Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تساؤلات حول الحشد العسكري الروسي على حدود أوكرانيا 

مخاوف متزايدة من احتمال تفاقم النزاع المحتدم بين البلدين على نحو كبير

جندي أوكراني يعمل على صيانة دبابته في منطقة لوغانسك، قرب خط المواجهة مع القوات الانفصالية المدعومة من روسيا (غيتي)

يبدو أن النزاع الذي دام نحو سبعة أعوام بين روسيا وأوكرانيا يعود إلى نقطة الغليان، مع انهيار محادثات السلام بين البلدين الجارين، وحشد الطرفين أسلحة ثقيلة، وتوثيق وقع انفجارات على طول خط التماس بينهما البالغ طوله 250 ميلاً (400 كيلومتر).

هذا التصعيد حصد حتى الآن حياة عشرات الأفراد. فعلى الجانب الأوكراني، قتل خلال السنة الجارية 27 شخصاً على الأقل، معظمهم من الجنود الشباب. أما عدد القتلى في المناطق التي تدعمها روسيا فهو إلى حد ما أكثر غموضاً وضبابية، لكن الوفاة المؤكدة لطفل يبلغ من العمر خمس سنوات في قرية قريبة من خط المواجهة، قد رفعت من حدة المخاطر وأدت على نحو مفهوم إلى تأجيج المشاعر.

المأساة كانت محط تركيز كبير لجنود الدعاية الروسية الذين يقومون بكم كبير من العمل في هذا المجال، فأطلقت وسائل إعلام حكومية مزاعم محلية غير مستندة إلى دليل، عن أن طائرة من دون طيار أوكرانية هي المسؤولة عن مقتل الطفل. وحذرت التغطية الإعلامية ذاتها من أن كييف كانت تحضر لهجوم "يحقق لها الانتصار" من أجل "معاقبة" منطقة دونباس التي طالما عانت في وقت كان يفترض بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن يعمل على معالجة "الفوضى السياسية الداخلية"، و"تراجع معدلات الاقتراع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أن الأمور تبدو من وجهة النظر الأوكرانية مختلفة. فقد وجه الرئيس زيلينسكي اتهامات لروسيا "باستعراض عضلاتها"، وبحشد قوة عسكرية على حدود بلاده، وبزيادة الدعم للقوات المناهضة لكييف في منطقة دونباس. ويتحدث المعلقون المحليون الأكثر حماسةً عن انطلاق خطط موسكو لغزو المنطقة، ربما تحت ذريعة "إنقاذ" سكان دونباس، الذين كان آلاف منهم قد حصلوا على جوازات سفر روسية في الأعوام الأخيرة.

لكن بوضع الأدلة تحت المجهر، فإن روسيا لم تحشد حتى الآن تلك النوعية من القوى المطلوبة لتحقيق السيناريو الأسوأ، المتمثل في غزو مناطق أوكرانية تقع ما بعد المواقع شديدة التحصين. إلا أن موسكو حشدت بالتأكيد ما يمكنها من الوسائل الكافية لإحداث أضرار جسيمة.

وعمد مدونون استقصائيون يعرفون باسم "فريق الاستقصاء عن النزاع" إلى تعقب الكثير من الحشود العسكرية، عبر استخدام لقطات تم التحقق منها على وسائل التواصل الاجتماعي.

رسلان ليفييف، رئيس هذا الفريق، يصف الوضع الميداني بأنه مقلق إلى حد كبير. ويعتبر أن الحشد الذي قامت به موسكو هو "بلا شك" الوجود العسكري الأكبر على الحدود الأوكرانية منذ المعارك الأولى في عامي 2014 و2015، على حد قوله، وهو يؤيد مزاعم القيادة العسكرية الأميركية التي قدرت وجود نحو 4 آلاف جندي روسي جديد على الأقل في المنطقة.

فريق ليفييف شرع في توثيق الحشود العسكرية على الحدود الغربية لروسيا ابتداءً من مطلع شهر فبراير (شباط)، مسجلاً توجه صفوف عسكرية طويلة وقطارات إلى منطقتي شرق أوكرانيا وشبه جزيرة القرم. وتظهر اللقطات التي تم التحقق منها، دبابات ووحدات مدفعية وقاذفات صواريخ وآليات ثقيلة أخرى تشق طريقها نحو المنطقتين من قطاعات بعيدة مثل سيبيريا.

حصل الباحثون على أدلة تؤكد وجود معسكر ميداني عسكري موقت بالقرب من الحدود مع أوكرانيا في منطقة فورونز (التي يوصف موقعها في الجزء الأوروبي من روسيا بأنه استراتيجي)، مع صور التقطتها أقمار اصطناعية تظهر وجود خيم ومستشفى ميداني ومطابخ. ويقول ليفييف: "إننا متأكدون من وجود أكثر من معسكر من هذا النوع في المنطقة".

لكن الجانب الأقل وضوحاً يتمثل في معرفة ما إذا كان هناك في الأفق هدف عسكري محدد يسعى الكرملين إلى تحقيقه، أو ما إذا كان يستخدم استعراض القوة وسيلة دعم لجهودها الدبلوماسية في أماكن أخرى. إلا أن التصعيد الميداني لم يأتِ في أي حال من فراغ سياسي، فقد حدث في وقت أبدى فيه رئيس أميركي، معاد لموسكو على ما يبدو، استعداده لفرض عقوبات جديدة تضر بها، وفي وقت توصف فيه علاقات روسيا مع أوكرانيا بأنها مروعة وشديدة التدهور.

روسيا لم تقو كثيراً على إخفاء غضبها من عناد كييف في شأن محادثات السلام، بحيث أصرت موسكو على تطبيق كامل لمندرجات "اتفاق مينسك" لعام 2015، الذي ينص على إضفاء الشرعية الأوكرانية على الأراضي التي مزقتها الحرب في إطار النظام السياسي لكييف، وذلك بعد وقف النار بين الطرفين، وسحب الأسلحة الثقيلة، وإصدار عفو متبادل، وعودة المراقبة الحدودية إلى سلطات أوكرانيا.

لكن هذا الاتفاق يعد إلى حد كبير مثيراً للجدل من وجهة نظر أوكرانيا، نظراً إلى أن تنفيذ بنوده الكاملة سيترجم بأن الأراضي التي تسيطر عليها روسيا فرضت تأثيراً قوياً ومانعاً على السياسة الداخلية للبلاد. وقد بذلت كييف جهوداً لتعديله.

في شهر فبراير تعرضت العلاقات الروسية الأوكرانية المتدهورة أساساً لانتكاسة أخرى عندما استهدف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالملاحقة شبكات التلفزة التابعة لفيكتور ميدفوتشيك، وهو أقرب أصدقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا. وتم بشكل مفاجئ وغير رسمي إلى حد كبير، إغلاق المحطات التلفزيونية لميدفوتشيك، التي كانت تتعرض بالنقد للرئيس زيلينسكي وللجيش الأوكراني. وما زاد في صب الزيت على النار، أن الرئيس زيلينسكي كثف دعواته العامة المطالبة بأن تصبح أوكرانيا عضواً في منظمة "حلف شمال الأطلسي" (ناتو).

واستناداً إلى قراءة الخبير السياسي الأوكراني فلاديمير فيسينكو للوضع، فإن أياً من ميدفوتشيك أو فلاديمير بوتين لم يتوقع مثل هذا التحول الجذري في سياسة كييف. وقال "لقد كان دافع زيلينسكي واضحاً بما فيه الكفاية: الحرب هي الحرب".

فلاديمير فرولوف الدبلوماسي الروسي السابق، رأى من جانبه أن الموقف العسكري لموسكو ربما يكون نابعاً بشكل مباشر من مفاعيل مثل هذه التوترات. فقد بدا وكأنه "محاولة لفرض تطبيق عملية مينسك" للسلام في أوكرانيا على حد تعبيره، بما يعني ردة فعل متشددة تسعى من خلالها موسكو إلى إجبار كييف وشركائها في الغرب على تنفيذ اتفاق مينسك بالشروط الروسية.

ويتخوف الخبير الروسي من مدى حجم هذه العملية الروسية الذي يبقى وحده رهناً بالرئيس بوتين، فيقول: "إن القوة ضخمة وثقيلة بما فيه الكفاية للقيام ببعض الأمور البشعة إذا لزم الأمر".

وتشير سلسلة من المشاورات رفيعة المستوى بين مسؤولين أميركيين وحكومة الرئيس زيلينسكي إلى أن أياً منهما لا يتعامل مع التهديد الروسي باستخفاف. وقد قام زيلينسكي بزيارة غير مقررة للمنطقة يوم الخميس الماضي.

إلا أنه يبدو في الوقت الراهن أن معظم سكان العاصمة الأوكرانية كييف يميلون إلى الاعتقاد أن التطورات الميدانية هي مجرد تصعيد صوري خادع. ويقول الخبير السياسي الأوكراني فيسينكو: "إننا ندرك أن الأمر يتعلق بالتعامل على قاعدة الابتزاز، بحيث يقوم كل جانب بإخافة الآخر".

"إن خوض مثل هذه الممارسات ينطوي طبعاً وعلى نحو دائم على مخاطر تشبه تماماً ما حصل في بداية الحرب العالمية الأولى".

© The Independent

المزيد من دوليات