Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"نوتردام دي باري" بين الرواية الكبيرة والدمار المحزن

حريقها حقق لفيكتور هوغو عودة مظفرة وانتصاراً متأخراً

فيكتور هيوغو وزوجته وبعض أصدقائه في باريس عام 1878 (غيتي)

قبل سنوات قليلة حين أصيبت العاصمة الفرنسية بتلك الكارثة الكبرى باحتراق كاتدرائية "نوتردام" الواقعة وسط باريس، غمر الحزن كثراً من الناس وتداعى كثر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من معلم تاريخي وديني لا نظير له. يومها، ولأن الحزن يولد أحياناً تعليقات تنضح بالمرارة والسخرية السوداء، لم يفُت صحافياً عريقاً أن يقول معلقاً: "لا شك أننا أمام جريمة موصوفة. ولأن ثمة في الأمر جريمة، هناك مجرم بالتأكيد. ولأن سيدة الأدب البوليسي آغاثا كريستي علمتنا أن نجد الفاعل في شخص المستفيد من الفعل، أراهنكم على أن الفاعل هنا هو فيكتور هوغو، لأنه المستفيد الأكبر من دمار الكاتدرائية واحتراق محتوياتها...". لكن ذلك الصحافي نسي أن يقول إن "استفادة" هوغو أتت مزدوجة: فمن ناحية، سارعت روايته الشهيرة "نوتردام دي باري" المعروفة بـ"أحدب نوتردام" إلى احتلال المكانة الأولى ولأشهر طويلة في لائحة الكتب الأكثر مبيعاً في فرنسا وربما في غيرها أيضاً، حيث راحت الطبعات الجديدة والمنوعة تتلاحق؛ ومن ناحية ثانية، كسب هوغو معركة كان يخوضها منذ بدايات القرن التاسع عشر وسيقول مؤرخون كثر حينها إنه إنما كان يخوضها في سبيل إنقاذ المباني التاريخية الكبرى، لا سيما ذات الطرز القوطية منها، من الخراب والإهمال. وربما يعرف كثر، أو على الأقل تذكّروا مع عودة كاتدرائية "نوتردام" إلى الواجهة بفعل تلك الكارثة الكئيبة، أن هوغو لم يكتب الألف صفحة التي تتألف منها أقسام الرواية الثلاثة إلا كمساهمة من قلمه الإبداعي العظيم في إنقاذ الكاتدرائية من الخراب والدمار تشهد على ذلك تلك الصفحات الكثيرة، إلى حد لا يطاق أحياناً، التي بدا فيها وكأنه نسي أحداث الرواية ليمعن في وصف ممرات الكاتدرائية ودهاليزها وأعمدتها وقاعاتها وأسطحها وكل ما يتعلق بها. لقد بدا الأمر وكأن القارئ أمام كتاب سياحي أو نصوص عمرانية تحفل بالحب والمعرفة والتوغل في إدراك أسرار الصنعة.

الجانب المنسي

قد يكون هذا الجانب من الرواية منسيّاً اليوم، لا سيما بعد اقتباسات سينمائية وأوبرالية ومسرحية وغيرها، استبعدت تلك الصفحات، مركزة على الجوانب الحدثية وعلاقات الشخصيات والأبعاد الإنسانية، لكن المطلعين عادة على كتابات هوغو أدركوا منذ صدور الرواية وقراءتهم لها عام 1831 حين أنجزها تحت ضغط ناشره في ذلك الحين، أن ليس في مقدورهم أن يفصلوا ذلك النص الروائي الكبير عن دراسة كان الكاتب قد نشرها قبل ذلك بسنوات قليلة بعنوان "حرب على المدمرين"، استفاض فيها حديثاً عن إهمال تلك "الصروح الباقية من أزمنة البنّائين الكبار"، ووقوعها في براثن "الحداثويين" الذين يمعنون في تخريبها كي تُدمّر وتُقام "منشآت حديثة تجارية سخيفة" مكانها. والحال أن هوغو لم يخفِ أبداً ارتباط الرواية بالدراسة. لكن الرواية ستعيش حياتها الخاصة بعد ذلك ولسنوات تصل إلى نحو مئتين صارت خلالها "إزميرالدا"، الغجرية الحسناء والشخصية المحورية في الرواية، أشهر من الكاتدرائية نفسها. بل صار لاحقا "كوازيمودو" الأحدب الذي جعل من نفسه حامياً للغجرية أكثر شهرة منها، منذ حوّلت الترجمة الإنجليزية ومن ثم الفيلم الذي اقتبسها العنوان إلى "أحدب نوتردام"، فكان من الطبيعي أن يضاهي الأحدب الحسناء أهمية ومكانة. ومن هنا، احتاج الأمر إلى الحريق الكبير قبل سنوات قليلة لكي يُستعاد الاهتمام بالجانب الأساسي الذي توخاه هوغو من كتابة روايته. الجانب العمراني والبعد النضالي الفكري المرتبط به.

حسناء آتية من اللامكان

ولنعُد هنا إذاً إلى الرواية على الأقل كما وصلت إلى قرائها عبر العصور والسنوات الطويلة. فعمّ يحدثنا فيكتور هوغو في هذا العمل الميلودرامي الصاخب الذي تمكّنت ميلودراميته وروعته الوصفية والحكائية من أن تنسينا غاية المؤلف من خوض تلك المغامرة؟

بشكل أساسي، تتمحور الرواية من حول الكاتدرائية كمكان للأحداث، لكن الأحداث تتمحور من حول تلك الفاتنة "إزميرالدا" التي تعيش معظم أيامها في المكان غير مهتمة بسوى التجوال راقصة مغنية ضاحكة مرحة برفقة عنزتها الحبيبة بين الأزقة والساحات، مكرسة أيامها للفن والمسرة ومتعة العيش، مجتذبة إليها وإلى حسنها الأندلسي الغريب، طائفة من رجال عشقوها بصدق وآخرين اشتهوها، هي التي في حقيقة أمرها لم تكن مبالية بشكل أو بآخر إلا باثنين منهما ينتميان إلى علية القوم. بيد أن اهتمامها بهما لا يعني استعداداً منها للخضوع لرغبات أي منهما. ولكن لشدة استياء واحد من الاثنين وهو القسيس كلود فرولو وإحساسه بأن غريمه النقيب فوبوس دي شاتوبير أقرب منه إلى فؤادها، يدبّر في نهاية الأمر مكيدة من شأنها أن تودي بحياة النقيب. وإذ تفشل المكيدة، كان لا بد من العثور على متهم ولم يكن ما هو أسهل من اتهام "إزميرالدا"، فنحن هنا في عام 1482 وفي عهد محاكم التفتيش واضطهاد الغرباء، إذ لا أسهل من سَوْق تلك الحسناء الغريبة العصية واتهامها بالجريمة ومن ثم بكونها ساحرة أمام محاكم التفتيش التي كانت أُسست لمثل تلك المظالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الإنسان داخل الوحش

هنا يظهر الأحدب "كوازيمودو" الذي كنا تعرفنا إليه سابقاً بوصفه خادماً للكاتدرائية لا أصل له ولا فصل لكنه وحش بشري حقيقي باعترافه، كان الكاهن فروليو قد عثر عليه طفلاً يكاد يُقتل لغرابته و"وحشيته" فحماه ورباه... بدلاً من أن يتركه لأنياب السابلة الذين لم يجد رحمة به من أحد منهم. وحدها "إزميرالدا" كانت تشفق عليه وتتعامل معه إنسانياً غير مبالية بتفتّح قلبه على حبها هو الآخر. ولكن غير مبالية كذلك بما كان حتى هو يصف نفسه به، إذ يصرخ ذات مرة: "أنا شيء مريع. لست إنساناً ولا حيواناً. أنا كائن لا شكل لي. تكمن تعاستي في أنني شديد الشبه بالإنسان... لكنني أريد أن أكون بهيمة". ولكن لأن "كوازيمودو" لا يمكنه أن ينتزع كينونته البشرية من داخله، ها هو الآن يطفو على مسرح الأحداث، وفقط من أجل تلك الفاتنة التي أحبها ولا يمكنه أبداً أن ينسى شفقتها عليه. وهكذا فيما كانت "إزميرالدا" تقاد مقيدة نحو المحكمة وسط لا مبالاة الجميع رعاعاً كانوا أو سادة نبلاء، يتنطح "كوازيمودو" لإنقاذها هارباً بها داخل دهاليز الكاتدرائية وزواياها التي لا يعرفها أحد غيره. غير أن مندوب الملك لويس الحادي عشر يتمكن من العثور عليها، فتقام المحكمة بكل صلافتها وجبروتها ويُحكم عل "الشيطانة الساحرة" بالحرق أمام أنظار أمها التي يؤتى بها لتلك الغاية، وفي الوقت الذي تموت الأم حزناً على مصير ابنتها الفاجع، تشتعل النيران في جسد الصبية المشتهى أمام أعين وتواطؤ كل الذين كانوا قد اشتهوها ولم يتمكنوا من الحصول عليها. وحده يتقدم "كوازيمودو" هنا في واحد من أكثر المشاهد ميلودرامية في الأدب الرومانسي ليطفئ نار جسدها الذي رُمي في حفرة مليئة بالجثامين المحترقة بفعل أحكام "التفتيش"، وهو يحاول أن يبعث حياةً ما في تلك الضحية التي ينعى إلينا بنظراته الحزينة الساهمة جمالها وإنسانيتها، وسط تعصب تقوده محاكم تفتيش لم يقدّم إلينا الأدب ما هو أقسى وأعتى منه في تاريخه ولو نتفاً يسيرة مما قدمته هذه الرواية.

انتصار متأخر وبائس

ومع هذا، لا بد من التذكير هنا بأن هذا الجزء الميلودرامي الفجائعي لا يشكّل سوى جانب واحد من هذا العمل الذي ظل فكتور هوغو (1802 – 1885) يعلن طوال مساره الفكري والأدبي أنه ليس بالنسبة إليه سوى عمل "تنبيهي" يريد منه أن يصور بشكل مباشر، روعة ذلك المبنى العظيم وقد وقع بين الأزقة القبيحة القذرة وبدأت جدرانه وزينته تتآكل، بالتواجه مع تلك الحسناء الرائعة التي وقعت بدورها ضحية للظلم وللتكالب والطمع في مجتمع لا يرحم. ونعرف أن نجاح الرواية في ذلك الحين لم ينقذ الكاتدرائية إلا جزئياً، فتحولت إلى معلم سياحي باريسي عريق. وفي المقابل، أتى الحريق الأخير الذي يدفع الفرنسيين وغيرهم اليوم إلى الإسراع بإعادة بناء الكاتدرائية، نوعاً من الانتصار المتأخر والبائس لذلك الكاتب الكبير.

المزيد من ثقافة