Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العراق ولبنان يتفقان على تبادل النفط مقابل العلاج

تبادل الخدمات الطبية والنفطية المنفذ الاقتصادي الجديد نظراً لعدم تدفق الأموال

يعيش لبنان أزمة سياسية واقتصادية سببت صعوبات في التزود بالطاقة (أ ف ب)

جاء نبأ الهجرة الجماعية للطاقم الطبي اللبناني إلى العراق أخيراً، ليزيد الأمور تعقيداً في بلد يرزح تحت وطأة الأزمات المتشعبة، خصوصاً مع فقدان أهم الثروات الطبيعية وهي الثروة البشرية جوهر تطور البلد واستمراره.

توقيع اتفاقية ما بين لبنان والعراق لتوفير النفط مقابل تقديم الخدمات الطبية أثارت التساؤلات بسبب الغموض الذي يحيط بتفاصيل الصفقة. فكيف ستترجم هذه الاتفاقية على أرض الواقع في بلاد ينتشر فيها الفساد الإداري وطبيعة النظام القائم على المحاصصة؟ وهل هذه الاتفاقية ستشرع الأبواب لسياسات مماثلة في ظل فقدان السيولة من العملة الصعبة وتحديداً الدولار الأميركي في لبنان والعراق على حد سواء؟

استعراض الاتفاقية 

في حديث خاص لـ"اندبندنت عربية" يوضح مستشار وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال الدكتور محمد حيدر أن "بنود الاتفاقية لا تزال قيد التباحث، لكنها تكملة لعمل بدأ في سبتمبر (أيلول) 2019، التي تنص على عقد اتفاقية بين البلدين لتزويد العراق بالأدوية الجديدة وفي المقابل يستفيد لبنان من النفط"، وقال حيدر، "العراقيون يعانون من نقص في الخدمات الطبية كما أن هناك جزء كبير من الشعب العراقي لا يزال يتطبب على حساب وزارة الصحة". 

وإذ يعتبر أن "هذه الاتفاقية ستحد من هجرة الأطباء اللبنانيين وستعمل على تنظيم عملهم من خلال إرسالهم بشكل مرحلي لتقديم خدماتهم ومن ثم العودة إلى لبنان"، يشير إلى أنه "يتم العمل على السياحة الطبية وهي واحدة من الخدمات التي سنستمر بتقديمها، خصوصاً أنها تدر دخلاً إضافياً لخزينة الدولة كما أنها تسهم بتعزيز الثقة بين اللبنانيين والبلدان المجاورة".

وعن موعد البدء بتنفيذ بنود الاتفاقية وترجمتها على أرض الواقع، يقول، "بعدما أقر مجلس النواب اللبناني منذ أسبوعين قانون الاتفاقية لتفعيل تبادل الخبرات بين البلدين، وبعد زيارة الوفد العراقي، بانتظار رد زيارة رئيس مجلس الوزراء في حكومة تصريف الأعمال حسان دياب ووزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال حمد حسن لاستكمال المباحثات في النقاط وآلية التنفيذ".

لماذا النفط وليس المال؟

 في حين يعاني لبنان من نقص حاد في السيولة وتحديداً ضخ الأموال بالعملة الصعبة التي تعتمد بشكل أساس على تحويلات اللبنانيين في الخارج، إضافة إلى تراجع الدول المانحة عن تقديم المساعدات جراء تقاعس الدولة في تنفيذ الإصلاحات، أصبحت الاتفاقيات الخدماتية قادرة على تأمين منفذ استراتيجي جديد لتحريك العجلة الاقتصادية في ظل الشلل السياسي.

وعن سبب الاتفاق على النفط بدلاً من ضخ العملة الصعبة في الداخل اللبناني، خصوصاً أن الإيرادات المتحققة من مبيعات النفط الخام بلغت خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، بحسب الشركة الوطنية العراقية لتسويق النفط، 4 مليارات و739 مليوناً و82 ألف دولار أميركي، يقول حيدر، "الدولة أعطت صلاحية للشركات الخاصة لتأمين النفط وإدارة الأمور المتعلقة بالسيولة. سيستفيد لبنان من الفارق بالعملة خلال عملية شراء النفط بأسعار مدروسة وأرخص مما يتم تداوله عالمياً، كما أنه من المخطط إعادة تفعيل مصفاتي تكرير النفط في طرابلس في الشمال والزهراني في الجنوب". وعن تحديد نوع النفط يشير إلى أنه "ما زلنا في إطار التباحث عما سيكون نوع النفط، سواء كان الخام لتفعيل معامل التكرير، أو النفط المكرر والجاهز للاستعمال كالفيول والمازوت والبنزين". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جهة ثانية، يشرح أستاذ العلاقات الدولية العراقي المقيم في واشنطن هيثم الهيتي، أن عدم الاتفاق على ضخ الأموال إلى الداخل اللبناني بشكل مباشر يعود إلى أن "عملية تدفق السيولة في العملة الصعبة مراقب بشكل أوسع من الجوانب الأميركية"، متخوفاً من "أن تكون هذه إحدى الصفقات التي تديرها جهات سياسية معينة لتمرير الأموال داخل لبنان والعراق دعماً للأجندات الخارجية"، محذراً من "مخاطرها في حال كان الهدف التلاعب على وزارة الخزانة الأميركية لتهريب النفط وبيعه بطرق ملتوية من أجل غسيل الأموال". 

وعلى الرغم من الإيرادات المتحققة من مبيعات النفط الخام، إلا أن الخبير الاقتصادي العراقي صالح الهماش يوضح أن "العراق يعاني من أزمة مالية، إذ يبلغ عجز الموازنة 20 مليار دولار أميركي سنوياً"، معتبراً في الوقت نفسه أن "تزويد لبنان بالنفط وليس بالسيولة هو أفضل بالنسبة إلى الجانب اللبناني، على اعتبار أنه سيكون أرخص من السعر العالمي، بالتالي يستفيد نقدياً من الفرق في السعر، وفي المقابل يستفيد العراق من تصريف إنتاجه من النفط". 

سوء الإدارة ونظام المحاصصة 

بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس (آب)، تدفقت المساعدات الطبية والغذائية إلى لبنان. وكان العراق من الدول التي أرسلت 7000 طن من الطحين، إلا أن اللبنانيين لم يستفيدوا من هذه الهبة بعدما كشفت بلدية الغبيري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 عن تلف آلاف الأطنان جراء تخزينها بشكل سيء. وفقد اللبنانيون فرصتهم في الاستفادة من الهبة بسبب الإهمال وسوء الإدارة، ما يزيد القلق والحيرة حول نجاح تنفيذ اتفاقية النفط مقابل العلاج. 

وفي هذا السياق، يرى الهماش، أن "الصفة المشتركة بين لبنان والعراق هي الفساد المستشري في الأنظمة السياسية والإدارية"، معتبراً أن "هذه المسألة تؤثر بشكل سلبي على عدم وصول المساعدات بشكل عادل"، محذراً من "تكرار التجربة مرة أخرى"، مناشداً المسؤولين اللبنانيين بـ"العمل على تقنين الفساد، لأن الوضع وصل إلى مرحلة صعبة جداً"، ومؤكداً أن "الاتفاقية ما بين البلدين هي فرصة ذهبية باتجاه تحسين الأداء المالي والاقتصادي".

التداعيات الاقتصادية والسياسية 

لهذه الدول مشتركات جغرافية واقتصادية، فهي تمثل منطقة الهلال الخصيب المطلة على البحر المتوسط، ما يعني أن العراق دولة مختنقة جغرافياً، ولكن بحسب الهيتي "سوريا ولبنان يشكلان رئة تنفسية للعراق". ويقول، "من الناحية الجيوسياسية، العراق ولبنان وسوريا بحاجة إلى تعاون اقتصادي منذ عقود طويلة. أما من الناحية الاقتصادية، العراق يعاني من خراب عام في كل مؤسساته وتحديداً الصحية وكذلك الوضع الاقتصادي والنقدي في لبنان على شفير الانهيار". 

أما بالنسبة إلى تزويد لبنان بالنفط العراقي، يعتبر الهيتي أنه "سيعطي دعماً وزخماً للاقتصاد الوطني. في المقابل، يستفيد العراقيون من الخبرات الطبية من أجل تحسين الإدارة الاستشفائية وتطويرها لتعزيز الوضع الصحي في العراق، خصوصاً أن هناك عدداً كبيراً من العراقيين الذين يسافرون إلى لبنان لتلقي العلاج". 

أما بالنسبة إلى الجانب السياسي، ستكون مفاعيل هذا الاتفاق كلها "بلا قيمة وفارغة من مضامينها وفوائدها في ظل وجود المنظومة السياسية ذاتها وجهات ميليشياوية تعمل على خدمة أجندات خارجية".