Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رادو جود يهاجم مهرجان برلين وفيلمه الفائز يفضح رومانيا

نقد لاذع للمجتمع الروماني المتأرجح بين الماضي والحاضر وبين الأدلجة والليبرالية

كاتيا باسكاريو في الفيلم الروماني الفائز (الخدمة الإعلامية للمهرجان)

كوميديا فاضحة وساخرة ومستفزة نالت "الدب الذهبي" في الدورة الحادية والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الذي أُقيم "أونلاين" للمرة الأولى في تاريخه. الفيلم المقصود هو "مضاجعة فاشلة أو بورنو مجنون" للروماني رادو جود، البالغ من العمر 43 عاماً، علماً انه كان سبق أن نال جائزة أفضل مخرج عن "عفارم" قبل ست سنوات في المهرجان نفسه. درس جود السينما في بوخارست، وانطلق في مسيرته كمساعد مخرج، ثم في العام 2006 قدم فيلماً روائياً قصيراً تحت عنوان "الأنبوب ذو القبعة"، فنال عنه أكثر من 50 جائزة حول العالم. الرقم 50 هو أيضاً عدد المهرجانات التي شارك فيها رادو مع فيلمه الروائي الطويل الأول "أسعد فتاة في العالم" (2009).

منذ ذلك الوقت شق طريقه بنجاح في عالم المهرجانات السينمائية بحفنة أفلام فرضته كواحد من المؤلفين السينمائيين الأوروبيين الذين يجب متابعتهم. "لا أكترث إذا دخلنا التاريخ باعتبارنا برابرة" (2018) أكد موهبته ونزعته إلى نبش الماضي والحاضر الرومانيين والإشارة إلى تفاصيل مزعجة. هذا الفيلم وفيلمه الجديد يكملان بعضهما بعضاً، وليس من المبالغة القول إن مشاهدة أحدهما تجعل مشاهدة الثاني أكثر متعةً. الفيلمان يتشاركان النقد اللاذع للمجتمع الروماني المتأرجح بين الماضي والحاضر، وبين الأدلجة والليبرالية. باختصار، نقد لا يوفر أحداً. 

مصالحة ونكران

إذاً، يمكن القول إن فيلم "لا أكترث إذا دخلنا التاريخ باعتبارنا برابرة" وضع نوعاً ما ركائز الخطاب الذي تطور إلى مستوى آخر في جديد رادو جود. فهذا الفيلم الذي شاهدناه قبل ثلاث سنوات هو عن التاريخ الروماني الذي ينكره عدد كبير من الرومانيين، خصوصاً اليمينيين والشوفينيين والتحريفيين منهم. بطلة الفيلم مخرجة تستعد لتقديم عرض شعبي كبير عن مجزرة أوديسا (1941). الهدف من هذا العرض هو قول بعض الحقائق عن صفحة سوداء من تاريخ رومانيا. إنها صفحة لطالما سعت السلطات لتمزيقها من كتاب التاريخ، تورط رومانيا في قتل ليس أقل من 30 ألف يهودي في أوديسا خلال الحرب العالمية الثانية تحت حكم الطاغية الماريشال أنتونيسكو. تحاول المخرجة فرض هذه الحقائق بقوة ووضعها في تصرف الجمهور العريض، في نوع من مصالحة تاريخية مع الماضي تضع حداً للنكران والنسيان. إلا أن هذا كله لن يمر بسلاسة في محيط المخرجة الذي يرى في هذه المباردة استفزازاً وركلة في وكر دبابير. وبعضهم يخشى أصداء مثل هذا العرض الذي "يحرف" التاريخ المتفق عليه.

عندما حاورتُ جود للحديث معه عن هذا العمل، أدركتُ كم يكن للفيلم معزة خاصة. فهو عندما قرأ للمرة الأولى عن مجزرة أوديسا عندما كان مراهقاً، طلبت منه أمه الكف عن قراءة "هذه الأمور السخيفة، لأنها لم تحدث". هذه لحظة تأسيسية اشتغل عليها جود لبناء فيلمه الذي يستند إلى مراجع أدبية، من هانا آرندت إلى ميهايل سيباستيان فإسحق بابل.

فيلم سجالي

اليوم، يعود جود بفيلم أقوى جماهيرياً، سيحدث كثيراً من النقاش في رومانيا وأوروبا والعالم. وهو بلا أي شك امتداد أكثر جنوناً لـ"لا أكترث إذا دخلنا التاريخ باعتبارنا برابرة"، وأقل ما يُقال فيه إنه مثير للجدل، ومن الواضح أن لجنة التحكيم كانت مدركة تماماً لهذه الحقيقة عندما أرادت تسليط الضوء على عمل يخرج عن المألوف، ولا يشبه أياً من الأفلام الأخرى المتسابقة على الجوائز. 

يمكن تلخيص "مضاجعة فاشلة وبورنو مجنون" المقسوم إلى ثلاثة فصول، بالآتي: في الفصل الأول، نتعرف على أستاذة مدرسة (كاتيا باسكاريو) تجوب شوارع بوخارست بعدما سُرب مقطع مصور لها وهي تمارس الجنس مع زوجها. انتشار هذا المقطع الذي بات يعرض على مواقع جنسية، أحدث فضيحة كبيرة في البلاد، لا سيما أنها أستاذة وعليها بالتالي أن تكون نموذجاً للأخلاق الحميدة والسلوك الحسن في نظر حراس الفضيلة، وما أكثرهم في رومانيا. هذا هو بإيجاز الفصل التمهيدي الأول، حيث نرى المقطع مع كامل العملية الجنسية، كما أننا نكتشف شوارع وأزقة وساحات من بوخارست التي لا يحتاج المُشاهد إلى كثير من الجهد ليكتشف بشاعتها، فالرأسمالية والاستهلاك استوطنا فيها بلا أي رحمة. الفصل الثاني هو الأكثر جنوناً، شيء أشبه بأنتولوجيا، تفكيك لمفاهيم كثيرة منتشرة بين الناس تجسد الثقافة الشعبية اليوم في رومانيا.

الكلمات والتعابير والمواقف كلها تصبح مادة للعب والسخرية من جانب المخرج. تجميع للمواضيع الجدلية. هذا الفصل ينطوي على نكات، وخبريات تاريخية، ولقطات أرشيفية، كلها بهدف فضح الرجعية الرومانية، وذلك على المستويات كافة، من السياسة إلى الدين. أما الفصل الثالث الأخير، فهو محاكمة الأستاذة العلنية في جلسة يحضرها أهالي الطلاب ويشارك فيها أيضاً ممثلو العسكر ورجال الدين، حيث ستواجه اتهامات بالفسق والفجور. لكن الأستاذة ستدافع عن نفسها كاشفة ازدواجية المعايير والنفاق في المجتمع الروماني.

مفاهيم خاطئة

خلال هذه الجلسة الهزلية، يكتشف المُشاهد الأفكار الرجعية والمفاهيم الخاطئة التي يرزح تحتها المجتمع الروماني الحديث، الشيء الذي يسمح للمخرج بتقديم عمل شديد النقد حيال شعبه وبلاده ومناكفة الجميع، لا بل بلوغ مستوىات عالية من الهجاء السياسي. من الهوموفوبيا إلى العنصرية فالذكورية، هذا كله يصبح على الطاولة في جلسة إدانة أفعال الأستاذة. إلا أن المسألة التي تعود مجدداً مرة جديدة بعد فيلم "لا أكترث إذا دخلنا التاريخ باعتبارنا برابرة" هي معاداة السامية. فأهالي الطلاب يتهمون الأستاذة بأنها يهودية في موقف واضح وصريح من اليهود، موجود بقوة في المجتمع اليهودي، وكان رادو تناوله معي في حديثنا معاً. قال: "كراهية اليهود مصدرها الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية التي كانت دائماً معادية لهم. المسألة تتعلق أيضاً بشعب لم يعرف يوماً كيفية التعاطي مع الغريب. بعد الحرب العالمية الأولى، عندما توسعت رومانيا، فجأةً وجد هذا البلد، الذي لطالما كان متجانساً إثنياً، في ديموغرافيته الجديدة يهوداً. فصار الرومانيون يسألون بعضهم بعضاً، "ماذا يفعل هذا الشخص هنا؟". كانت هذه نتيجة الحصول على باسارابيا وبوكوفينا الشمال بعد الحرب. وكان فيها يهود! هذا أسهم في تغذية الحقد ضد اليهود. اليوم، لم يعد هناك يهود في رومانيا. ولكن ثمة قناعة قوية عند الناس أن هناك مؤامرة كونية خلفها اليهود. أسمع كثيراً عن هذه الفكرة الغبية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد فوز الفيلم بـ"دب" برلين من أيادي لجنة تحكيم تتألف من ثلاث مخرجات وثلاثة مخرجين كانوا فازوا بـ"الدب" في السنوات الأخيرة (من بينهم الرومانية أدينا بينتيلي، (عبر رادو جود عن تأييده لفكرة مهرجان افتراضي، لا بل قال إنه يتطلع إلى مزيد من هذه المهرجانات في المستقبل. اعترف أنه لا يحب "هراء السجادة الحمراء"، فهو سعيد جداً بأنه لم يضطر إلى المشاركة في حفل مملوء بالبهرجة لتسلم جائزته، ذلك أن قناعاته السينمائية لا علاقة لها بهذا النوع من التهريج. "الوسط الأدبي"، قال، "لا يلجأ إلى هذا النوع من الغلامور للفت النظر. عندما تزور معرض الكتاب، لا تجد أشخاصاً بملابس أنيقة. فقط ناس يحبون الكتب، وكتاب يكتبونها، يلتقون بعضهم لبعض، وهذا كل شيء. لا ترى كل هذا الهراء، من سيارات فارهة وسجادة حمراء. أفهم أن المهرجان يكلف المال، ولكن هذا العام غابت هذه المظاهر، وأنا سعيد!". 

كشف رادو جود أنه صور فيمله خلال الإغلاق الذي تسبب به تفشي وباء كورونا، ما تطلب ارتداء فريق العمل الكمامات والتزام المسافة الآمنة، تطبيقاً لقواعد التباعد الاجتماعي. ويبدو أن هذا لم يعرقل عملية التصوير، بحسب جود الذي قال، "السينمائيون الذين يأتون من بلدان صغيرة، اعتادوا العثور على حلول غير اعتيادية، لأننا كنا دائماً نعمل في ظروف متأزمة ولطالما كان علينا أن نتكيف مع الظروف كي نبدع". 

 

 

المزيد من سينما