Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرية الصحافة في العراق مهددة في ذكرى إعدام فرزاد بازوفت

شهدت الفترة الأخيرة تزايداً ملحوظاً في عمليات الاغتيال التي طالت صحافيين وباحثين ومدوّنين

لا تزال تهم العمالة تستخدم ضد الصحافيين في العراق (رويترز)

مثّل يوم 15 مارس (آذار) 1989 صدمة كبيرة للصحافيين في العالم بعد إعدام نظام صدام حسين الصحافي الإيراني المقيم في المملكة المتحدة فرزاد بازوفت، بتهم التجسس لصالح إسرائيل، الأمر الذي أدى إلى توتر شديد في العلاقة بين العراق وبريطانيا في حينها، في ظل تشكيك واسع في التحقيقات والمحاكمة. 

من هو بازوفت؟

بازوفت من مواليد عام 1958 في إيران، سافر منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى المملكة المتحدة وتخصّص في الكتابة عن الشرق الأوسط، حيث أرسل العديد من التقارير إلى صحيفة "ذا أوبزرفر" ومؤسسات صحافية أخرى. 

كان لبازوفت حضور متميز في الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، حيث كتب الكثير حولها، فضلاً عن المقالات حول قضايا أخرى تخص منطقة الشرق الأوسط.

ولعل معارضته نظام الخميني أدت إلى جعله مقبولاً في العراق، وفسحت له بالمجال لتغطية الحرب بين الطرفين.

حدث غامض 

في عام 1989 تلقى بازوفت دعوة لتغطية انتخابات إقليم كردستان، الذي كان يتمتع بالحكم الذاتي في حينها، في ذلك الوقت نشرت صحيفة "اندبندنت" قصة عن انفجار في موقع عسكري في مدينة الإسكندرية في محافظة بابل، في 19 سبتمبر (أيلول)، قالت إنه تسبب بموت نحو 700 شخص، في الوقت الذي كانت السلطات العراقية تحاول التكتم على الأمر. 

دفعت تلك القصة بازوفت إلى محاولة تغطية الأحداث، والتقى بمسؤولين في وزارتي الخارجية والإعلام العراقيتين للحصول على موافقة زيارة الموقع.
لم يتوقف بازوفت عند هذا الحد واستعان بممرضة بريطانية تدعى دافني باريش كان قد تعرف عليها كي تأخذه إلى مكان الحادث، فقام بالتقاط الصور وأخذ عيّنات من التربة. 

اعتقاله

في سبتمبر من عام 1989، وبينما كان ينتظر رحلته في مطار بغداد عائداً إلى لندن، ألقي القبض عليه وبحوزته عيّنات من التربة وصور لمكان الحادث، وتم اقتياده للاستجواب، حيث احتجز في الحبس الانفرادي 6 أسابيع. 

إثر ذلك قامت وزارة الخارجية البريطانية والعديد من المنظمات بحملات لإطلاق سراحه.

ومثّل الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1989 صدمة كبيرة لزملاء بازوفت وبقية متابعي القضية، حيث بثت السلطات العراقية شريطاً مصوراً يعترف فيه بالتجسس لصالح إسرائيل، إلا أن التقارير أشارت إلى أنه تم تعذيبه وإجباره على الاعتراف.

محاكمته

باءت جميع المحاولات بأن يحظى بازوفت بمحاكمة عادلة بالفشل، حيث تم رفض حضور المحامي البريطاني للدفاع عنه، وقبول شهادات زملائه الصحافيين أثناء الرحلة. 

وبحسب التقارير، لم تدم المحاكمة سوى يوم واحد فقط، دين إثرها وحكم عليه بالإعدام من دون أدلة قاطعة، في 10 مارس (آذار) عام 1990، فيما لم يسمح له بالاستئناف ضد الحكم الصادر بحقه.

وكان دونالد تريفور، يعمل رئيساً لتحرير "ذا أوبزرفر" في الفترة التي كتب فيها بازوفت للصحيفة، وقال عن إعدامه "كان موته بمثابة تحذير للعالم من صدام حسين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

علق تريفور على الاتهامات بالقول، إن "فرزاد بازوفت ليس جاسوساً، إنه مراسل ذهب ليغطي قصة، وهو أخبر حكومة بغداد إلى أين يريد الذهاب، هذا ليس عمل جاسوس، هذا عمل صحافي". وحكم على باريش بالسجن 15 عاماً إلا أن السلطات العراقية أطلقت سراحها بعد أشهر قليلة.

تنفيذ الإعدام

نفذ حكم الإعدام في 15 مارس من العام ذاته، وأرسلت السلطات العراقية جثمانه إلى عائلته في المملكة المتحدة. 

أدى إعدام بازوفت إلى حدوث أزمة بين بغداد ولندن، حيث استدعت بريطانيا سفيرها في بغداد وقامت بإلغاء جميع الزيارات الرسمية.

وبعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، تم الاستيلاء على وثائق تؤكد أن الرئيس العراقي حينها صدام حسين، شدد شخصياً على ضرورة إعدام بازوفت قبل شهر رمضان لدرء محاولات وساطة الحكومة البريطانية. 

وبعد سقوط نظام صدام حسين، تعقبت صحيفة "ذا أوبزرفر" عقيداً في الاستخبارات العراقية يدعى كاظم عسكر، الذي أفاد بأنه كان يعلم ببراءة بازوفت لكنه عجز عن مخالفة أوامر الرئيس. 

ونظم العديد من البريطانين مسيرات منددين بإعدامه والصمت الرسمي من هذا الحدث، فيما دفن بازوفت في مقبرة هاي جيت بالقرب من قبر كارل ماركس.

صحافة مهددة 

مثلت فترة حكم نظام صدام حسين، واحدة من أقسى الفترات وأكثرها قمعاً لحرية التعبير، إذ لم تشهد البلاد في حينها أي صحافة حرة، في حين كانت تهم التجسس والعمالة تلاحق غالبية المعارضين فترة حكمه.

وعلى الرغم من سقوط نظامه عام 2003 إلا أن حرية الصحافة لا تزال مهددة في البلاد، حيث تعد أحد أسوأ البلدان من ناحية حماية حرية الصحافة. 

ولا تزال تهم العمالة تستخدم ضد صحافيين، حيث توجه التيارات الموالية لإيران وبعض الجماعات المسلحة الأخرى مصطلح "عملاء السفارات" في وصف طيف واسع من الصحافيين والناشطين المعارضين للمليشيات والنفوذ الإيراني في البلاد.

وشهدت الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد الانتفاضة العراقية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، تزايداً ملحوظاً في عمليات الاغتيال التي طالت صحافيين وباحثين ومدونين. 

وتسببت حملات التحريض تلك بمقتل العديد من الصحافيين والباحثين وعلى رأسهم الباحث في الشأن السياسي هشام الهاشمي، فضلاً عن عدد من المراسلين والمدونين والناشطين، حيث شنت عليهم حملات من منصات على صلة بالجماعات المسلحة اتهمتهم بالعمالة لسفارات أجنبية.

تغييرات شكيلة 

في السياق، يقول رئيس "النقابة الوطنية للصحافيين العراقيين"، ياسر السالم إن "القوى التي كانت تعارض صدام جاءت بالثقافة ذاتها مع تغييرات طفيفة بالشكل وليس بالمضمون".

ويوضح لـ"اندبندنت عربية"، أن "غالبية الصحافيين الذين يعبّرون عن آرائهم بشكل واضح وينتقدون بعض القوى السياسية، باتوا مدانين ومتهمين من قبل طيف واسع من الجهات"، مبيناً، أن تهماً عديدة باتت تستخدم ضدهم أبرزها "العمالة لجهات خارجية والاندساس وصفات أخرى تهدف للإطاحة بحرية التعبير في البلاد".

ويبدو أن استخدام مصطلح "عملاء السفارات" والذي يطلق من منصات على صلة بجهات سياسية، يهدف إلى "تهيئة الأجواء لتقبل الاستهدافات التي يتعرض لها الصحافيون"، كما يعبّر السالم، الذي يشير إلى أن "ما يجري في العراق يمثل امتداداً لما حصل مع بازوفت وغيره من الصحافيين في فترة حكم صدام من قمع وترهيب". 

ويلفت إلى أن "نظام صدام حسين كان يستخدم محكمة الثورة التي لا تمتلك الشرعية القانونية في قمع حرية التعبير، أما الآن فيتم استخدام فرق الموت وكواتم الصوت وعمليات الخطف لتصفية خصوم الأطراف السياسية".

ويتابع "بحسب معايير المنظمات الدولية، يتذيّل العراق سنوياً قائمة حرية العمل الصحافي"، مشيراً إلى أن "فرص الصحافيين في العمل المهني تكاد تكون ضئيلة جداً، حيث يمثل السلاح المنفلت والمال السياسي الذي يتلاعب في وسائل الإعلام التحدي الأكبر بالنسبة لهم".

ويختم "في العراق مئات من بازوفت وأكثر من 400 ضحية في الصحافة، ويمثل ضحايا القوى السياسية عدداً غير قليل من هؤلاء".

ويعاني الصحافيون العراقيون من قمع شديد للحريات تمارسه جهات سياسية وجماعات مسلحة، حيث بات العراق يحتل المرتبة 156 من أصل 180 دولة، في مؤشر حرية الصحافة لعام 2019 الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود".

المزيد من تقارير