Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجزائر تعيد فتح ملف الفرق الصوفية

تنتشر في البلاد 1600 زاوية و14 طريقة ويعود تاريخها إلى القرن العاشر الهجري

يبلغ عدد الزوايا الصوفية في الجزائر 1600 (أ ف ب)

أعاد دفن رجل دين داخل مسجد في إحدى مناطق الجزائر الصحراوية، النبش في ملف الصوفية والزوايا، الذي أثار الجدل مرات عدة، سواء بسبب ممارسات مجتمعية أو تدخلها في السياسة. 

اعتداء على الصوفية

ولم يكن الفكر الصوفي ونشاط الزوايا يقلق الجزائريين في وقت سابق، غير أنه ومنذ الأزمة الأمنية التي شهدتها البلاد خلال التسعينيات، بدأت القضية تأخذ منعرجاً غير الذي ألفه المجتمع، بعد أن حدث صدام عنيف بينها والحزب الإسلامي المحظور، الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي استولت على زمام الأمور في تلك الحقبة، وفرضت منطقها "السلفي" الذي لا يقبل النقاش أو المجادلة.

واختفت المدارس القرآنية والزوايا وتراجع النشاط الصوفي خلال فترة "الإرهاب الأعمى"، الذي حاربها بقوة عبر الحرق والتهديم، واستهدف زعماءها وأنصارها ومنتسبيها من خلال القتل والاختطاف، ليعيد الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة إحياءها بعد أن منحها أولوية كبيرة في مختلف برامجه، حيث أعاد بناء المهدمة منها ونظم نشاطها ومنح زعماءها الامتيازات والحقوق، وبات عدد من الوزراء والمسؤولين يرتادون بعضها ويحضرون نشاطاتها، ليتجاوز تأثيرها تدريس القرآن والمنهاج الصوفي إلى اعتبارها قوة سياسية بدور كبير داخلياً وخارجياً.

والزاوية الدينية هي مدرسة لتعليم القرآن تعتمد فكر التصوف، ويترأسها المقدم وهو شيخ الزاوية، الذي يحظى بمكانة اجتماعية مرموقة.

بلد التصوف

وأكد الباحث في علم الاجتماع الديني مصطفى راجعي، أن الجزائر بلد التصوف بامتياز، والثقافة الجزائرية صوفية تقوم على دور الرجال الصالحين والأولياء، وهم شخصيات كاريزمية كسبت احترام ومحبة وتعظيم سكان الأرياف، لأنها قدمت كل الخدمات التي كان يحتاجها المجتمع من أمن وتعليم ورعاية وحل النزاعات، بخاصة خلال الفترات التي شهدت تراجع وضعف الحكومات الموجودة في المدن، موضحاً أن مؤسسة الزاوية شكلت ظاهرة فريدة بلعبها كل الأدوار التي تقوم بها الدولة الحديثة. 

وأضاف راجعي أن الجزائر شهدت عدداً من الزوايا المرتبطة بالطرق الصوفية، وأقدمها كانت الطريقة القادرية خلال القرنين الـ 10 والـ 11، ثم الطرق الشاذلية والدرقاوية في القرن الـ 16، وأخيراً الطريقة التيجانية في القرن الـ 18، وأيضاً الطريقة الرحمانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار إلى أن وجود الأضرحة في كل مناطق البلاد يؤكد تعلق السكان بـ "أضرحة الصالحين"، مشدداً على أنهم يدفنون في مقابر خاصة ملكية عائلية وقفية، حيث تكون محل رعاية وصيانة من قبل العائلات المرتبطة بالزوايا، وتصبح الأضرحة محل زيارات دينية من قبل أحباب الزوايا. 

وقال إن الدفن في مواقع عائلية أمر شائع في الجزائر، وليس خاصاً بالزوايا وحسب، فالجزائريون تقليدياً يدفنون موتاهم في مقابر العشيرة والقبيلة والعائلة وهم من يسيرونها، وعليه فإن وجود "أضرحة الصالحين" داخل الزوايا والمساجد تقليد جزائري قديم معمول به، ولم نسمع بالاعتراض على هذا الدفن العائلي الخاص إلا من قبل المتأثرين بالمذهب الحنبلي القادم من المشرق.

ظاهرة غير صحية

في المقابل، يعتبر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر حبيب بريك الله، أن الحديث عن دور الزوايا وتأثيرها على المجتمع يسوقنا إلى استذكار نشاطها المهم والإيجابي خلال الاستعمار الفرنسي في مواجهة كل محاولات تجهيل الشعب الجزائري، وتجريده من هويته ودينه وأصالته، مشيراً إلى أن دور الزوايا وبعض الطرق الصوفية استمر إلى الآن عبر التعليم والدعوة إلى إحياء كل الشعائر الإسلامية. 

وأوضح أن "ما نراه في وقتنا الحالي من ممارسات غريبة لبعض من يسمون أنفسهم الصوفية وشيوخ الزوايا، لا يمت بصلة لتعاليم الدين الإسلامي ولا تقاليد المجتمع الجزائري، كظاهرة دفن شيوخ الزوايا داخل المساجد". وختم أنها ظاهرة غير صحية عُرفت بها بعض الدول العربية التي اتخذت منها سبيلاً لتنشيط السياحة الدينية.

1600 زاوية و14 طريقة

لعبت الزوايا دوراً كبيراً في الحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية للشعب الجزائري، كما منحتها السلطات العمومية أهمية بالغة بعد استقلال البلاد، بدليل بلوغ عددها حوالى 1600 زاوية وفق إحصاء وزارة الشؤون الدينية والأوقاف.

وتتخذ كل زاوية اسم شيخها مثل الطريقة القادرية، نسبة إلى الشيخ عبدالقادر الجيلاني، والطريقة التيجانية إلى سيدي أحمد التيجاني، وطرق أخرى تختلف في فكرها الديني بشكل وآخر، لتصل إلى 14 طريقة لكل منها مقر رئيس ومجموعة كبيرة من الفروع. 

وعلى الرغم من أنها ترفض الانخراط بشكل مباشر في الحياة السياسية، إلا أن المشرفين عليها يوالون الحكومة القائمة ويطلبون من الشعب دعمها، وكذا التصويت لمرشح السلطة.

ظاهرة سائدة

من جانبه، يرى الإعلامي المهتم بالشأن السياسي حكيم مسعودي أن دفن شيوخ الزوايا والأولياء الصالحين داخل المساجد، ظاهرة سائدة في المجتمع الجزائري، وكثير منها إن لم تكن أضرحة ومزارات، فهي مساجد تسمى بأسمائهم أو تنسب إليهم. 

وقال إنها حقيقة متجذرة في المجتمع ولها خلفيات تاريخية ومذهبية، بخاصة أن الجزائر منفتحة على عدد من الطرق الصوفية التي مثلت السلطة الروحية وحتى السياسية منذ أكثر من ستة قرون على الأقل، بل كانت الصورة النمطية للالتزام والتدين، مضيفاً أن الدفن داخل المساجد ليس المظهر الوحيد، بل أمكنة عدة اتخذت تسميات موصولة بهم على غرار البلدات والعيون والمنابع والأحواض والقمم الجبلية والشرفات الصخرية وغيرها.

وأشار مسعودي إلى أن قطاعاً كبيراً من المجتمع لا يزال يعتقد بالانتساب إلى من يسمون بالأشراف، وبالتالي يرون في دفن "الشيخ" وما يترتب عليه من تحوّل المكان إلى معلم مقدس، تثبيتاً لقدسية نسبهم "الشريف" الذي سيتفاخرون به في ما بعد. 

وقال إنه مع ظهور الوعي الديني، أصبح الجزائريون في عمومهم يرفضون هذه الممارسات التي تدخل ضمن البدع والمستحدثات من الدين، مشيراً إلى أن نشاط الزوايا والصوفية عموماً لم يعد له وقع مؤثر في المجتمع الجزائري اليوم.

المزيد من تقارير