Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل باتت بريطانيا مستعدة لمواجهة الوباء المقبل؟

مر عام على فرض أول اغلاق في بريطانيا و"علينا أن نتذكر ونتعلم ونتهيأ" ونستخلص العبر كي نصل إلى الجاهزية المطلوبة

أسهمت الجائحة في التذكير بالأهمية القصوى لعمل التمريض في مواجهة الأمراض والأوبئة (غيتي)

بعد وفاة أكثر من 146 ألف شخص في المملكة المتحدة حتى الآن بسبب عدوى "كوفيد - 19"، قد لا يكون ممكناً تصور أن كل هذا الحجم من الوفيات والمعاناة الذي يسببه قاتلٌ غير مرئي وصامت، يمكن أن يتكرر في حياتنا.

في المقابل، بعد مرور عامٍ على الذكرى السنوية الأولى للإغلاق [بسبب كورونا] في بريطانيا، وفي وقتٍ يفكر فيه كثيرون في ما فُقِدَ منذ اندلاع هذه الأزمة الصحية، ما زال خطر حدوث جائحةٍ أخرى مهيمناً بشكل مستمر، بصرف النظر عن التبعات المدمرة المتأتية من جائحة كورونا.

وفي الوقت الذي تطغى ظواهر العولمة والتمدن وإزالة الغابات، ما يقلص المسافة بين البشر والجوانب القاتمة من حيز الطبيعة، تستمر مخاطر انتشار العدوى في الارتفاع. وفي هذا الإطار، تنبه البروفيسورة سارة غيلبرت العالمة التي طورت "لقاح أكسفورد"، إلى "أننا سنشهد مزيداً من تفشي الأوبئة" في السنوات المقبلة.

وكذلك نقل خبراء إلى صحيفة "اندبندنت" أن الوقت قد حان للشروع في التحضير "للحدث الكبير الآتي" وضمان أن الأجيال المقبلة العتيدة مهيأة بشكل أفضل للتعامل مع هذه التفشيات في المستقبل.

في هذا الإطار، أعرب البروفيسور كريستوفر داي المدير السابق للاستراتيجية في منظمة الصحة العالمية WHO عن خشيته من "أن تهمد التصورات والانطباعات والدروس التي يعتقد الناس أنهم قد تعلموها من هذا الوباء". وبحسب رأيه، "بعد تلاشي آثار هذه التجربة، قد تصبح جميعها طي النسيان. إلا أنه لا يمكننا السماح بحدوث ذلك، فلزامٌ علينا أن نتذكر ونتعلم ونتهيأ".

لنحذر من "الدروس الكبرى" في نظام التتبع والفحص

لقد تحولت الإشادة الطنانة التي أوردها رئيس الوزراء البريطاني في ما يتعلق بنظام الاختبار والتتبع، إذ اعتبره "فريداً من نوعه عالمياً"، تحولت خيبة أمل طبعت سلسلة الإخفاقات التي سجلتها الحكومة في طريقة استجابتها للوباء. وعلى الرغم من موازنة بـ37 مليار جنيه استرليني (أي حوالي 51 مليار دولار أميركي) التي خُصصت له، فإن النظام لم يُحدِث سوى "فارق قليل" في السيطرة على انتشار مرض "كوفيد- 19" والحد منه، بحسب أعضاء في البرلمان.

ويُضاف إلى ما تقدم أنه في خضم مساعي المملكة المتحدة لاحتواء أعداد الإصابات طوال العام الماضي، لم يجرِ الوصول إلا إلى 60 في المئة من المخالطين المقربين للأفراد المصابين، على نحوٍ منتظم وبشكل أسبوعي، وذلك أدنى كثيراً من المعدل المحدد بـ80 في المئة [في قياس] نجاعة نظام الاختبار والتتبع، وفق ما تراه المجموعة العلمية الاستشارية البريطانية للطوارئ المعروفة باسم "سايج" Sage.

في المقابل، تبين أن هندسة عملية مركزية جديدة بالتعاون مع شركات خارجية مثل "ديلويت" Deloitte و"سيركو" Serco، خلفت آثاراً مؤذية. إذ يرى الدكتور مايكل هيد الخبير في الصحة العالمية، إن الفرق الصحية المحلية التي تتمتع بخبرة "لم تُستخدم بشكل مناسب أثناء هذا الوباء، بل استُعيض عنها بخبراء استشاريين من القطاع الخاص بكلفة عالية للغاية".

ويبرز أيضاً أن "هيئة الصحة العامة في إنجلترا"  Public Health England التي حُرمت من تمويلٍ بـ800 مليون جنيه استرليني ( حوالي مليار و104 ملايين دولار أميركي) منذ 2012، امتلكت في بداية الأزمة 300 متتبع يعملون في تغطية مجمل أنحاء إنجلترا، ما يعني أن الوكالة كانت قادرةً على التعامل مع 5 إصابات جديدة في الأسبوع بسبب شبكة جهات الاتصال الوثيقة المرتبطة بكل حالة.

وبدلاً من أن تضخ الحكومة أموالاً في شرايين الشبكات الصحية الموجودة، كي توسع نطاق فرق التعقب، وتدمج عمل مختبرات الجامعات مع مختبرات هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" NHS في مجال الاختبار، [بدلاً من ذلك] وَجهَتْ الحكومة مواردها إلى شبكة مركزية تُدار جزئياً من مقاولين لم تكن لديهم خبرة كافية في مكافحة العدوى.

وفي ذلك المنحى، يرى البروفيسور دينان بيلاي عالم الفيروسات في "كلية لندن الجامعية" UCL أنه "لو خُصص جزءٌ بسيطٌ من الأموال إلى تلك الهيكليات الموجودة فعلاً، فإن الاستجابة للوباء كان يمكن بالطبع، أن تكون أفضل مما حصل بأثر من تكليف مصادر خارجية".

في المقابل، يوافق البروفيسور داي على هذه القراءة، مشيراً إلى أن "تلك هي بعض الدروس المهمة" التي ينبغي الاستناد إليها تمهيداً للاستعدادات المستقبلية. وأكد أن "من الحيوي للغاية" اللجوء إلى الاستثمار في دعم الشبكات الصحية المحلية، والربط بين الميزات المختلفة التي يستند إليها نظام الاختبار والتتبع.

من جهة أخرى، يعتبر البروفيسور غابرييل سكالي الخبير البارز في مجال الصحة العامة، أن "هناك حاجة لأن تكون الخطط جاهزة كي نتمكن من تعزيز استعداداتنا".

في ذلك الصدد، قدم فريق التتبع في مدينة "ليستر"، وقد عانى جراء ارتفاع معدلات حالات الإصابة بالفيروس على مدار السنة، قدم بعض المؤشرات على ما قد يحمله المستقبل. ففي الرابع عشر من يوليو (تموز) 2020، تمكنت المدينة من إمساك زمام الأمور بنفسها، إذ أنشأت نظامها الخاص في تتبع جهات الاتصال. وشرع ذلك الفريق في العمل جنباً إلى جنب مع نظام "الخدمات الصحية الوطنية" للاختبار والتتبع، وتولى أمر الحالات المحلية التي تجد مراكز الاتصال التابعة للنظام الوطني مصاعب في الوصول إليها وتتبعها عبر الهاتف، أو من خلال زيارة المنازل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد تمكن هذا النهج من الوصول إلى 90 في المئة من الاتصالات الوثيقة للمصابين، مع حلول نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. وتوضح جو أتكينسون مستشارة الصحة العامة في مجلس "ليستر"، أن التفاصيل الصغيرة هي التي أحدثت الفارق. وبحسب رأيها، "نحصل على استجاباتٍ أفضل إذا تمكن الناس من رؤية مكالمة واردة من الرقم 0116 (رمز الاتصال في مدينة ليستر). ويكونون أكثر ميلاً إلى الرد عليها بدلاً من مخابرة لا يتعرفون عليها".

إلى ذلك، استطاع الفريق مباشرة عملية التتبع، في اليوم نفسه الذي جرت فيه عملية تحميل البيانات عن حالات الإصابة على النظام، وهو إجراء يحصل في غضون 12 ساعة من الاختبار، علماً أن الأمر نفسه استلزم في السابق انتظاراً مدته 72 ساعة من أجل الوصول إلى هذه البيانات.

وعلى الرغم من ذلك، ظهرت بعض الدلالات المبكرة التي أشارت إلى أن الحكومة لم تستخلص العِبَرْ. فبعدما خصص وزير الخزانة البريطاني 15 مليار جنيه استرليني (حوالي 20.7 مليار دولار أميركي) إضافية للخدمات المركزية للاختبار والتتبع، أعلن أنه سيرفع الإنفاق على الخدمات الصحية المحلية المهمة التي تشمل فرق تعقب المصابين، بما لا يزيد على 1.4 في المئة، اعتباراً من الشهر المقبل.

"المعنويات في أدنى مستوياتها"

يقع عبء هذا الوباء إلى حد كبير، على كاهل العاملين في مجال الرعاية الصحية في بلادنا، الذين استُنفدت طاقاتهم الذهنية والجسدية إلى حد دفع بهم إلى حافة الهاوية. ولم يتضح بعد إذا كانت مرافق "الخدمات الصحية الوطنية" ستحصل على التمويل الذي تحتاجه، ليس لمجرد إصلاح الأضرار التي سببها فيروس كورونا، بل أيضاً الاستعداد لأي حالات محتملة في تفشي الأمراض مستقبلاً.

في غضون ذلك، توصل تقرير صادر عن "معهد أبحاث السياسات العامة" Institute for Public Policy Research  إلى وجوب منح مرافق "الخدمات الصحية الوطنية" والرعاية الاجتماعية، "جرعة معززة" من الدعم المادي لجهودها، بقيمة 12 مليار جنيه استرليني (أي حوالي 16.5 مليار دولار أميركي)، كي تتمكن تلك المؤسسات من معاودة الوقوف مجدداً على قدميها. وفي المقابل، توقعت أبحاث أجرتها "مؤسسة الصحة" Health Foundation (مؤسسة خيرية تُعنى بتحسين الرعاية الصحية في المملكة المتحدة) أن تتضاعف الفجوة المتمثلة الآن في نقص القوى العاملة لدى هيئة "الخدمات الصحية الوطنية"، خلال السنوات الخمس المقبلة، إضافة إلى تفاقم التدهور في أعداد طواقمها إلى نحو 475 ألف موظف مع حلول 2034. وفي حال تعذر جَسْر هذه الفجوة، فستنهار مرافق الخدمات الصحية بلا شك أمام أي مرض يلوح في المستقبل يكون موازياً في خطورته التهديد الذي سببه وباء "كوفيد- 19".

وعلى الرغم من إعلان منظمة "يوكاس" UCAS (تساعد الطلاب على اختيار معاهدهم وجامعاتهم في المملكة المتحدة) عن ارتفاع بـ32 في المئة في طلبات الالتحاق بدورات التمريض البريطانية أثناء الخريف الماضي، إلا أن القيمين على قطاع الصحة ما زالوا يخشون من "هجرة ضخمة للأدمغة" قد تحدث بين الأطباء مع نهاية الوباء.

واستطراداً، يتوقع الدكتور ديفيد ريغلي رئيس السلامة العامة في "الجمعية الطبية البريطانية" British Medical Association (هيئة نقابية للأطباء وطلاب الطب في المملكة المتحدة) أنه "حينما نخرج من هذا الوضع، نخشى أن تخمد الروح المعنوية كي تبلغ أدنى مستوياتها على الإطلاق، فيطفح الكيل لدى كثيرين، وقد يعمدون إما إلى ترك وظيفتهم أو التقاعد المبكر أو السفر إلى الخارج". وبحسب تعبير أحد الأطباء العاملين على الخطوط الأمامية [في مواجهة الوباء]، فإن "هذا يعني أن الخدمات الصحية في هذه البلاد ستواجه مشكلات كثيرة".

"تخفيض التفاوتات في الصحة"

ينبغي عدم تكرار المآسي التي تكشفت في قطاع دور الرعاية. ويشدد السير مارك وولبورت كبير المستشارين العلميين السابقين للحكومة، على أن "ترك الناس يغادرون المستشفى من دون إجراء اختبار والعودة إلى دور الرعاية، شكل خطأً فادحاً"، ومثل أحد أكبر "الأخطاء الجوهرية" الذي ارتكبته دوائر رئاسة الحكومة في "داونينغ ستريت".

وفي وقت سابق، كشف تقرير صادر عن "مكتب التدقيق الوطني" National Audit Office أن حوالى 25 ألف شخصٍ لم تُجرَ اختبارات إصابتهم بفيروس كورونا، ونُقلوا من المستشفيات إلى دور رعاية بين منتصف مارس (آذار) ومنتصف أبريل (نيسان) 2020، الأمر الذي أدى إلى تسريع انتشار الفيروس بين إحدى الفئات العمرية الأكثر ضعفاً في المملكة المتحدة.

وعلى نحو متصل، جرى توقع درجة الحماية المطلوبة لمصلحة هذه الفئة من الناس عِبْرَ "تمرين سيغنوس" Exercise Cygnus الذي يمثل عملية محاكاةٍ أجريت في 2016، وجرى بموجبها وضع المملكة المتحدة في حال تأهب وبائية، لكن لم يُصَرْ إلى اتخاذ أي إجراء بموجبها. وقد نقل أحد المستشارين العلميين للحكومة إلى صحيفة "اندبندنت"، أن أوساط "داونينغ ستريت" بدت "في حال تشتت" حيال التهديد الذي تعرضت له دور الرعاية خلال الأشهر الأولى من الأزمة.

ويشير السير مايكل مارموت الخبير في رصد أوجه عدم المساواة الصحية، إلى أن هناك حاجة في الوقت الراهن، إلى مزيدٍ من الاستثمار بهدف ضمان أن يحصل العاملون البالغون في مجال الرعاية الاجتماعية، مع ملاحظة أن كثيرين منهم لا يتقاضون أجوراً معيشية كافية، على رواتب مناسبة ويخضعون لتدريبات سليمة.

ويضيف، "أن هؤلاء، إضافةً إلى سائقي جمع النفايات وخدمات التوصيل وعمال متاجر السوبرماركت وموظفي الخطوط الأمامية في المستشفيات التابعة لهيئة "الخدمات الصحية الوطنية"، قد حافظوا على استمرارية حركة المجتمع (عموما). إلا أنه لم تعطَ الأولوية إلى (تصحيح) الظروف التي يعملون فيها. إن عدداً من أولئك الذين يتلقون رعايةً اجتماعية إنما يشكلون جزءاً من "اقتصاد الوظائف الموقتة"، ويتقاضون تالياً أجوراً منخفضة ويواجهون مطالب (وتحديات) مروعة في عملهم".

ويتابع السير مايكل، "نحن في حاجة إلى قوة عاملة مدربة بشكل مناسب كي تقدم رعاية اجتماعية مناسبة للبالغين"، مشيراً إلى أن هذا النقص يشكل "ذريعة كافية" في تبرير دمج هذا القطاع مع هيئة "الخدمات الصحية الوطنية"، وإنشاء "نظام رعاية صحية واجتماعية" متناسق ومترابط، يمكنه الاستجابة ككيان واحد لتحديات أي جائحة تالية.

وكذلك يرى السير مايكل أن تلك الحالات من عدم المساواة تتطلب معالجة في مختلف أوساط المجتمع. وأضاف أن من بين الأفراد الأكثر تضرراً، يبرز الذين يعيشون في حالة فقر وحرمان، ويقيمون مع أسر في منازل مكتظة، ولا يمكنهم العمل من المنزل، ما يجعلهم يعرضون أنفسهم يومياً للخطر.

تصنيع معدات الوقاية الشخصية في بريطانيا "مطلوب بشدة"

أنشئ أول مخزون من معدات الوقاية الشخصية في بريطانيا للمرة الأولى عقب تفشي مرض "إنفلونزا الخنازير"، إلا أنه أخذ يتناقص في الأعوام التي سبقت جائحة كورونا. وبعد إنفاق 500 مليون جنيه استرليني ( أي حوالي 690 مليون دولار) على شراء تلك المعدات في 2009، تبين مع حلول شهر يناير (كانون الثاني) من العام الماضي أن المخزون منها يحتوي أجهزة تنفس أقل بـ10 في المئة، وأقنعة جراحية أقل بـ19 في المئة، وإبر وحقن أقل بـ28 في المئة من حاجة البلاد.

وفي المقابل، اتضح أن كثيراً من المخزون المتبقي بات متقادماً وقد تدهور وضعه بشكل واضح، فيما لم تتوافر، بكل بساطة، أثواب الحماية، وأدوات وقاية الزائرين وأكياس الجثث، وهي المعدات الحيوية التي حددتها محاكاة "تمرين سيغنوس" بوصفها معدات ذات أولويةً قصوى يتوجب شراءها في 2016.

وبعدما ضرب وباء "كوفيد- 19" البلاد، حصل اندفاع محموم نحو تأمين معدات الوقاية الشخصية، قادته وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية البريطانية التي وصفها دومينيك كامينغز المستشار السابق لرئيس الحكومة الأسبوع الماضي بأنها "رمز الخراب الكامل".

واستطراداً، تعتبر أوساطٌ مطلعة في هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" أن الاندفاع العالمي نحو اقتناء أقنعة وقفازات، أدى إلى إثارة أجواء من الارتباك وسوء التواصل والذعر في وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية التي سارعت إلى إنشاء قناة هدفها جمع معدات الوقاية الشخصية بسرعة. وبذا، صار موظفو الخدمة المدنية الذين لا يمتلك كثيرون منهم خبرة في أعمال المشتريات، يتسابقون في الحصول على أي إمدادات يمكنهم إيجادها، بغض النظر عن مصدرها.

 

وكذلك يوضح البروفيسور جيمي ويتوورث أستاذ الصحة العامة الدولية أن "التخزين يشكل سياسة تأمين متعقلة، لكن الأردية والأقنعة لها مدة صلاحية محددة، بالتالي تحتاج المملكة المتحدة إلى الحصول على مصدر جاهز في تلك المواد بهدف مواجهة حالات الطوارئ".

وبناء على ذلك، يرى ويتوورث أن "امتلاك قدرة تصنيع محلية يشكل "أمراً صائباً للغاية"، وسبق للحكومة أن التزمت تحقيقه. ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، عقدت الحكومة العزم على تصنيع 70 في المئة من جميع معدات الوقاية الشخصية، باستثناء القفازات، داخل المملكة المتحدة مع حلول نهاية العام 2020. ولا يزال من غير الواضح مدى تحقق ذلك الهدف من عدمه.

وفي المقابل، بحسب مصدر في قسم إدارة المشتريات في هيئة "الخدمات الصحية الوطنية"، "لقد اشتروا فعلاً كثيراً من معدات الوقاية الشخصية الجديدة من الخارج، بحيث بات على الشركات البريطانية في الوقت الراهن أن تصنع كمية قليلة من إمدادات هذه المواد للمستقبل. وهكذا يفلتون من الموضوع بالإشارة إلى أن 70 في المئة من معدات الوقاية الشخصية صُنعت هنا في تاريخ معين. أما الغالبية العظمى من تلك الموجودة في المخازن، فمصدرها دول أخرى".

وفي المنحى نفسه، يشير ذلك المصدر إلى أنه في حين أن القفازات تشكل القسم الأعظم من معدات الوقاية الشخصية المتداولة داخل بريطانيا، لا توجد داخل البلاد قدرات تصنيعية، مع تأمين غالبية الإمدادات من الخارج. ومن خلال أخذ هذه العناصر في الاعتبار، تشكل معدات الوقاية الشخصية الموجودة في المملكة المتحدة ما يزيد قليلاً على ربع إجمالي الإمدادات.

وإذا لم يتبدل هذا الواقع، فقد تجد المملكة المتحدة نفسها عاجزة عن توفير معدات الحماية الشخصية المنقذة للأرواح، في حال حدوث تفش وبائي كبير آخر.

"لقاحات بميزة التوصيل والتشغيل"

لقد جرى اعتبار طرح اللقاحات المضادة لفيروس كورونا أعظم ميزة في استجابة المملكة المتحدة للوباء. في المقابل، لا ينبغي أن يكون هذا النجاح  مفاجئاً، فقد أُرسِيَتْ أسسه فعلاً من خلال برنامج التلقيح السنوي ضد الإنفلونزا في بريطانيا، الذي يُطبق بسلاسة كل فصل شتاء على يد الأطباء العامين والممرضات.

في المقابل، تمثلت التحديات الحقيقية في تصنيع اللقاحات واختبارها وزيادة القدرة على تصنيعها. وظهر افتراض بأن عقبات كهذه لا يمكن التغلب عليها في 10 أشهر. وعلى الرغم من ذلك، جرى تجاوز مجمل تلك التوقعات بصلابة.

وفي ذلك الملمح، ترى البروفيسور سارة غيلبرت (مبتكرة "لقاح أكسفورد") أن مثل هذا الابتكار "أظهر حقاً أن بإمكاننا تحقيق الإنجازات والتحرك بسرعة". وتعتبر أن من المهم الآن الاستفادة من هذه التجربة، والحفاظ على العمليات والأطر التي أسهمت في تقديم الدعم اللازم لابتكار لقاحها.

وفي ذلك المضمار، يشار إلى أن التكنولوجيا التي تقف خلف اللقاح الذي ابتكرته [غيلبرت] تطلبت 10 سنوات من الإعداد، وقد وُجدت كي تبقى. وفي التفاصيل، يتضح أن "لقاح أكسفورد" يشبه من حيث التصميم لقاحي "موديرنا" Moderna و"فايزر/ بيونتك" Pfizer/Biontech اللذان يعتمدان تقنية "إم آر إن إيه" mRNA ["الحمض النووي الريبوزي المرسال"]، مع استخدام فيروس مُعدل كناقل [للـ"إم آر إن إيه"]، بمعنى أنه يحمل تعليمات جينية إلى خلايا عضلات الجسم، ما يؤدي إلى توليد استجابةٍ مناعية.

وفي المقابل، من المستطاع استخدام هذه التكنولوجيا في تقديم جميع أنواع الترميز الجيني التي يمكنها من الناحية النظرية أن تؤمن حمايةً ضد مجموعةٍ من الفيروسات والبكتيريا.

وفي ذلك المسار، يوضح البروفيسور بيتر هوربي رئيس "المجموعة الاستشارية لتهديدات الفيروسات التنفسية الجديدة والناشئة"  New and Emerging Respiratory Virus Threats Advisory Group التابعة للحكومة، "فكروا في الأمر على أنه لقاح يعتمد ميزة التوصيل والتشغيل. لدينا دليل واضح على سلامة البنية الأساسية في تركيبة اللقاح ومناعتها، من ثم ما علينا إلا التوصيل والتشغيل من خلال دس مسببات المرض داخلها ومراقبة تفاعلاتها".

ومن المؤمل أن تسمح هذه الصيغة [في صنع اللقاحات] للمملكة المتحدة وبقية العالم بإنتاج اللقاحات اللازمة في الاستجابة السريعة ضد عددٍ من التهديدات المعدية التي توجد في العالم الطبيعي. في المقابل، يصر البروفيسور غيلبرت وآخرين، على أن "هناك بالتأكيد مزيداً من العمل الذي يتعين فعله".

أما داخل بريطانيا، فسيسهم "مركز ابتكار تصنيع اللقاحات" Vaccines Manufacturing Innovation Centre  الذي يُفتتح قريباً، في زيادة إنتاج الإمدادات وتنظيمه. وكذلك ترى البروفيسورة غيلبرت أنه لو جرت إتاحة ذلك المرفق العام الماضي، لكان قد أسهم في تقصير المدة التي استغرقها تلقيح المشاركين في المرحلة النهائية حوالي شهرين. وتعتبر أنه عندما يتعلق الأمر بالوباء العالمي المقبل، فإن كل ثانية ستكون مهمة.

في المقابل، حتى مع زيادة القدرة التصنيعية التي يوفرها "مركز ابتكار تصنيع اللقاحات"، ما زال القلق قائماً من ألا يكون ذلك كافياً أبداً. إذ يعرب البروفيسور أدريان هيل مدير "معهد جينير" Jenner Institute التابع لـ"جامعة أكسفورد"، عن رأي مفاده "بأننا ما زلنا متأخرين في مجال التصنيع في المملكة المتحدة. هل لدينا القدرة اللازمة؟ كلا، ربما بعشرة أضعاف أقل".

ويضيف البروفيسور هيل، "يمكن (في هذه الحال) أن نفقد مئات الملايين من الأفراد. يشبه الوضع ما يحدث في الأفلام، لكنه ليس ضرباً من الخيال، ويمكن أن يتحول حقيقة. كم يُقدر إنفاقنا على الدفاع العسكري؟ إننا نحتاج إلى إنفاق المال على الدفاع البيولوجي ويمكننا ذلك".

تجربة برنامج "ريكوفيري" والتعاون

على جبهة العلاج، أظهر نجاح "تجربة ريكوفيري في المملكة المتحدة"  UK’s Recovery trial التي عملت على اختبار الأدوية الراهنة في معالجة عدوى "كوفيد- 19"، أهمية دمج الدراسات السريرية العشوائية الكبيرة ضمن مرافق "الخدمات الصحية الوطنية" [في الدراسات، يستخدم مصطلح "عشوائي" Random في معناه الإحصائي الذي يشير إلى الشمول وعدم الانتقائية]. وأثناء انتشار الوباء، جرى تجنيد آلاف المرضى بهدف إخضاعهم لتجارب في المستشفيات، شارك البروفيسور هوربي في قيادتها، ما أتاح للجسم الطبي البحث عن علاجات لمصلحة أشخاص يعانون إصابة شديدة بفيروس كورونا. وفي مرحلةٍ ما، اختُير شخص واحد من بين ستة مرضى "كوفيد- 19" داخل مستشفيات المملكة المتحدة، كي يخضعوا إلى تجارب.

وبالنتيجة، تبين أن دوائي "توسيليزوماب" Tocilizumab، و"ديكساميثازون"  Dexamethasone وهما نوعان من المضادات للالتهابات، قد حققا فاعليةً في الحد من خطر الوفاة بين المرضى في المستشفى. وفي المقابل، سُحِبَتْ أدويةٌ أخرى كالـ"هيدروكسيكلوروكين Hydroxychloroquine من المعادلة. ومن ثم جرى توجيه هذه النتائج وإدخالها على الفور ضمن سياسة "الخدمات الصحية الوطنية"، بغية إرشاد استراتيجيات العلاج وتوجيهها.

في ذلك الصدد، يعتقد السير مارك إن "ما فعله برنامج "ريكوفيري"، يتمثل في التمكن من اختبار الأدوية بسرعة وفعالية تقريباً، كجزءٍ من الرعاية السريرية. أعتقد أن تلك التجربة مهمة للغاية، وآمل في أن تُعتمد نموذجاً يُحتذى به. إذ ظهرت درجةٌ من التعاون لم نشهد مثلها في الأوقات العادية. نأمل في أن نتمكن من تعلم الدروس منها".

في مقلب مغاير، يأمل البروفيسور هوربي أن يُصار إلى المضي قدماً في هذا النهج "السلس" والربط السهل للبيانات وتطبيقهما، ليس في سياق التعامل مع تفشي الامراض وحده في المستقبل، بل على أساس دائم، في التعاطي مع الأمراض المزمنة الأخرى. وبحسب رأيه، "يمكن أن تكون هذه ميزة تنافسية حقيقية وفريدة، تتفوق بها المملكة المتحدة".

وعلى الرغم من ذلك، نبهت "مؤسسة المملكة المتحدة للبحث والابتكار"، وهي هيئة تمويلٍ حكومية، إلى وجود ثغرة في موازنتها تبلغ 120 مليون جنيه استرليني (أي حوالي 154 مليون دولار أميركي). إذ تشير البروفيسورة ميليسا ليتش المديرة في "معهد دراسات التنمية" Institute of Development Studies إلى أن هذا العجز من شأنه تقويض المشاريع الخارجية التي تسعى إلى فهم "كيف يمكننا أن نخفف بشكلٍ أفضل من الأمراض حيوانية المنشأ كـ"كوفيد- 19". إن الاستجابات الناجحة إلى التحديات العالمية الكبرى لا تتحقق إلا من خلال التعاون الدولي".

 

الإذعان المتواضع لقوانين الطبيعة

قد يكون توقع الشكل الذي سيبدو عليه العامل المقبل المسبب للمرض، أمراً شبه مستحيل. وثمة إجماع واسع على أن فيروسات الأنفلونزا لديها الإمكانية  الأكبر في الإنتشار، ومع ذلك فقد سلط فيروس كورونا الضوء على مخاطر التركيز المفرط على داء الإنفلونزا.

واستطراداً، لقد ارتكبت المملكة المتحدة هذا الخطأ في فبراير (شباط) الماضي. إذ اعترف وزير الصحة السابق جيريمي هانت، بأن الحكومة "شكلت جزءاً من مجموعة تفكير خلصت إلى أن الطريقة الأساسية للاستجابة للوباء تكون في الدليل الإرشادي المعتمد للتعامل مع جائحة الإنفلونزا"، بدلاً من التبني الفوري للإجراءات التي اتبعت مع فيروسي "سارس" و"ميرس"، على غرار ما فعلته معظم دول آسيا.

وفي المنحى نفسه، يرى الدكتور كلاس كيرشيل خبير الأدوية في "كلية دبلن الجامعية" أن "التعلم من الاستجابات السابقة للأوبئة، يشكل جزءاً مهماً من الاستعداد للوباء المقبل. لكن حصر التركيز على مسببات الأمراض المألوفة كالإنفلونزا، يهدد بلجم السرعة وتقليص المرونة في الاستجابة عند التعامل مع مسببات مرض جديد".

وبالنسبة إلى البروفيسور هوربي، ثمة حاجة إلى اعتماد المقترحات بطريقة "موضوعية ضمن منظور واسع" في مواجهة التهديدات جميعها. ووفق رأيه، "عليك أن تكون مستعداً أيضاً لما تجهله".

وفي ذلك المسار، يقدم فيروس "زيكا" الذي تنقله بعوضة "الزاعجة المصرية" Aedes aegypti ، مثلاً مناسباً من مسببات الأمراض التي توقعتها قلة من الخبراء. فقد انتقل إلى أميركا الجنوبية في 2015، ثم هدد في وقت لاحق "دورة الألعاب الأولمبية في ريو"، إضافة إلى إنه اكتُشِفَ أيضاً في مناطق في أقصى شمال القارة الأميركية كولاية فلوريدا. ويمكن لهذا الفيروس أن ينتقل من أم مصابة به إلى جنينها، فيسبب تشوهات خلقية واضطرابات عصبية لدى الطفل. وقد رُصِدَ ذلك على نطاق واسع في البرازيل.

يقول البروفيسور داي الذي شارك في تنظيم استجابة "منظمة الصحة العالمية" لتلك العدوى [زيكا] الفيروسية، "لم يتوقع أحد أن ينتشر فيروس "زيكا" عالمياً بالطريقة التي حصلت وبالسرعة التي انتشر بها. ونستخلص من هذه الواقعة أننا بحاجة إلى أن نكون أكثر انفتاحاً في تفكيرنا وتعاطينا مع المستجدات المرتقبة".

بالتالي، فمع ارتفاع درجات الحرارة في العالم، يمكن أن ينتقل البعوض إلى المناطق الشمالية في الكرة الأرضية، خصوصاً مع تبدل المناخ في بعض أجزاء من العالم كي يغدو أكثر شبهاً بالمناخ الإستوائي. وقد دار نقاش حول إمكان وصول فيروس "زيكا" إلى جنوب أوروبا خلال وباء العامين 2015 و2016. وعلى الرغم من أن ذلك لم يحصل أبداً، إلا أن المشهد يمكن أن يتغير إذا سمحت الظروف بذلك. وينطبق الأمر نفسه على الملاريا التي تنتشر أيضاً بواسطة البعوض.

وفي النهاية، إن أفضل نهج في توقع تفشي الأوبئة مستقبلاً، وكذلك تطوير الاستجابة لها، وفق السير مارك، يكمن في "الإذعان المتواضع لقوانين الطبيعة".

ويختم السير مارك خلاصاته بالإشارة إلى أن "قوى الطبيعة كبيرة وتفوز دائماً. ومن حيث المبدأ، لا بد أن نكون قد استخلصنا عبراً كثيرة مما حصل في العام الماضي، واتخذنا خطوات علمية كبيرة إلى الأمام. وفي المقابل، يتوجب علينا ألا نكتفي بالشعور بالانتصار. فلسنا نحن من قهر العدوى. ولن نقوى على هزمها بصورة تامة".

© The Independent