Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

للمحافظة على مكانة بريطانيا باعتبارها القوة الناعمة الثالثة

يكتب كريس بلاكهيرست قائلاً إن بلدين فقط يتفوقان على بريطانيا في "مؤشر القوة الناعمة العالمي"، والآن بعدما بات بوسعنا أن نتحكم في فرضنا للعقوبات، علينا أن نستخدم ذلك لضمان الحفاظ على هذه المرتبة وتحسينها

حلت المملكة المتحدة في المرتبة الثالثة في التصنيف الصادر عن مؤسسة براند فايننس (برانديكتوري .كوم) 

في "مؤشر القوة الناعمة العالمي" لهذا العام الذي نُشِر للتو، حلت بريطانيا في المركز الثالث، بعد ألمانيا واليابان. وكانت الولايات المتحدة من بين أبرز الدول المتراجعة، فهبطت من القمة إلى الموقع السادس وراء سويسرا وكندا.

من السهل أن نسخر من تقييم كهذا، أعدته "براند فاينانس"، وهي شركة استشارية تعمل لتقييم قيمة العلامات التجارية للشركات في مختلف أنحاء العالم. فما معنى القوة الناعمة على أي حال؟ أجرى باحثو الشركة مقابلات عشوائية مع 75 ألف شخص من 105 دولة، وتوجهوا بالسؤال إلى 778 خبيراً من بينهم كبار رجال الأعمال ومحللون للأسواق وساسة وأكاديميون ومراكز بحثية ومنظمات غير حكومية وصحافيون. وطُلِب من هؤلاء أن يعطوا تقييمهم للبلدان في مجالات الأعمال والتجارة، والحوكمة، والعلاقات الدولية، والثقافة والتراث، ووسائل الإعلام والتواصل، والتعليم والعلوم، والقيم.

وعلى الرغم من ذلك فإن النتائج عرضة للانتقادات من قبيل أن الترتيب غير علمي بالقدر الكافي، والنتائج التي توصل إليها غير واضحة، ولا ترقى إلى ما يعتد به. أنا لا وافق هذه الانتقادات. قد لا يكون التصنيف دقيقاً، قد يكون بوسع الباحثين دوماً أن يستطلعوا مزيداً من الناس وأن يستخدموا معايير أكثر تفصيلاً ودقة، لكن النتائج تبدو لي على قدر معقول من الدقة. أما في ما يتعلق بما إذا كان الترتيب مهماً، فاسألوا أنفسكم، كيف لنا أن نحكم على بلد ما في شكل منفصل عن الإحصاءات الاقتصادية والقدرات العسكرية، وما هي الطريقة الأخرى التي قد تختارونها؟

هل يندهش أي شخص حقاً، مثلاً، إزاء تراجع مكانة أميركا أثناء عهد إدارة دونالد ترمب في نظر العالم؟ فطريقة معالجة واشنطن أزمة "كوفيد" قوضت هيمنة بلاده، لكن الأمر انطوى على أكثر من ذلك. لقد أصبحت الولايات المتحدة تحت حكم ترمب تُعَد على المستوى الدولي مكاناً لا يُؤخذ على محمل الجد، وتشوهت صورة تحليها بالديمقراطية والإنصاف.

وهذان هما العاملان اللذان يصبان تقليدياً في مصلحة بريطانيا أيضاً. فنحن لسنا قوة اقتصادية أو دفاعية عظمى، لكننا نؤدي أداءً طيباً في مجالات أخرى. فالعالم يتطلع إلينا على صعيد الزعامة في مجالات مثل الحوكمة، والعلاقات الدولية، والشؤون القانونية والقضائية، فنحن محترمون في مختلف أنحاء العالم لتمسكنا بالإجراءات المناسبة وأخذ الآخرين في الاعتبار.

لا تفترضوا أن ما تقدم لا يُعتد به. فكلما سُئل المستثمرون عن السبب الذي يدفعهم إلى اختيار وضع أموالهم في بلادنا، أو يشرح رؤساء الشركات لماذا انتقلوا إلى المملكة المتحدة، أو تفسر الشركات سبب رضاها عن التداول والتعامل معنا، يذكرون دوماً مدى شعورهم بالراحة والأمان. هم يدركون أننا نتقيد بالأنظمة و(معايير) العمليات التي تعمل في شكل عادل وشفاف ومتسق وموثوق به.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لذلك كلما سنحت الفرصة لترسيخ هذا التقييم، حريّ بنا انتهازها. واليوم، سنحت فرصة كهذه في مجال فرض العقوبات.

فبعد أن تركنا الاتحاد الأوروبي نملك اليوم فرصة وضع بصمتنا الخاصة في مجال الردع والعقاب، وهو في مثابة الإمساك بعصا ضخمة تحمل قدراً هائلاً من القوة، وينظر إليها الحكام والزعماء وكبار رجال الأعمال بتهيب في محله.

ولدينا القدرة على بناء نظام جديد للعقوبات الفردية لا تشوبه شوائب، لذا، سيحظى بالإعجاب والاحترام والخشية. وسيضيف إلى بريقنا باعتبارنا أمة نتصرف على النحو اللائق والصحيح.

 علينا أن ندرك بداية أن فرض العقوبات، وإدراج شخص ما على قائمة المحظورين، ليس بالأمر الذي ينبغي أن نستخف به. بل إن الأمر يعادل إدانة المعاقبين بارتكاب عمل إجرامي، وغالباً بالإقدام على شكل من أشكال الفساد في حال فرض عقوبات عليهم. وفي هذه الحالة، إذا كنا سنتولى دور القاضي وهيئة المحلفين، ينبغي لنا أن نلتزم معايير أخلاقية عالية، وأن نقر منذ البداية أن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تنص وعلى وجه التحديد المادة السادسة، على أن لكل شخص الحق في جلسة استماع منصفة.

حين نقول إنهم مذنبون وندرجهم في لائحة العقوبات من المرجح أن تلحق بهم أضرار جسيمة. فمواردهم المالية ستواجه عراقيل، ولا يمكنهم أن يتاجروا معنا، وستتضرر مكانتهم الدولية. وسيتأثر أقاربهم أيضاً، وربما دائرة المقربين منهم وشركاؤهم. ولا ينبغي لهذا أن يشكل عملاً بيروقراطياً يمارسه مسؤولون ويقرره وزير. فإذا كنا سنطبق عقوبات، علينا أن نتبع الإجراء نفسه الذي تتبعه محكمة جنائية، أي جمع أكبر قدر ممكن من الأدلة ذات الصلة وتناول القضية بدقة، بهدف إثبات مسوغات الملاحقة القضائية بما لا يدع مجالاً للشك.

وهذا ما لا نتطلع إليه في الوقت الحالي. فنحن لا نطلب سوى "أسباب معقولة للشبهة (الاشتباه)"، وهو ما لا يقترب حتى من أداء المحاكم الجنائية. ومع ذلك، يجب أن ندرك أن العقوبات، مهما كان شأنها، تنطوي على سلطة كبيرة ويمكن أن تترتب عليها عواقب دائمة وبعيدة الأجل.

وعلينا أن ننظر في مصدر هذه الأدلة. فإذا كانت صادرة عن منظمة غير حكومية فهل تلك المنظمة مؤهلة حقاً لنقل واقع الأمور (والإدانة)، ومن أين تستمد تمويلها الخاص، وما هي دوافعها الحقيقية؟

وهل يكون فرض العقوبات متناسباً؟ وهل هناك خطوات موجودة تؤدي إلى رفعها؟ نحن نريد من المعاقبين غالباً أن يُرغَموا على تغيير سلوكهم، وفي هذه الحالة لا يمكن للعقوبات أن تكون دائمة، ولا بد من وجود آلية لرفعها.

وعلينا أن نفهم خطورة ما نقوم به وأن نقر بها. وحريّ بنا أن نسعى إلى إنشاء نظام للاستئناف، وليس الاعتماد وحسب على المراجعة القضائية لقرار متخذ في الإدارة العامة. ويجب أن نسلّم بأننا إذا أخطأنا في القرار فسنقدم تعويضات كافية.، وأن ندرك كذلك أن فرض العقوبات سيُعد حتماَ علامة على ارتكاب فعل غير مشروع، ويمكن أن يضر بتحقيق ومحاكمة جنائيين.

لا أدعو إلى اعتماد نهج اللين (المهادنة)، أو ارتداء قفاز حريري، أو أسوأ من ذلك، غض الطرف عما يجري. هذا ليس ما نحن عليه، وليس المنوال الذي ينبغي لبريطانيا اعتماده. ما أنادي به الآن هو الإصلاح، والمضي قُدُماً بحكمة، وإظهار كيفية القيام بالخطوة، وتمكين الآخرين من إدراك أننا لا نسمح أبداً بالتخفف من معاييرنا، وأننا عندما نعاقب علينا أيضاً أن نتصرف بمسؤولية.

إنها كلمات شجاعة لكن الموقع الثالث في العالم مرتبة يعتد بها. ويجب أن نقاتل للحفاظ عليها، وإذا أمكن الارتقاء إلى مرتبة أعلى. لقد ثبت أن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي صعب وشاق، ولم نشعر بعد إلى أقصى حد بالآثار المترتبة عليه، لكن في هذا المجال، في أقل تقدير، نملك فرصة لإعطاء الأولوية لمواطن قوتنا وأن نكون مثالاً يُحتذى.

© The Independent

المزيد من آراء