Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التوحد... مرض الغموض والاختلاف "يتوحد" باللون الأزرق

تتردد أسماء شخصيات متفردة عالمياً في فضاء المرض رغم عدم وجود ما يثبت صحة التشخيص لديهم

مرض يصيب الملايين يعيق النمو مدى الحياة ما زال يكتنفه غموض وحيرة وعدم معرفة (غيتي)

أن تعيش أو تعايش شخصاً يعاني اضطرابات معقدة في نمو الدماغ صعب. والأصعب منه ألا تجد ما، أو من يعينك، أو تواجه مجتمعاً غير متفهم أو يكتفي بنظرات الشفقة وربما تلميحات اللوم، أو تعرف أن مصيرك، أو مصير من تحب بلا مستقبل.

اضطرابات طيف التوحد أو التوحد أو الذاتوية ما زالت على رغم كل جهود الكشف والتوعية على مدار سنوات مكمن قلق وسبب توتر ومدعاة للهلع وربما الحرج. لكن يضاف إليها هذا العام بعداً بالغ الأهمية، ألا وهو مستقبل العمل للمصابين بالتوحد.

الأعداد الفعلية للمصابين بالتوحد في العالم ليست دقيقة، نظراً لعدم الإبلاغ بالضرورة، إضافة إلى أن البعض من الأهل لا يدرك أن طفله يعاني مشكلة ما. منظمة الصحة العالمية تقول إن التقديرات تشير إلى أن طفلاً واحداً من بين كل 160 طفلاً يصاب باضطرابات طيف التوحد. وهي تقديرات مستشفة من عدد الحالات في المتوسط لكنها شديدة التباين. ويُرجَح أن تكون الأعداد الفعلية أعلى من ذلك بكثير.

تأخر وشقاوة

كثيراً ما يعتقد الأهل أن الصغير أو الصغيرة يعاني تأخراً دراسياً أو أن معدل "الشقاوة" وكثرة الحركة مرتفع أو أنه قليل الكلام بسبب الخجل. لكن أحياناً يكون ما سبق سببه الإصابة باضطرابات التوحد، وهي مجموعة معقدة من الاضطرابات في نمو الدماغ حيث يواجه الفرد صعوبات في التفاعل مع المجتمع والتواصل معه، إضافة إلى محدودية وتكرار مخزون الاهتمامات والأنشطة التي يقوم بها.

في اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد يتذكر العالم أن مرضاً يصيب ملايين بغض النظر عن الجنس أو العرق أو المكانة الاجتماعية ويعيق النمو مدى الحياة، ما زال يكتنفه غموض وحيرة وعدم معرفة ومعاناة جمة.

قصص متسللة

أحداث كثيرة وتطورات لا حصر لها جرت منذ قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل 13 عاماً أن يكون يوم الثاني من أبريل (نيسان) من كل عام يوماً للتوعية بالتوحد. حدث الكثير منذ أعلنت الأمم المتحدة في عام 2007 عن "بالغ القلق إزاء انتشار مرض التوحد وارتفاع معدلات الإصابة به لدى الأطفال في جميع مناطق العالم، وما يترتب على ذلك من تحديات إنمائية على المدى الطويل لبرامج الرعاية الصحية والتعليم والتدريب والتدخل التي تقوم بها الحكومات والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص، ومن أثر هائل في الأطفال وأسرهم وعلى المجتمعات المحلية"، لا سيما العربية، التي نادراً ما تتسلل أخبار أو تقارير أو تغطيات خاصة بالتوحد ومصابيه وأسرهم والجهود التي تبذل من أجلهم. لكن القليل المتسرب يعني الكثير. في العام الماضي، انتشرت صور المصرية نجاة عبد الرحمن وهي تبكي بعد إعلان نتائج امتحان الثانوية العامة. فابنها المصاب بالتوحد حصل على مجموع 98 في المئة، وعلى رغم ذلك لم يتمكن من الالتحاق بكلية الفنون الجميلة وهي حلم حياته، لا سيما أنه فنان بشهادة الجميع وله العديد من المعارض التي أقيمت تحت رعاية وزارة الثقافة. لكن عميد الكلية "أشفق عليه من صعوبة المناهج".

وفي عام 2019، انتشرت فيديوهات بثتها اللبنانية فاتن مرعشلي على منصات التواصل الاجتماعي لابنها المصاب بالتوحد وهو يمارس العديد من الأنشطة ومعها مئات الصور لأفراد الأسرة يحتفون بالابن. وهي لا تقول عنه إلا، "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

وقبل عام بالتمام والكمال، عرف المصريون أماً أقامت في مستشفى كفر الدوار العام المخصص للحجر الصحي مع ابنها المصاب بالتوحد والبالغ من العمر أربعة أعوام بعدما أصيب بفيروس "كوفيد-19". أقامت معه وارتدت ملابس الأطقم الطبية وتناولت العقاقير التي يتناولونها في محاولة لتقليل احتمالات التقاطهم العدوى. إقامة طفل صغير مصاب بالتوحد ومعزول في مستشفى عام وحده كان أقرب ما يكون إلى المستحيل، لكن الأم حولت المستحيل إلى واقع معاش طيلة أسابيع العزل.

إلهام واهتمام

القصص الملهمة التي تتسلل إلى الفضاء العام قليلة. والاهتمام الذي تلقاه من المتلقي أقل. والعناية التي يتمنى أهل المصابين بالتوحد أن تتلقاها فلذات أكبادهم المصابين بالتوحد شحيحة. ولأن درجات التوحد كثيرة ومختلفة، فإن كثيرين يعيشون ويرحلون من دون أن يعلموا أن مصاباً يعيش بينهم.

وبين أبرز اعتلالات التوحد، بحسب منظمة الصحة العالمية، ضعف السلوك الاجتماعي والتواصل والمهارات اللغوية وضيق نطاق أوجه الاهتمام والأنشطة التي ينفرد بها الشخص مع اتسامها بالتكرار.

وتظهر هذه الاضطرابات في مرحلة الطفولة وغالباً تستمر في فترة المراهقة وسن البلوغ. وفي معظم الحالات تظهر الاعتلالات في أول خمس سنوات من العمر. ويكون مستوى الأداء الذهني متفاوتاً للغاية ويتراوح بين حالة الاختلال الشديد والمهارات المعرفية العليا. وغالباً يعاني الأشخاص المصابون باضطرابات طيف التوحد اعتلالات أخرى مصاحبة مثل الصرع والاكتئاب والقلق واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط.

معلومات غير كاملة

النشاط البحثي في مجال مرض التوحد لم يكتمل بعد على رغم كثافته. البينات العلمية المتاحة تشير إلى عدد من العوامل يرجح أن تزيد احتمالات إصابة الطفل بالتوحد، وتشمل عوامل بيئية ووراثية. وعلى الرغم من الانتشار الكبير لاعتقاد يربط بين نوعيات بعينها من لقاحات الطفولة والإصابة بالتوحد، فإن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن البيانات الوبائية المتاحة لا تدل بشكل حاسم على عدم وجود علاقة سببية بين اللقاح المضاد للحصبة والنكاف والحصبة الألمانية واضطرابات طيف التوحد، مشيرة إلى أن الدراسات السابقة التي توحي بوجود تلك العلاقة "تشوبها شوائب منهجية فادحة".

في الوقت نفسه، فإن دراسة علمية أُعلنت نتائجها في عام 2019 وأجريت على أشخاص من خمس دول مختلفة إلى ترجيح كفة الأسباب الجينية أكثر من العوامل البيئية كأسلوب الحياة وسمات المجتمع ومجرات فترة الحمل. الدراسة التي أجراها "معهد كارولينسكا" في استوكهولم على مواليد بين عامي 1998 و2007 في الدنمارك وفنلندا والسويد وإسرائيل وأستراليا، أشارت إلى أن بعض السمات غير الموروثة وتصرفات وأساليب الأمهات قد يكون لها دور في الإصابة بالتوحد. نتائج الدراسة تعني أن هناك حاجة ماسة لإجراء المزيد من البحوث والفحوص الجينية في هذا الشأن لعلها تساعد في مزيد من الفهم للمخاطر الجينية والقدرة على التنبؤ بالمخاطر.

الجائحة والتوحد

لكن المخاطر التي تحيط بالعالم اليوم بينما يحتفي باليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد تدفع الجميع لدائرة جائحة "كوفيد-19". هذا العام، وبحسب منظمة الأمم المتحدة، تسلط الجائحة الضوء على تفاوتات صارخة في جميع أنحاء العالم، لا سيما في ما يتصل بتوزيع الدخل والثروة، والحصول على الرعاية الصحية، والحماية بموجب القانون، والإدماج السياسي. ولطالما واجه المصابون بالتوحد هذه التفاوتات، لكن الجائحة فاقمت من سوء أوضاعهم وأسرهم. تفاقمت مشكلاتهم بسبب ممارسات التوظيف التمييزية المعترف بها منذ فترة طويلة، وبيئات العمل التي تمثل عقبات رئيسة أمام المصابين بالتوحد، وهو ما يؤدي إلى مزيد من البطالة بين صفوفهم ونقص ساعات العمل المتاحة لغالبية كبيرة من البالغين المصابين بالتوحد.

ازدهار الناس والكوكب

أهداف التنمية المستدامة الـ17 المعتمدة في عام 2015  تتضمن استراتيجيات للحد من أوجه التفاوت التي تعيق ازدهار الناس والكوكب. ويتمثل أحد مقاصد الهدف الثامن المتصل بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي في تعزيز العمالة الكاملة والمنتجة والعمل اللائق للجميع، بمن فيهم الأشخاص ذوي الإعاقة. ويشار إلى أن المادة 27 من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تعترف بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل على قدم المساواة مع الآخرين مع ضرورة وجود بيئة عمل مفتوحة وشاملة ومتاحة للأشخاص لهم.

ويشار إلى أن عدداً من أصحاب الأعمال دشنوا في الآونة الأخيرة برامج توظيف شاملة تستوعب الأشخاص الذين يعانون من التوحد أو حالات شبيهة مثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه والوسواس القهري وغيرها. لكن مطلوب المزيد.

جهود الشركات

أزمة "كوفيد-19" أثرت سلباً في جهود الشركات لتطبيق هذه النماذج الجديدة، في وقت يمر الاقتصاد العالمي بأسوأ ركود اقتصادي منذ "الكساد العظيم" مع فقدان مئات الملايين من الوظائف. (الكساد العظيم بدأ في عام 1929 واستمر نحو عقد كامل وبلغت خسائر الولايات المتحدة الأميركية وحدها أكثر من 30 بليون دولار أميركي).

وعلى جانب أكثر تفاؤلاً، أتاحت طرق العمل في زمن الجائحة بما في ذلك العمل عن بعد واستخدام التقنيات الجديدة فرصاً للموظفين المصابين بالتوحد، لا سيما الذين واجهوا سابقاً صعوبات في التطور في بيئات أماكن العمل التقليدية.

احتفالية اليوم التي تقيمها إدارتا "الأمم المتحدة للتواصل العالمي" و"الأمم المتحدة للشؤون الاجتماعية والاقتصادية" بالتعاون مع "صندوق سبشيليستيرن" على قضايا فرص وبيئات عمل المصابين بالتوحد وتحديات ما بعد "كوفيد-19".

يشار إلى أن مهمة "صندوق سبشياليستيرن" هي تقديم الاستفادة من المعرفة المكتسبة من توظيف الأشخاص المصابين بالتوحد لدعم إيجاد فرص عمل هادفة ومرضية لمليون شخص في عالم يتيح تكافؤ الفرص للجميع في سوق العمل.

الأرقام والجهود شحيحة

عربياً يبدو وضع التوحد مختلفاً. مبدئياً، الأرقام شحيحة والجهود أكثر شحاً. ورقة بحثية عنوانها "معالجة اضطرابات التوحد في الوطن العربي" منشورة في دورية "نيتشر ميدل إيست"، تشير إلى أن الأطفال المصابين بالتوحد في الدول المتقدمة غالباً يتم إدراجهم في المعاهد الدراسية العادية مع توفير رعاية إضافية لهم أو يتم إلحاقهم بمؤسسات تعليمية مخصصة لهم. لكن عربياً، يتلقى أطفال التوحد تعليمهم في البيت بجهود فردية من قبل الأسرة، وذلك للأطفال المحظوطين. الآخرون يبقون على هامش الحياة. في مصر مثلاً، وعلى رغم جهود عدة تبذلها وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني لإدماج الأطفال من ذوي صعوبات التعليم وغيرها من مشكلات التحصيل في النظام العادي، فإن الطريق ما زال طويلاً ومحفوفاً بصعوبات التطبيق والوصمة والوعي. وتشير الورقة إلى أن نحو نصف المصابين بالتوحد في مصر ممن شملتهم الإحصاءات في الفئة العمرية بين أربع و22 سنة، أي في سن الدراسة، إلا أن أقل من 25 في المئة فقط مسجلون فعلياً بالمدارس. غالبية الأهل يبررون ذلك بوجود مشكلات في نمو الأطفال وقدراتهم على التحصيل، ما يؤدي إلى شعورهم بالاختلاف والنبذ من قبل الأقران والمعلمين.

من جهة أخرى، فإن معظم العائلات العربية لا تستطيع تحمل كلفة إلحاق الصغار المصابين بالتوحد في مؤسسات تعليمية خاصة مهيئة لهم، حال وجدت من الأصل. وعلى الرغم من وجود عدد من المنظمات الأهلية التي تعمل من أجل مساعدة مرضى التوحد وذويهم، فإن المتاح لا يفي بالاحتياج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الاحتياج الماس

الاحتياج بالورقة والقلم ليس ماساً. فالأرقام المتوافرة عربياً تشير إلى نسب إصابة قليلة بالتوحد مقارنة بالنسب العالمية. وتشير الورقة إلى أن معدلات الانتشار عربياً تتراوح بين 1.4 حالة بين كل 10 آلاف طفل في عمان، و29 حالة بين كل 10 آلاف طفل في الإمارات. وعلى رغم أن هذه المعدلات أقل من مثيلاتها في البلدان المتقدمة حيث تتراوح النسبة بين 39 و77 حالة بين كل 10 آلاف طفل، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة تراجع أو قلة المعدلات الحقيقية.

فبين صعوبة التشخيص ونقص وعي الأهل والإخفاق في التعرف إلى الأعراض ومن ثم عدم طلب التشخيص الذي ربما يكون غير متاح أصلاً، إضافة إلى معضلة الوصمة التاريخية وضيق ذات اليد وقلة الإمكانات الحكومية المخصصة لمثل هذه الاعتلالات، يجد التوحد نفسه في أمسّ الحاجة إلى يوم للتوعية به وباحتياجاته ومستقبل المصابين به وحاضرهم، الذي يشير إلى استمرار النهج التقليدي في الاحتفاء باليوم. غالبية الأنشطة العربية اليوم تدور حول أهمية الاهتمام بالمصابين بالتوحد وذويهم واحتوائهم ودمجهم في المجتمع. وأغلب الضوء سيتم تسليطه على تأثير النظرة الإيجابية للأفراد المصابين بالتوحد وأهمية تقبل المجتمع وتفهمه لخصائص هذا المرض.

لكن هذا المرض يحتاج إلى ما هو أكثر من تعريف المجتمع به، أو تذكير الجميع بضرورة دمج المصابين به. الحاجة ماسة إلى ما هو أكثر من أن تكتسي معالم المدن باللون الأزرق في يوم 2 أبريل من كل عام. الحاجة ماسة لتوجيه الأنظمة الصحية والتعليمية والخدمية لهذه الفئة من المواطنين. والحاجة ماسة لتخصيص الميزانيات وتوجيه الخبرات وتهيئة الإرادات السياسية والاقتصادية.

التوحد في الصراعات

وإذا كان هذا هو وضع المصابين بالتوحد وذويهم في الدول المتمتعة بالاستقرار والأمان ولو نسبياً، فإن وضعهم في الدول التي تعاني صراعات لعامها العاشر على التوالي مختلف. الحديث أو التفكير عن رعاية إضافية تقدم للمصابين بالتوحد في مخيمات النازحين واللاجئين في سوريا ودول الجوار، أو في اليمن أو في ليبيا أقرب ما يكون إلى الخيال غير المنطقي.

لذلك ربما يكون حديث الدمج والقبول، أو تكريم الأم المثالية التي تراعي ابنها المصاب بالتوحد، أو إضاءة المباني بالأزرق، ونشر أحجية الألغاز المتكونة من قطع صغيرة تكون معاً لوحة لها معنى يتوسطها مريض التوحد، أو تداول رمز الفراشة الدالة على التغير والتطور والقدرة على النمو عبر الاهتمام والمساندة، أو علامة النهائية الشهيرة حيث التأكيد على فكرة الشمول والاحتضان للجميع، وهذا أضعف الإيمان.

تاريخياً، تتردد أسماء لشخصيات عامة عديدة في فضاء التوحد. وعلى الرغم من عدم وجود ما يثبت صحة التشخيص، إلا أن أسماء مثل الكاتب والشاعر الدنماركي هانس كريستيان أندرسن، والمخرج الأميركي تيم بيرتون، ومؤلف "أليس في بلاد العجائب" البريطاني لويس كارول، وعالم التاريخ والجيولوجي وصاحب نظرية التطور البريطاني تشارلز داروين، وعبقري الفيزياء الألماني المولد ألبرت أينشتاين، وأستاذ الشطرنج الأميركي بوبي فيشر، والممثلة والناشطة البيئية الأميركية داريل هانا، وعالم الفيزياء والرياضيات البريطاني إسحاق نيوتن، وفنان عصر النهضة الإيطالي مايكل أنجلو والقائمة طويلة وتعني الكثير.