Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل علينا أن نخاف من نجاح مشروع إيران النووي أم من فشله؟

لم تستطِع دول تملك قدرات تقنية أعلى من طهران مثل اليابان والاتحاد السوفياتي حماية محيط المفاعلات من التسرب الإشعاعي

البنية التقنية السوفياتية عند وقوع كارثة تشيرنوبل كانت أفضل مما هي عليه في إيران اليوم (غيتي)

يعيش العالم في هذه الأيام الذكرى الـ35 لكارثة تشيرنوبل النووية، ففي الـ26 من أبريل (نيسان) عام 1986، هزّت سلسلة انفجارات مفاعل كتلة الطاقة الرابعة في محطة كهروذرية، تقع في مدينة برابيت قرب الحدود البيلاروسية، نتج منها أسوأ كارثة تتسبب بها منشأة نووية حتى يومنا الحالي.

كانت الحادثة نتيجة تجربة علمية نُفّذت بشكل خاطئ، وأسفرت عن إطلاق مواد مشعّة في الهواء. حاول رئيس الفريق احتواء المشكلة عن طريق إغلاق المفاعل لتخفيض سرعة التفاعل، وإنزال أعمدة الغرافيت لتبريده، إلا أن هذه الطريقة جعلت الحرارة تزداد ثم تنخفض بشكل سريع، ما أدى إلى اعوجاج الغرافيت وعدم إمكانية إسقاطها في قلب المفاعل، فتعود الحرارة إلى الارتفاع وتنفجر المحطة وتتسرّب الإشعاعات.

ويفيد آخر تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية بأنه في أكثر البلدان تضرّراً، تم تشخيص أكثر من 5000 شخص بسرطان الغدّة الدرقية ممّن كانوا أطفالاً أو مراهقين وقت وقوع الحادثة. ومن المحتمل الإبلاغ عن حالات جديدة من سرطان الغدّة الدرقية في العقود المقبلة. كما يشير التقرير إلى احتمال حدوث 9000 حالة وفاة إضافية من وفيات السرطان جراء حادثة تشيرنوبل، في صفوف من يوصفون بـ"الناجين" الذين تم إجلاؤهم من المناطق المعرّضة لنسب تلوّث عالية ومنخفضة في بيلاروس والاتحاد الروسي وأوكرانيا، إذ تم إجلاء 116 ألف نسمة من المنطقة وقت الحادثة مباشرة، ثم ترحيل 230 ألف نسمة أخرى في الأعوام التي أعقبتها بسبب عدم القدرة على امتصاص المواد المتسربة في مناطقهم، في حين لا يزال أكثر من 5 ملايين نسمة يعيشون في مناطق تعاني التلوث الإشعاعي إلى يومنا الحالي.

كل هذا كان نتيجة خطأين رئيسين، انعدام الشفافية في الكشف عن الكارثة في البداية لاحتواء الأزمة عالمياً، وعدد من الأخطاء التقنية في إدارة عملية التفاعل داخل المحطة، وأخطاء متعلقة بمعالجة ارتفاع درجة الحرارة، وتعطل البنية التحتية النووية ما تسبب في عدم قيام أعمدة الغرافيت بالمهمة المطلوبة منها في معالجة الارتفاع السريع في حرارة المفاعل.

إيران أقل كفاءة من الاتحاد السوفياتي

فشل السوفيات في إدارة تقنية بالغة التعقيد قد تكون مفهومة ومنطقية بالنسبة إلى جيرانها الأوروبيين، الذين يفوقونها كفاءة تقنية ويملكون بنية تحتية أكثر تطوراً، ونظاماً شفافاً يضع عمليات الإنقاذ في رأس أولوياته وقت وقوع الكارثة ولا ينشغل بكيفية إخفاء المعلومة للحفاظ على سمعته.

إلا أن الأمر يختلف عندما تكون المقارنة بدولة شرق أوسطية، فالبنية التحتية العلمية في إيران والخبرة في إدارة المنشآت النووية وعمليات التخصيب بالغة التعقيد، والتخلص من النفايات المشعة والتعامل مع التسريب هي أضعف بكثير مما كان لدى السوفيات، الذين فشلوا عند الاختبار الأخطر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذه القدرات المحدودة لدى دولة مرهقة بالأزمات السياسية والاقتصادية، ومشكلات التنمية والتأخر في سباق التقدم الحضاري والصناعي، تطرح تساؤلاً حول ما يجب أن يخاف منه محيطها الذي يبدي قلقه المستمر من نجاح مشروع طهران النووي في وصول درجات التخصيب إلى مستوى يسمح لها بصنع قنبلة نووية، في وقت يفترض به أن يقلق أيضاً من فشل إيران في إدارة مشروعها النووي الذي يمكن أن يسبب كارثة نووية يتحوّل فيها إنسان الشرق الأوسط المثقل بالأزمات إلى إنسان مثقل بالإشعاعات السامّة.

أخطاء بوشهر

باعث المخاوف لا يقف عند مقارنة القدرات الإيرانية بأخرى أكثر كفاءة لم تسلم من الأخطاء القاتلة، بل يتجاوز ذلك إلى عدم مراعاتها لضوابط السلامة في تطوير محطتها، بحسب جهات دولية وعواصم إقليمية.

فبجوار محطة "نطنز" التي اكتسبت شهرتها من كثرة الحوادث التي وقعت فيها، تقف منشأة "بوشهر" التي طالتها تهمة التسريب أكثر من مرة لعوامل طبيعية لا تملك المحطة قدرة بنيوية عالية لحماية نفسها منها. ففي 2006، ضرب زلزال المدينة المطلة على الخليج العربي، قبالة السواحل السعودية الطويلة إضافة إلى الكويت والعراق، قالت تقارير إنه تم رصد مواد مشعة في مياه الخليج، إلا أن محمد باقر نبوي، مدير عام مكتب البيئة البحرية التابع للمنظمة الايرانية للحفاظ على البيئة، نفى علاقة بلاده بها.

وأضاف نبوي "بعض السفن الحربية التي تعمل بالوقود النووي هي المصدر الوحيد لتلوث مياه الخليج العربي بالإشعاعات النووية"، مؤكداً أن "محطة بوشهر تعمل تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي أيّدت بشكل كامل المحطة من ناحية رعاية المواصفات البيئية".

تلت هذه الحادثة أخرى مشابهة، بعد زلزال ضرب المدينة في 2013 بقوة 6.3 درجة، استدعى اجتماعاً لمجلس التعاون الخليجي قال عنه أمين المنظمة السابق عبد اللطيف الزياني، إنه "ضروري لوضع خطة مشتركة للتعاون في مواجهة أي تسرّب محتمل من المحطة النووية الإيرانية".

وعلى الرغم من وقوع المدينة التي تحتضن المنشأة الكبيرة في نطاق معرّض بشكل دائم إلى الزلازل، إلا أن هذا لم يمنع طهران من استمرار الاستثمار فيها، وهو ما يرفع القلق من كفاءة الدولة الشرق أوسطية ومدى التزامها المسؤوليات الضرورية لإدارة نشاط في قطاع الطاقة الخطير، على الأقل من وجهة نظر جيرانها، إذ حذّر الأمير عبدالله بن خالد، محافظ الرياض لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من أن إيران "هي الدولة الوحيدة التي لديها محطة طاقة نووية عاملة ولم تنضم حتى هذا التاريخ إلى اتفاقية الأمان النووي، وهو ما يدفعنا إلى الشعور بالقلق نتيجة غياب التقارير والمعلومات المتعلقة بأمان مفاعل بوشهر، والإجراءات الواجبة لمواجهة الطوارئ النووية فيه، بخاصة أن المنطقة المحيطة بمفاعل بوشهر تشهد زلازل بين وقت وآخر، الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث عواقب وخيمة، لن تسلم منها المنطقة بأكملها".

وأضاف "نية إيران بناء مفاعلها الثاني في موقع محطة بوشهر النووية مع عدم استكمال متطلبات الأمان والسلامة لمفاعل بوشهر الحالي، يؤكد عدم اهتمام طهران بجوانب الأمان"، مؤكداً أن "تداعيات حصول حادث نووي أو تسريب إشعاعي في مفاعل بوشهر الحالي يتجاوز تأثيره حدودها الوطنية ولا يؤثر في دول الجوار فحسب، بل في دول العالم على الأصعدة الإنسانية والبيئية والاقتصادية كافة".

على غرار "فوكوشيما"

وفي الحديث عن الإقليم، تدور أزمة في الإقليم الآسيوي بعد أن أبدت طوكيو نيّتها تصريف أكثر من مليون طن من مياه محطة "فوكوشيما" النووية في المحيط الهادي بعد معالجتها.

ويعود ذلك إلى نيّة اليابان إغلاق المحطة بعدما تأكد أن بقاء محطة نووية في منطقة عالية التعرّض للزلازل هو أمر بالغ الخطورة، بخاصة بعد التسونامي في مارس (آذار) 2011 الذي عطّل وحدات التبريد لتُضطر المنشأة إلى تنفيس الغازات في الهواء تجنّباً للانفجار.

هذه الحادثة دفعت السلطات إلى وضع خطة لتفكيك المنشأة، تبدأ بتصريف المياه التي كانت تستخدم لتبريد المفاعل، وعلى الرغم من تعهّد الدولة الآسيوية بمعالجة المياه من الإشعاعات إلى ما دون النسبة المسموح بها لتجنّب التلوث، إلا أنها سبّبت أزمة في محيطها خوفاً من ضرر قد يلحق بالمياه التي تتشاركها مع دول أخرى.

فاستدعت وزارة الشؤون الخارجية الصينية السفير الياباني في بكين، للتعبير عن رفضها للخطوة التي قالت إن من شأنها أن تضرّ بسلامة الحياة الفطرية وحركة الصيد، فيما هددت سيول بإحالة القضية إلى المحكمة الدولية.

هذا القلق الآسيوي من الخطوة اليابانية، نابع من إدراك الدول لمدى تعدّي الأضرار الإشعاعية على محيطها القومي، الأمر الذي يمكن أن تتعرّض له مياه الخليج والدول المشاطئة التي تعرف معنى التلوث البيئي، بعدما تسببت التسرّبات النفطية إبان حرب الخليج في تعطّل حركة الصيد وظهور بقع زيتية كبيرة في مياه الدول القريبة من الكويت، والتلوث الإشعاعي ليس تلوثاً نفطياً.

المزيد من تقارير