Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تلتقي "البؤر المشتعلة" نتيجة التوترات في تشاد؟

أصبحت منذ اشتراكها في محاربة الإرهاب قوة رئيسة في السياسات الأفريقية وقد اهتمت بأعمال ضبط التسلح الإقليمي

تتأثر تشاد بالوضع الإقليمي من جهة الشرق إذ تبعد مدينة الجنينة حوالى 28 كلم فقط من مدينة أدري على الحدود مع السودان (اندبندنت عربية - حسن حامد)

يستمر فرز الأصوات في الانتخابات التشادية التي رشح فيها حزب "حركة الإنقاذ الوطنية" الرئيس إدريس ديبي لولاية سادسة، بينما صاحبتها أحداث عنف بردّ الجيش على هجوم "جبهة المعارضة" التشادية المتمردة "التناوب والوفاق"، كما أُوقفت تظاهرات أحزاب المعارضة الداخلية التي تتمتع بهامشٍ من التحرك السياسي ولكنه محدود، إذ حملت شعارات تطالب بالعدالة الاجتماعية والتناوب السياسي وشعارات مناهضة للرئيس إدريس ديبي الذي تولّى السلطة عبر تمرد في عام 1990. ووفقاً للنتيجة المتوقعة بفوز ديبي في فترة رئاسية سادسة، سيكون بحاجة إلى دعمٍ دولي نظير اشتراك الجيش التشادي في الحرب على الحركات الإرهابية، ما يضع المجتمع الدولي أمام خيارين: إما هدفه الاستراتيجي في القضاء على الإرهاب بمساعدة ديبي، أو تجاهله، بالتالي تمكين المعارضة. وهذا الخيار الأخير قد يُبنى عليه عدد من السيناريوهات أكثرها ترجيحاً هو عودة الحرب إلى تشاد، وهذه المرة ستتداخل فيها الحركات المسلحة مع الإرهابية في عدد من البؤر المشتعلة في أفريقيا.

اهتزازات سياسية

تمرّ منطقة غرب أفريقيا ووسطها بظروف معقدة من الاضطرابات الداخلية يغذيها الإرهاب والعنف الإثني، ووسط هذه الظروف لم تصل هذه البلدان إلى حالة من الاستقرار السياسي والأمني، مما يعكس مخاطر الأمن القومي والاضطراب السياسي ويعيق التعامل معها. وتتركز الأنظار على دول الساحل الخمس التي تضم موريتانيا وبوركينا فاسو ومالي وتشاد والنيجر، من واقع مواجهتها للتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

ومع تنامي التداخلات الإقليمية بين دول هذه المجموعة التي تكوّنت عام 2014، إضافة إلى طبيعة الدول بعينها، نجد أن لدى كل منها فائضاً من عوامل عدم الاستقرار. أما تشاد، فإن ممارساتها الداخلية ترتبط بالمصالح والبيئة الدولية بدخولها في منظومة درء المخاطر، بما قدمته من مساهمة في الحرب على الإرهاب خارج حدودها، ولكن من ناحية أخرى تكمن نقاط الضعف في بنية الدولة السياسية في محاولات عدة لتداول السلطة عبر الانتخابات، ولكن في كل مرة تدخل السلطة في صراعٍ مع جبهات المعارضة.

في هذا الوقت، تشهد دول الإقليم اهتزازات سياسية ناتجة من أحداث انتفاضات الدول العربية التي شملت الجوار التشادي في ليبيا وغيرها وما تمخّض عنها من تغيير في عدد من الدول الأخرى، لم يفضِ إلى بسط الاستقرار. ولعل هذا ما دعا ديبي إلى تأجيل الانتخابات من قبل خوفاً من تنامي الصراع السياسي والانزلاق في واقع الإقليم، كما أرجأ الانتخابات التشريعية مرات عدة منذ 2015 إلى 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2021.  هناك أيضاً عوامل أخرى، من بينها أن تشاد على سعة مساحتها الجغرافية، إلا أنها دولة حبيسة لا تطل على بحر، كما تعاني من اختلالات في التوزيع السكاني وتداخلات عميقة مع دول الجوار. أورثت فترة حكم إدريس ديبي تشاد "تكلّساً دستورياً" بخدمته لهدف محدد هو حماية هيكل السلطة. وعلى الرغم من ذلك، فإن مؤسسة الحكم حافظت على قوتها بفضل قبضة ديبي القوية، إذ وضع عام 2018 دستوراً جديداً ألغى بموجبه منصب رئيس الوزراء وسمح له بالبقاء في السلطة حتى 2033.

معطيات استراتيجية

ظل تنظيم "القاعدة" يمثل خطراً على النظام السياسي في دول الساحل الخمس إلى حين بروز تنظيم "داعش"، فحدث تفاعل بين التنظيمين و"بوكو حرام"، ولا يزال يؤثر تفاعل الصراع المسلح لهذه التنظيمات في مستوى الدول الموجودة فيها، كما تمثل تهديداً لبقية الدول. ولهذا حظي ديبي بدعم المجتمع الدولي كحليف في مكافحة الإرهاب، كما يشارك الجيش التشادي في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتُعدّ تجربة دول الساحل نموذجاً مهماً في مجال التعاون الأمني الإقليمي، وتنبع هذه الأهمية من مواجهتها خطراً واحداً، على الرغم من أنها جابهت عدداً من الخلافات والمنازعات في ما بينها، ولا تزال هذه التحديات تختبر تماسكها. استطاعت تشاد تحقيق نجاح على مستوى المشاركة في محاربة الإرهاب وحماية الدولة، ما أتاح لها حفظ استقرار داخلي نسبي ومنع تسرب التنظيمات إلى داخلها، مقارنة ببقية دول الساحل التي لم تستطِع منع هذه التنظيمات، ما أفرز تدخلات القوى الإقليمية في شؤونها الداخلية. كما تحوّلت مجموعة هذه الدول إلى منطقة أمنية ينشط في ما بينها التعاون العسكري، ووفقاً لغرض محاربة الإرهاب، كانت تتفادى بل تحتوي النزاع في ما بينها وتكتفي كل دولة بمشكلاتها الداخلية.

وتعاني تشاد على وجه الخصوص من مزيج من المسائل مثل قضية المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية، والفوارق الإثنية. ومن ناحية أخرى، فإنه على الرغم من أن البعد الأمني ظل واضحاً في قمة أعمال هذه الدول معاً، إلا أنه في حالة تشاد لم يكن بارزاً لأن الصراع خارج أراضيها. وعلى الرغم من أن تشاد عاشت عزلة لمدة طويلة امتنعت فيها عن المشاركة الإقليمية، إلا أن بعد مواجهتها تهديدات زحف الجماعات الإرهابية عليها، شكلت حلفاً عسكرياً مع الدول الخمس لمنع تحويل المنطقة إلى بؤرة ملتهبة. كما أن إدارة جبهة المعارضة لنشاطها من ليبيا مكّنت ديبي من التكيف مع المعطيات الاستراتيجية الأمنية للبيئة الإقليمية.

تسلح إقليمي

أتاحت هذه التجربة لتشاد نفوذاً ومكانة سياسية غير مسبوقة في المنطقة وأصبحت منذ اشتراك قواتها في محاربة الإرهاب قوة رئيسة فى السياسات الأفريقية وقد اهتمت بصورة أخرى بأعمال ضبط التسلح الإقليمي. تحفظت المعارضة على هذا الإجراء بحجة الزجّ بالجيش التشادي في معارك خارج أراضيه، وأن على الحكومة تقليص إنفاقها العسكرى حتى تسهم في التنمية الداخلية، كما ظلت تروّج لاتهام ديبي بالاستيلاء على عائدات النفط التي تمثل 80 في المئة من الإيرادات الناتجة من الصادرات. ومن ثم يمكن القول إن جبهة المعارضة تحكم على هذا التعاون وتقيّده بأولويات التركيز على التنمية الداخلية، ووضع حدّ للتفاعل مع التحولات في البيئة الإقليمية، ما يدخل تشاد في حالة انكفاء أخرى. وطالبت بعدم التدخل في هذه النزاعات ما لم تنطوِ على المساس بصورة مباشرة بالمصالح التشادية، في الوقت الذي ترى الحكومة أن زحف هذه التنظيمات الإرهابية إلى داخل تشاد إذا لم يتم صدها خارجاً قد يؤدي إلى تمكينها من العمق التشادي، ما يعني اشتعال حرب أهلية جديدة في البلاد.

وهذا يعني بشكلٍ آخر أن تحالف ديبي مع دول الساحل في عملية محاربة الإرهاب يلعب دوراً في ضبط التوازن العسكري الإقليمي. وفي ظل هذه المعطيات، يطرأ توجّس من طول فترة حكم ديبي لما قد يتجاوز ثلاثة عقود، ما يعني أن ما يحققه من توازن استراتيجي إقليمي ينطوي في طياته على صراع داخلي على السلطة. وبهذا ستعمل المعارضة على عدم وضع اعتبار للاستراتيجية الأوروبية في المنطقة، التي تتمثل في ردع تهديدات الإرهاب والهجرة غير الشرعية إليها، ومنع نشوء تهديدات أخرى نتيجة لانتشار الأسلحة وتحرك مسألة المشاركة السياسية في الداخل. وكخطوة استباقية من ديبي لكسب المزيد في هذا الإطار، أو منع أي ضغوطٍ خارجية عليه، اعتمد المنهج التشادي على مجموعة من الاعتبارات التي ركزت على ضرورة تبنّي مبدأ تقاسم المسؤولية الأمنية، إذ لمح ديبي إلى أن الحرب التي يخوضها خارج أراضيه تثقله بالأعباء المالية.

تفلت أمني

ويمكن القول، في ضوء ذلك إن حالة التماسك الداخلي في تشاد تشهد خطراً أمنياً في الإقليم من جهة الشرق في دارفور، إذ تبعد مدينة الجنينة حوالى 28 كلم فقط من مدينة أدري على الحدود بين السودان وتشاد. ويشير هذا إلى احتمال نشوب أي حرب نسبة لافتقار هذه المنطقة إلى آلية أمنية جماعية فاعلة، خصوصاً السودان من جهة الغرب الذي وصمته مظاهر الاضطراب في دارفور.

ومن الممكن تحديد أبرز عناصر التسيّبات الأمنية المهدِّدة لتشاد والسودان في ثلاثة عوامل هي، أولاً: الفراغ الاستراتيجي كأحد النتائج الرئيسة عقب تحرك الجماعات المسلحة إلى الخرطوم والمدن الكبيرة، وفتح جبهة قتال في الفشقة على الحدود السودانية الإثيوبية. ثانياً، تكثيف أعمال دمج الحركات المسلحة مع الجيش، وترتبط هذه العملية التي تنتظر تفعيل بند الترتيبات الأمنية المنصوص عليه في اتفاق السلام الموقع بين الحكومة الانتقالية والحركات، بالعامل الاقتصادي. ثالثاً، إن دول الساحل وامتدادها في مجالها الحيوي إلى ليبيا والسودان، يجعلها تجابه تحديات أمنية متزايدة تتمثل في إضافة مزيد من احتمالات التوتر في المنطقة، بظهور أعمال إرهابية أخرى في ظل انشغال ليبيا باضطراباتها الداخلية وعجز السودان عن التواؤم مع هذه التحولات باحتواء الصراع في أطرافه المشتعلة. ومن ناحية أخرى، فإن الجيش السوداني ظل يتعامل خلال العقود الثلاثة الماضية مع مستوى واحد من التهديد وهو الحروب الداخلية، بينما سُخّرت الإمكانات العسكرية واللوجستية للقوات الأخرى مثل الأمن والشرطة لحماية النظام.

تسرب إلى دارفور

ومع تقدم قوات المعارضة التشادية في بلدة زواركيه بمنطقة تيبستي شمال غربي البلاد آتية من ليبيا، وإذ تدور المعارك بينها والجيش التشادي، فإنه في حال محاصرتها، لن تستطيع النكوص إلى الصحراء الليبية مرةً أخرى، لأن ذلك يعني هزيمتها. سيكون البديل للاحتماء في هذه الحالة هو التقدم إلى دارفور والاستفادة من حالة الفراغ الأمني والتوتر وتداخل المكونات الإثنية، ما يمكّنها بسهولة من الاندماج في الإقليم وإدارة تحركاتها من هناك، خصوصاً أن "جبهة المعارضة" خلقت علاقة قوية مع الحركات المسلحة السودانية في ليبيا.

وقبل أن يتم ذلك بصورة واضحة، فقد يفرخ عددٌ من الحركات المسلحة التي ادّعت انشقاقها من جماعات أخرى معروفة مثل "حركة تحرير السودان" جناح عبد الواحد محمد نور، و"حركة مني أركو مناوي" وغيرها، مطالبةً الحكومة الانتقالية في السودان بالجلوس والتفاوض معها لاقتسام السلطة والثروة.

وعليه، فإن تسلّل هذه الجماعات الإرهابية ونشوء حالة انتشار تسلح في ظل استمرار التوترات في الإقليم، إضافة إلى تسرّب قوات المعارضة إلى دارفور وإدارة معاركها مع ديبي والحكومة الانتقالية السودانية معاً، كلها عوامل قد تعيق أعمال التنسيق الأمني بين تشاد وبقية دول الساحل.

المزيد من تحلیل