Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ماتريوشكا"... موسكو تهدي العالم لعبة الأقنعة

الدمية أيقونة روسية... وتذكرة خروج من البلاد لا تخلو من إسقاط سياسي أممي

عرائس ماتريوشكا الروسية على هيئة فلاديمير بوتين ودونالد ترمب (أ.ب.)

إن لم تصطك محتويات أكياس الركاب الصاعدين على الطائرة العائدة من موسكو إلى أي مكان في العالم اصطكاكاً يوحي بمحتويات خشبية ومقتنيات فلكلورية، فإن رحلتهم المنهكة إلى الدب الروسي ستظل منتقصة لحين الحصول على ما بين 5 و7 دمى خشبية بالتمام والكمال.

"ماتريوشكا"... صك الزيارة

اكتمال الرحلة إلى روسيا، سواء كانت أشهراً قليلة للدراسة والبحث، أو أسابيع عديدة للزيارة والسياحة، أو أياماً معدودة للمشاركة في مؤتمر أو المتابعة في رحلة عمل لا يتحقق إلا بالحصول على هذه الدمية الخشبية التي تحمل الكثير من القيل والقال، وتعبر دون صخب وكلام عما جرى وكان في تاريخ روسيا الحديث وحاضرها المرتكز على ماضيها.

أقدم الدمى الخشبية

الماضي الحديث ينبئنا عبر مواقع بيع المقتنيات العنكبوتية عن توافر إحدى أقدم الدمى الخشبية الروسية "ماتريوشكا" لدى أحدهم في مدينة دوسلدورف الألمانية بمبلغ ألف دولار أميركي، وأخرى نادرة عليها توقيع صانعها في عام 1900 بـ500 دولار، وثالثة يقال إنها الأصلية الوحيدة المتبقية حيث الدمية الأولى لينين، والثانية ستالين، والثالثة خروتشوف، والرابعة بريجينيف، والخامسة غورباتشوف.

أما الحاضر فيخبرنا أن مجموعة الـ"ماتريوشكا" في متناول الجميع. أصحاب الميزانيات المحدودة يمكنهم الحصول على المجموعة الأولية بنحو 600 روبل (نحو 9 دولارات أميركية) وتتدرج الـ"ماتريوشكا" بحسب القدرات الشرائية لتصل قيمتها إلى مئات الدولارات. لكن تظل قيمة الـ"ماترويوشكا" الحقيقية كامنة في أصلها وفصلها من جانب، وفي شدها وجذبها مع التاريخ والجغرافيا وعلوم الإسقاطات السياسية.

أصل "ماتريوشكا"

كلمة "ماتريوشكا" مشتقة من كلمة "ماتريونا" النسائية وتعني امرأة. وتشير المراجع الروسية الثقافية إلى أن "ماترويوشكا"، وفي أقوال أخرى "بابوشكا"، هي امرأة روسية ريفية ترتدي "سرفان"، وهو رداء روسي عبارة عن فستان واسع طويل ارتدته النساء في روسيا منذ عام 1376 وحتى القرن الـ20، ويظل لباساً فلكلورياً روسياً حتى اليوم.

الـ"سرفان"... ميراث الجدة

"إلينا" بائعة الـ"ماتريوشكا" الستينية في محل هدايا "ميموزا" تقول بفخر شديد إنهها تمتلك "سرفان" كانت تمتلكه جدتها، وإنها ستعطيه لزوجة ابنها قريباً لأنها لم تنجب بنات. وتشير إلى عشرات الـ"ماتريوشكا" المرصوصة بأحجام متفاوتة في محل الهدايا وتقول إن كل من يأتون إلى هنا من الأجانب يشترون هذه الدمى الخشبية لأنها تعني إنهم زاروا روسيا.

لكن ليس كل من زار روسيا يعرف أصل هذه الدمى التي تخيف البعض، وتبهج الآخر، وتثير شهية فريق ثالث للبحث والتقصي في أصول الـ"ماتريوشكا". الروائي المغربي أنيس الرافعي  يقول في كتابه "مصحة الدمى" "إن هذه الدمية الخشبية تحوي في داخلها عدداً يبدأ بخمس، وفي أغلب الأحوال ينتهي بسبع، لكن هناك ما هو أكثر بكثير من الدمى ذاتها بأحجام أصغر. وهي ذات شكل بيضاوي مسطح، وتنقسم إلى جزءين علوي وسفلي قابلين للانفصال".

تاريخ الدمية

ظهرت هذه الدمية في تسعينيات القرن الـ19 حين صنع الفنان الروسي فلاديمير زفيوزدوتشكين هذا الشكل المبني على التداخل والانقسام. وكعادة مثل هذه الأيقونات، فإن أسماء عدة يتم طرحها في كتب التأريخ والفلكلور باعتبارها صاحبة الابتكار. فأستاذة الأدب الروسي في كلية الألسن جامعة عين شمس الدكتورة دينا محمد تقول إن "الفنان الروسي الذي ابتكر شكل الـ"ماتريوشكا" هو سيرجي ماليوتين، وأنه صممها على غرار دمية كانت تصنع في جزيرة هونشو اليابانية على شكل رجل حكيم عجوز أصلع". قصص أخرى تشير إلى أن "الروس قديماً كانوا يصنعون بيض عيد الفصح على شكل أجوف قابل للانفصال".

غير أن موقع "روسيابيديا" التابع لمؤسسة "روسيا اليوم" يشير إلى أن "أول "ماتريوشكا" أنتجت في عام 1890 على يد نحات الخشب فاسيلي زفيوزدوتشكين والمصمم سيرجي ماليوتين (المشار إليه أعلاه) في إحدى ورش موسكو الصناعية. وكان النموذج الأول يحوي ثماني دمى على هيئة فتيات وفتيان ورضيع. أما أكبر ماتريوشكا، فهي تلك التي تم تصنيعها في عام 1970 وعُرِضت في معرض فني في اليابان وكانت تحتوي على 72 دمية متداخلة بقيمة 3 آلاف روبل، وهو ما يقدر اليوم بنحو 50 دولارًا أميركياً". يشار إلى أن سعر أفضل السيارات الروسية في ذلك الوقت كان يقدر بنحو 200 دولار أميركي!

وبعيداً عن الأصل الحقيقي لـ"ماتريوشكا" تبقى حقيقة كونها رمزاً مرتبطاً في أذهان العالم بكلمة "روسيا" (الاتحاد السوفييتي سابقاً) أمراً واقعاً. واقع الاتحاد السوفييتي يشير إلى أن "ماتريوشكا" حتى لو لم تكن من مقتنيات كل بيت روسي بالضرورة.

"من الضروري معرفة أن ماتريوشكا، رغم أهيمتها السياحية والاقتصادية في روسيا، فإنها لا تشكل مكونًا رئيسياً أو حتمياً في داخل البيوت هنا. هي مثل النماذج الصغيرة التي تباع في مصر مثلاً لأهرامات الجيزة وأبوالهول ورأس توت عنخ آمون. يعرفها الجميع ويحبونها، لكن لا يتوجهون لشرائها وتزيين بيوتهم بها. هي كذلك بالنسبة للزوار والسياح الذين يحرصون على حمل ما يفيد زيارتهم لمكان ما، أو لإهدائها لصديق أو قريب". ويضيف المصري المقيم في روسيا سامح حسين، 44 عاماً، أنه طيلة السنوات العشر التي أقام خلالها في روسيا لم يشعر أن "ماتريوشكا" تشغل بال الروس كثيراً، "لكنها حتماً تغشل جانبا لا يستهان به من اقتصادهم لا سيما على الصعيد الشعبي".

صناعة الـ"ماتريوشكا"  

شعبياً، يتم تصنيع "ماتريوشكا" في ورش تتراوح بين صغيرة وكبيرة، حسب حجم العمل، ومن ثم توريدها للمحال التي تبيعها بمستوياتها المختلفة عبر روسيا مترامية الأطراف، ولعل ذلك ما يفسر التراوح الشديد في أسعارها بين 500 روبل وبضع آلاف من الروبل. ويبدو أن الصين حاولت الدخول على خط "ماتريوشكا" حيث خطوط الإنتاج التي تنتج كميات كبيرة ميكانيكياً حيث أوراق ملونة تمثل الدمية الشهيرة، يتم لصقها على الجسم الخضبي المنحوت بالماكينات، لكنها لم تنجح في منافسة "ماتريوشكا" الروسية حتى وإن كانت بربع ثمنها. موقع "علي بابا" الشهير للتجارة الإلكترونية يحوي عروضاً عديدة لدمى متداخلة، لكنها أقرب ما تكون إلى لعب الأطفال الرخيصة والتي لا تحمل ملامح "ماتريوشكا" الروسية.

"ماتريوشكا" الروسية المعروضة في المحال الروسية تحمل ألواناً وأشكالاً وتصميمات مختلفة جميعها يرتدي الـ"سرفان" وغطاء الرأس الروسيين التقلديين للنساء الريفيات الروسيات في القرن الـ19، باستثناء "ماتريوشكا" بوتين.

تقول "إلينا" البائعة في محل الهدايا في مدينة "سوتشي" بحرص شديد وحنكة بالغة: "لدينا ماترويشكا تمثل الرئيس بوتين لمن يحب أن يقتنيها. وتباع للمعجبين ولكن زبائن بوتين يختلفون عن زبائن الدمية الأصلية. لا أظن أن الأمر يتعلق بالسياسة بقدر ما يتعلق بسبب اقتناء ماتريوشكا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن إنجليزية "إلينا" تعثرت فجأة بسؤالها عما إذا كانت "ماتريوشكا" الرئيس الروسي بوتين تُصنع على سبيل الإعجاب أم الدعابة السياسية؟. لكن الإجابة تأتي عبر عرض الحصول على "ماتريوشكا" تبدأ بلينين وتمر بستالين وغورباتشوف وبريجينيف وتنتهي بخوروشوف في مقابل 53 دولاراً أميركياً على أحد مواقع البيع العنكبوتية، لكن في المقابل هناك عرض على موقع آخر لشراء "ماترويشكا" تبدأ ببوتين وتمر بيلتسين وغروباتشوف وستالين وتنتهي بلينين في مقابل 18 دولاراً فقط، وعروض الزعماء الروس لا تنتهي.

ويظل رئيس الاتحاد السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف متربعاً على عرش الـ"ماترويشكا" السياسية، وإن كان سبب التربع غير معروف، هل هو تحبباً وتعظيماً للرجل أم معاداة وسخرية منه!

وكون غورباتشوف هو السياسي الروسي الأكثر شعبية في الغرب إذ تم إلغاء مكتب رئيس اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية في عهده، وتم إنزال علم الاتحاد السوفييتي الأحمر ليلاً من على مبنى الكرملين للمرة الأولى في تاريخ الاتحاد السوفييتي، ليحل محله علم روسيا بألوانه الثلاثة ليرحل غورباتشوف ومعه الاتحاد السوفييتي في ديسمبر (كانون الأول) عام 1991، يعني أن محبي اقتناء دُمَاه المتداخلة إما داعمين لحل الاتحاد وراغبين في تخليده بدمية فلكلورية، أو معارضين للحل وراغبين في السخرية منه بدمية ذات شكل كاريكاتيري لا يخلو من تهكم، ومازال يحمل قدراً من البكاء على لبن الاتحاد المسكوب.

ويُعبِّر لبن الاتحاد السوفياتي المسكوب عن نفسه بشكل أوضح عبر مواقع بيع وصفحات ترويج للدمية الروسية الفلكلورية الأبرز "ماتريوشكا" ومقارها مدن عدة في الولايات المتحدة الأميركية. البعض منها لا يكتفي بتصنيع "ماتريوشكا" التقليدية في عقر دار العدو التقليدي، بل يصنع "ماتريوشكا" تمثل أوباما وأسرته، وترامب وأسرته، وعرضها للبيع والتوصيل عبر طلبات عنكبوتية، ويصل الأمر إلى سرد وتحليل وتفسير قيمة ومكانة "ماتريوشكا" في العالم.

وبعدما كان المصدر الوحيد للحصول على الدمى المتداخلة بملابسها التقليدية وملامحها الروسية هو المدن الروسية، بات الحصول عليها ممكناً عبر مواقع وصفحات تبدأ بـ"علي بابا"، وتتنتهي بأميركا لكن جميعها يمر بروسيا سواء على سبيل الفكاهة السياسية، أو الهدايا الرمزية، أو الجمع بينهما في رسالة الألفية الثالثة وقوامها أن العالم أضحى قرية صغيرة، و"ماتريوشكا" أصبحت دمية أممية.

المزيد من منوعات