطينية عادة ما يتراوح عدد الوزراء المسيحيين ما بين ثلاثة إلى أربعة، وفي الحكومة التي شكلت هذا العام وصل عددهم إلى أربعة من بين 25 وزيراً، أما على صعيد المجالس المحلية، فأصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوماً رئاسياً في العام 2016، ينصّ على إعطاء رئاسة المجلس للمسيحيين في تسع بلديات ومجالس قروية في الضفة الغربية، وتحديد عدد مقاعد المسيحيين والمسلمين في هذه الهيئات.

لكن هذا الأمر أثار جدلاً آنذاك بين الناس، فبعض الأشخاص رفضوه معتبرينه تمييزاً ومساساً بنزاهة الانتخابات البلدية، في حين اعتبره فريق آخر تمييزاً إيجابياً وتشجيعاً لهم للبقاء في ظل تناقص أعدادهم، مشيرين إلى أن هذا يأتي تماشياً مع القانون الأساسي الفلسطيني، أما من وقف على الحياد فاعتبر أن هذا القرار لا يعني لهم شيئاً، فمهام رئيس البلدية أو المجلس القروي لا علاقة لها بالدين بل بتقديم الخدمات للناس.

لجنة لمتابعة شؤون الكنائس

على صعيد الكنائس، فإن هناك محاولات لتسليط الضوء على الهجرة المسيحية من أجل الحد منها، وهذه تندرج في إطار مهام اللجنة العليا لمتابعة شؤون الكنائس، التي أُسّست للاهتمام بما تحتاجه أماكن العبادة المسيحية القانونية والعقارية والمؤسساتية أيضاً، وتنظيم النشاطات والفعاليات المتعلقة بالأديان وعلاقتها بالتعددية الدينية والسياسية والاجتماعية، والممارسات الإسرائيلية ضد المؤسسات الدينية خصوصاً في القدس، وتطوير العلاقات المسيحية الإسلامية، والاهتمام بالمناهج المدرسية للتأكد من توافقها مع القيم الدينية والوطنية.

وبالحديث عن المناهج الفلسطينية أوضح ثروت زيد رئيس مركز المناهج في وزارة التربية والتعليم العالي، أن الوزارة تدمج الدين المسيحي في المقررات الدراسية من لغة عربية وتربية إسلامية واجتماعيات، ولكنها تفرد كتاباً خاصاً للتربية المسيحية في المدارس التي يدرس فيها أبناء هذه الديانة، حتى لو كان طالباً واحداً، ولهؤلاء الطلاب الخيار بتقديم امتحان التربية المسيحية أو الإسلامية في امتحان الثانوية العامة (امتحان التخرج من المدرسة ودخول الجامعة)، وتعتمد الوزارة في إعداد هذه الكتب على مجموعة من المواصفات والمقاييس المحلية، بالتعاون مع الأمانة العامة للمدارس المسيحية والمتخصصّين في هذا الشأن.

محاكم وقانون أحوال شخصية خاص

أما على صعيد القانون والمحاكم وتنظيم الأحوال الشخصية، فإن للمسيحيين في فلسطين محاكم كنسية، تعتبر هي السلطة القضائية والمتخصصة بالنظر في النزاعات والقضايا التي تتعلق بالمسائل الروحانية أو الدينية، وفيها يجري تطبيق القانون الكنسي الذي يعتبر النظام الأساس لها، مشكلاً أعلى سلطة كنسية، وهذه المحاكم مركزها القدس، ولكنها تتنقل بين المدن الفلسطينية، إضافة إلى قانون الأحوال الشخصية الذي يختلف باختلاف الطوائف سواء كانت كاثوليكية أو أرثوذوكسية.