Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا بعد فشل مباحثات "كينشاسا" في شأن سد النهضة؟

خيارات القاهرة الدبلوماسية تنحصر والأعين تترقب سيناريوهات "خطها الأحمر" والخرطوم تتمسك بتوسيع الوساطة وأديس أبابا ماضية نحو الملء الثاني للسد

تتفاوض مصر والسودان وإثيوبيا منذ العام 2011 للوصول إلى اتّفاق حول ملء وتشغيل سدّ النهضة (أ ف ب)

من دون اختراق يذكر، عادت الكرة إلى المربع الأول مجدداً في شأن "فشل" حلحلة الخلافات الجوهرية بين كل من إثيويبا ودولتي المصب مصر والسودان، حول سد النهضة المثير للجدل الذي تبنيه أديس أبابا على النيل الأزرق، على الرغم من ثلاثة أيام من المباحثات المباشرة والثنائية التي شهدتها العاصمة الكونغولية كينشاسا.

وعلى وقع تحذيرات وتلميحات تبادلتها كل من القاهرة والخرطوم وأديس أبابا قبل وأثناء جولة المباحثات الحالية، عقب إصرار إثيوبيا على المضي قدماً في عملية الملء الثاني للسد في موعده المقرر يوليو (تموز) المقبل، حتى من دون التوصل لاتفاق قانوني "ملزم وشامل" مع دولتي المصب، خاضت مصر والسودان مفاوضات اعتبرها وزير الخارجية المصري سامح شكري "الفرصة الأخيرة"، بهدف التوصل لاتفاق "عادل ومتوازن وملزم قانوناً" حول ملء وتشغيل سد النهضة بما يحقق المصالح المشتركة للدول الثلاث ويمنع مخاطر وأضرار هذا السد الضخم، إلا أنه ووفق مصادر مطلعة تحدثت لـ"اندبندنت عربية" لم "تسفر تلك الجولة عن تقدم يذكر"، ما يطرح أسئلة لدى المراقبين والمعنين في شأن مستقبل الأزمة في ظل تحذير الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قبل نحو أسبوع، من اختبار المساس بحصة بلاده من مياه النيل، والتعهد بأنه في حالة المساس بحصة مياه مصر من النهر "ستشهد المنطقة حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد".

لماذا تعثرت جولة "كينشاسا"؟

على مدار الأيام الثلاثة، ومنذ السبت، تبادل وفود كل من مصر وإثيوبيا والسودان، المباحثات الثنائية، ومع المبعوثين الأميركي والأوروبي، فضلاً مع مسؤولي الكونغو الديمقراطية، التي تتولى رعاية جولة المفاوضات الحالية باعتبارها الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي، بعد أن تعثرت المفاوضات التي كانت تقودها جنوب أفريقيا طيلة العام الماضي، وشهدت تنفيذ أديس أبابا للمرحلة الأولى لملء السد بقرار أحادي دون اتفاق مع مصر والسودان أو إبلاغهما بالأمر.

وبحسب مصادر مصرية مشاركة في الاجتماع تحدثت إلينا، "قدمت وفود البلدان الثلاثة رؤيتها فيما يتعلق بأزمة سد النهضة على مدار اليومين الأولين، ووجدنا أن إثيوبيا لم تقدم جديداً في شأن تهدئة مخاوف دولتي المصب فيما يتعلق بملء وتشغيل سد النهضة، ما زاد من احتمالات فشل المفاوضات حتى قبل أن تبدأ المحادثات المباشرة".

وانتهى أمس الاثنين الاجتماع الوزاري المغلق للوفود الثلاثة "من دون تحقيق أي تقدم" إثر اتساع هوة الخلافات بين الدول الثلاث، ما قاد إلى تعثر صدور بيان ختامي، وتمديد المباحثات لساعات إضافية.

وتابع أحد المصادر "أسفر الإصرار الإثيوبي على مواقفها المسبقة وعدم تعاطيها إيجابياً مع دعوات ورسائل كل من الكونغو أو المبعوثين الأميركي والأوروبي لتلافي تصاعد التوتر مع دولتي المصب إلى تأجيل الاجتماع الوزاري لوفود الدول الثلاث لأكثر من 20 ساعة بغرض المزيد من التشاور في شأن منهجية المباحثات".

بدوره، قال مصدر دبلوماسي سوداني بالقاهرة، إن المفاوضات "لم تحقق أي تقدم يذكر، واقتصرت جلسات الحوار على الاستماع لمواقف الدول الثلاث"، موضحاً أن "المفاوضات لا تزال تراوح مكانها"، مستبعداً حدوث اختراق يذكر في جولة المباحثات المباشرة بين الدول الثلاث التي استمرت حتى ساعات متأخرة من يوم الاثنين.

 

ويشارك في مباحثات الكونغو، كل من وزراء الخارجية والري للدول الثلاث فضلاً عن مبعوث أميركي وأوروبي. والأحد، قال وزير الخارجية المصري سامح شكري، إن بلاده "تعتبر هذه المفاوضات بمثابة فرصة أخيرة يجب أن تقتنصها الدول الثلاث من أجل التوصل لاتفاق على ملء وتشغيل سد النهضة خلال الأشهر المقبلة وقبل موسم الفيضان المقبل"، مضيفاً أن مصر "تفاوضت على مدار عشر سنوات بإرادة سياسية صادقة من أجل التوصل لاتفاق يحقق لإثيوبيا أهدافها التنموية، ويحفظ في الوقت ذاته حقوق ومصالح دولتي المصب"، على حد تعبيره.

من جانبه، ووفق تصريحات لوزير الري السوداني، ياسر عباس، نقلتها وكالة الأنباء السودانية "سونا" الأحد، فإن الملء الثاني لسد النهضة يجب أن يتم بعد الاتفاق مع مصر السودان، موضحاً أن الاتفاق ينبغي أن يشمل قواعد ملء وتشغيل السد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب عباس، فإن القاهرة تشدد على وضع منهج للمفاوضات بين الأطراف الثلاثة في المباحثات، التي تستضيفها كينشاسا عاصمة دولة الكونغو الديمقراطية، الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي. وتابع "ما زال السودان متمسكاً بالوساطة الرباعية، ممثلة في رئاسة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كوسطاء إضافيين"، مشيراً إلى أن "الكونغو الديمقراطية التي ترعى جولة المفاوضات هذه بصفتها رئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي لم تقترح بعد أي جديد لتحريك المفاوضات"، وأن إثيوبيا "رفعت السقف للمطالبة ببحث قسمة مياه النيل".

وبحسب المصادر المصرية كذلك "اقتصر الجدل الحالي في المفاوضات على تناول آلية التفاوض في المستقبل دون حسم الملفات الخلافية، ما يعني سعي أحد الأطراف لإطالة أمد التفاوض"، موضحاً "تمسك السودان بإدخال وساطة رباعية كمنهجية لمراحل التفاوض القادمة، فيما أصرت إثيوبيا على رفض هذه المقترح والاكتفاء بوساطة الاتحاد الأفريقي".

وكان رئيس الكونغو الديمقراطية، فيليكس تشيسيكيدي، قد أعرب قبيل انطلاق المباحثات، عن أمله في بدء صفحة جديدة بين الدول الثلاث، معتبراً أن اجتماع كينشاسا "يهدف إلى إطلاق دينامكية جديدة"، ودعا إلى "انطلاقة جديدة وإلى فتح نوافذ أمل عدة وانتهاز كل الفرص وإضاءة شعلة الأمل مجدداً"، مرحباً بعزم المشاركين على "البحث معاً عن حلول أفريقية لمشاكل القارة".

وعقدت جولة مباحثات كينشاسا بعد نحو شهر من دعوة كل من الخرطوم والقاهرة جمهورية الكونغو الديمقراطية لقيادة الجهود لاستئناف المفاوضات في شأن أزمة السد، وذلك بالتوازي مع تأييد مصر لمقترح سوادني باستئناف المفاوضات بين الدول الثلاث بمشاركة رباعية دولية (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى جانب الاتحاد الأفريقي) كوسطاء لإنجاز اتفاق السد، غير أن إثيوبيا عبرت حينها عن رفضها لهذا المقترح، واعتبرت أن الاتحاد الأفريقي كافٍ لرعاية المفاوضات.

والأيام الأخيرة، ارتفع منسوب التوتر بين القاهرة وأديس أبابا، على وقع إصرار الأخيرة على الملء الثاني لخزان السد في موسم الفيضان المقبل الذي يبدأ في يوليو، سواء اتفقت مع دولتي المصب أم لا.

فمن جانبه حذر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الثلاثاء الماضي، من المساس بحصة مصر من مياه النيل. وقال في تعليق على تطورات مفاوضات سد النهضة الإثيوبي "نحن لا نهدد أحداً، ولكن لا يستطيع أحد أخذ نقطة مياه من مصر، وإلا ستشهد المنطقة حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد"، معتبراً أن القيام بملء السد من دون اتفاق ملزم قانونياً سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي على نحو لا يمكن تخيله.

 

وبعد يومين من تصريحات الرئيس المصري، أعلن عن تنفيذ تدريب مشترك بين القوات الجوية المصرية والسودانية في قاعدة مروى الجوية تحت اسم "نسور النيل 2"، وأمس الاثنين، شهد رئيسا أركان القوات المسلحة المصري والسوداني، الفريق محمد فريد، والفريق أول ركن محمد عثمان الحسين، ختام فعاليات تلك التدريبات المشتركة التي شاركت فيها عناصر من القوات الجوية والقوات الخاصة لكلا البلدين.

في المقابل، تضاربت الرسائل الإثيوبية، ففي الوقت الذي أعلن فيه سفيرها بالقاهرة غداة تصريحات السيسي، أن بلاده وافقت على مطلب دولتي المصب بتمديد فترة ملء خزان السد ليصل حتى 7 سنوات، بدلاً من 3 سنوات، حيث الرغبة الإثيويبة، مؤكداً رفض أديس أبابا الإضرار بأي من مصالح مصر والسودان.

من جانبها، أكدت الرئيسة الإثيوبية سهلورق زودي، السبت، أن بلادها تجري الاستعدادات للمضي قدماً في المرحلة الثانية من ملء سد النهضة الإثيوبي، معتبرة أن "أديس أبابا حرمت من الحق في تطوير مشاريع في نهر النيل، التي تنطوي على إمكانات كبيرة لثروتها الوطنية، بسبب التحديات الداخلية والخارجية"، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية، كما اعتبرت أن تنمية النيل الأزرق قضية وجود وسيادة، مؤكدة أن "بلادها لم تستغل النيل الأزرق اقتصادياً لسنوات عديدة، بسبب القدرات المحدودة والظروف الإقليمية والدولية".

ماذا بعد؟

ويتساءل المراقبون في شأن الخطوات المستقبلية التي قد يشهدها المسار التفاوضي بين البلدان الثلاثة واحتمال خروج الأمور من مساراتها السياسية والدبلوماسية مع اقتراب الملء الثاني لخزان السد وفق ما تعلنه أديس أبابا.

وفي حين اكتفى مصدر عسكري مصري في حديثه إلينا، بأن أي خيار عسكري يبقي خاضعاً للتقديرات السياسية للقيادة المصرية حال تعرض الأمن المائي للبلاد إلى الخطر، دون الإشارة إلى ما إذا كان هذا السيناريو مطروحاً من عدمه، اعتبر مصدر دبلوماسي، أنه وعلى الرغم "تقدير القاهرة لاحتمالات فشل جولة مباحثات كينشاسا حتى قبل الدخول إليها بسبب الموقف الإثيوبي، فإن القاهرة قد تسرع من خطواتها الدبلوماسية والسياسية خلال الأسابيع والأيام المقبلة، عبر نقل الملف لكل من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة وغيرها من المنظمات والمؤسسات الدولية لإيضاح وجهة النظر المصرية ومدى المخاطر التي قد يتعرض لها أمنها المائي حال تفرد إثيوبيا بقراراتها الأحادية فيما يتعلق بالسد".

وتابع المصدر ذاته "حتى اللحظة تتمسك القاهرة بالتسوية السياسية والدبلوماسية للأزمة لحل النزاع، لكن يبقى عامل الوقت عنصراً مهماً في تحديد مصر لخياراتها لمواجهة التداعيات الضخمة التي قد تنتج عن القرارات الأحادية لإثيوبيا"، موضحاً أن "مصر لن تقبل سياسة فرض الأمر الواقع عليها".

ومنذ عام 2011، تتفاوض مصر والسودان وإثيوبيا للوصول إلى اتفاق حول ملء سد النهضة الذي تبنيه أديس أبابا وتخشى القاهرة والخرطوم من آثاره عليهما. وعلى الرغم مرور هذه السنوات أخفقت البلدان الثلاثة في الوصول إلى اتفاق. ويمثل نهر النيل شريان حياة يوفر الماء والكهرباء للدول العشر التي يعبرها.

 

وتخشى مصر أن يؤثر السد الإثيوبي في حصتها من مياه النيل البالغة 55 ونصف المليار متر مكعب سنوياً، وهو ما تنفيه إثيوبيا وتقول إنها تهدف لتوليد الطاقة وليس حجز المياه، فيما تتخوف السودان من معايير أمان السد الذي قد يتسبب انهياره، إذا ما حدث، في غرق مساحات شاسعة من البلاد وتضرر الملايين.

وعلى الرغم من حض مصر والسودان إثيوبيا على تأجيل خططها لملء خزان السد حتى التوصل إلى اتفاق شامل، أعلنت أديس أبابا في 21 يوليو 2020 أنها أنجزت المرحلة الأولى من ملء الخزان البالغة سعته 4.9 مليار متر مكعب، والتي تسمح باختبار أول مضختين في السد. كما أكدت عزمها على تنفيذ المرحلة الثانية من ملء بحيرة السد في يوليو المقبل.

من جانبه، ووفق وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق، محمد نصر علام، "يمكن القول وباختصار شديد إنه إذا تم الملء الثاني لسد النهضة وفق ما تعلنه أديس أبابا دون التوصل لاتفاق، فهذا معناه التعدي على الخط الأحمر الذي أعلنته القيادة السياسية"، موضحاً في حديثة إلينا، "حينها بالتأكيد ستتبدل الآليات للتعاطي مع الأزمة".

هل من اختراق مرتقب؟

وفق مراقبين ومعنيين بملف سد النهضة، تحدثوا إلينا، لم تعول الأوساط المصرية والسودانية على إمكانية تحقيق اختراق في جولة المفاوضات الحالية التي ترعاها الكونغو الديمقراطية، معتبرين أن القاهرة والخرطوم تخوضان المباحثات وهما يدركان أن "إثيوبيا تسعى لإطالة أمد التفاوض حتى الرمق الأخير".

وبحسب رأي السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، فإن الأطراف الثلاثة دخلت جولة "محادثات الكونغو" بـ"قليل من التفاؤل وكثير من الحذر"، مستبعداً إمكانية حدوث "اختراق" في الملفات الخلافية الرئيسة بين الدول الثلاث.

في الاتجاه ذاته، يعتبر الباحث السوداني، القذافي منهل جمعة، أن ما يحدث من تفاوض قد يكون "الشوط الأخير من مفاوضات ماراثونية في شأن السد متواصلة منذ عقد من الزمان"، مرجحاً أن تشهد الأزمة تطورات تتجاوز السياسة والدبلوماسية حال مضي أديس أبابا في الإصرار على ملء السد حتى دون التوصل لاتفاق مع دولتي المصب".

ويتمحور الخلاف بين مصر وإثيوبيا حول فترة ملء وكيفية تشغيل سد النهضة الذي أقامته الأخيرة على نهر النيل. وتطالب الأولى بأن تمتد فترة ملء السد إلى 10 سنوات مع الأخذ في الاعتبار سنوات الجفاف، بينما تتمسك إثيوبيا بأربع إلى سبع سنوات بدلاً من سنتين إلى ثلاث، حسب مصادر حكومية إثيوبية.

وكانت القاهرة قد تقدمت بمقترح قالت إنه يهدف إلى تجنب الجفاف ويقضي بألا تبدأ إثيوبيا بملء السد دون موافقة مصر، وهو ما رفضته أديس أبابا.

وبقليل من التفاؤل وكثير من الحذر، يقول ضياء القوصي، مستشار وزير الري المصري الأسبق، "عدم الوصول لاتفاق ملزم وقانوني في أسرع وقت يفتح الأبواب أمام كافة الاحتمالات، لا سيما أن إثيبويا تسعى في تنصلها من الوصول لاتفاق للتحلل من أي التزامات قد تقيدها في عملية بناء سدود أخرى غير سد النهضة، انطلاقاً من التأكيد على روايتها بأن المياه هي مياه إثيوبية خالصة ومورد أصيل يحق لها أن تستغله كما تشاء"، متابعاً، "بانتهاء جولة كينشاسا نكون قد استنفدنا كافة الوسائل الممكنة لحل المشكلة عبر المسارات السياسية والدبلوماسية، ومع اقتراب الملء الثاني للسد يكون لكل حادث حديث".

المزيد من تقارير