Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودان يسابق الزمن لتلافي أضرار الملء الثاني لسد النهضة

تواصل الخرطوم والقاهرة حراكهما الدبلوماسي للضغط على إثيوبيا

خزان الروصيرص في السودان (اندبندنت عربية - حسن حامد)

مع اقتراب الموعد المحدد من إثيوبيا للملء الثاني الأحادي لسد النهضة، في يوليو (تموز) المقبل، الذي بات شبه مؤكد، على الرغم من اعتراض دولتي الممر، السودان ومصر، وتجديدهما التمسك بضرورة أن يسبق ذلك التوصل إلى اتفاق قانوني ثلاثي ملزم، تتزايد مخاوف السودان من الإفرازات والتداعيات المتوقعة، بخاصة في ظل جمود المفاوضات، ما دفعه إلى اتخاذ تدابير استثنائية تحوطية للتعامل معها، من خلال إقرار سياسات مائية جديدة، وخطط تشغيلية إسعافية لخزاناته وسدوده، تحسباً لأسوأ الاحتمالات، واستباقاً للشروع في عملية الملء.

أسوأ الاحتمالات

تستدعي الخرطوم  تجربتها المريرة جراء الملء الأول في العام الماضي، بنحو 4.5 مليار متر مكعب، بينما سيكون الملء الثاني بما يقارب 3 أضعاف السابق، بمقدار حوالى 13.5 مليار متر مكعب، أي الأمر الذي يتوقع معه أن تتضاعف مشكلات المياه التي سيعانيها في الصيف المقبل.

وفيما يبدو شبه سباق مع الزمن، شرعت الحكومة السودانية في خطوات عملية، تحسباً لأسوأ الاحتمالات والأضرار، وعلى رأسها الصعوبات المنتظرة في تشغيل خزان الروصيرص في ظل غياب الاتفاق والمعلومات اليومية للتصريفات المائية للسد الإثيوبي إلى جانب النقص في كميات المياه الواردة، ما سيفقد سد مروي حوالى 30 في المئة من حجم توليده الكهربائي، والانعكاسات الأخرى على محطات مياه الشرب.

وعكفت لجنة مشتركة بين وزارتي الري والموارد المائية والطاقة والتعدين، شكلت مطلع الشهر الماضي، على وضع السياسات المائية الجديدة اللازمة، وإعداد الحلول والبدائل المطلوبة لمواجهة التداعيات المتوقعة لملء بحيرة السد، في الصيف المقبل.

تحوطات وإجراءات

وضعت اللجنة حزمة من الإجراءات والتحوطات العاجلة، لامتصاص وتخفيف الأضرار المتوقعة، بالتشديد على إحكام التنسيق بين كافة جهات الاختصاص في مجالات مياه الشرب والري والزراعة والتوليد الكهرومائي، خلال الصيف المقبل، المتزامن مع برنامج الملء الثاني للسد.

وأوضح المهندس بله عبدالرحمن، مقرر اللجنة المشتركة والمدير العام للموارد المائية وشؤون نهر النيل في وزارة الري، أن الترتيبات والإجراءات الاستثنائية ستكون جاهزة للتنفيذ قبل نهاية مارس (آذار) الجاري، لتمكين البلاد من تجاوز مضاعفات تلك الفترة ومرورها بأمان وسلامة.

خطط تشغيل السدود

وكشف عبد الرحمن أن الملامح الأساسية للإجراءات الاحترازية، تقوم على إحداث تغييرات كبيرة في الخطط التشغيلية للمنشآت المائية، بالتركيز على التخزين المبكر وزيادة نسبته، بالاعتماد على الوارد المحلي من المياه، مع اتخاذ كافة التحوطات التخزينية اللازمة بالنسبة إلى خزان الروصيرص على النيل الأزرق، واللجوء إلى استخدام تصريفات خزان جبل أولياء على النيل الأبيض، بتعزيز الاستفادة من ارتفاع منسوب بحيرة فيكتوريا التي يشهد واردها من المياه تحسناً ملحوظاً هذه الأيام، لاستخدامه في تعويض الفاقد المتوقع جراء عمليات ملء السد الإثيوبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتوقع مقرر اللجنة المشتركة أن تقع الأضرار الأكبر في قطاعي الزراعة والكهرباء، ما يعني ضرورة التحسب بجاهزية التوليد الحراري لسد الفجوة، بسبب احتمال أن يقتصر التوليد الكهربائي على الوارد الطبيعي فقط من مياه النيل الأزرق.

وحول مخاطر التشغيل ما بعد عملية الملء، في غياب الاتفاق الملزم وتبادل المعلومات، لفت عبد الرحمن إلى أن ذلك يشكل مخاطر من نوع آخر، أهمها التهديد المباشر للسدود والخزانات في غياب المعلومات التي تبنى عليها برامج وسياسات التشغيل، وبالنظر إلى أن طاقة السد الإثيوبي تفوق الخزانات السودانية بعشرة أضعاف، ما يضاعف الخطر والتهديد.

مراحل الملء

حتى الآن لا تعلم السلطات السودانية إذا كان الملء سيتم على دفعة واحدة أم على عدة مراحل؟ وكم عددها وما هي مدتها الزمنية؟

ويقول عبد الرحمن "إذا تم الملء دفعة واحدة فستتضاعف المخاطر والأضرار المتوقعة في السودان، فضلاً عن تأثيره المباشر بخصم تلك الكمية الكبيرة التي كانت ضمن الوارد الطبيعي من حصة السودان (18.5 مليار متر مكعب)".

وكشف عبد الرحمن أن السودان قام بتحديث مراصده ليتتبع بدقة الجريان والمنسوب، إضافة إلى تعزيز مراصد موسم الأمطار، بغرض تعزيز مساعي التوظيف الكامل لوارد المياه الداخلي من محطة الديم جهة خزان الروصيرص، مشيراً إلى أنه إذا صادف توقيت الملء موسماً جافاً، فستكون العواقب أكبر والمشكلات أكثر تعقيداً وأعمق أثراً.

الاستفادة من النيل الأبيض

في السياق نفسه، قال مدير الخزانات في وزارة الري والموارد المائية المهندس معتصم العوض، إن السودان يقدم على تغيير غير مسبوق تاريخياً في سياسة تشغيل سدوده وخزاناته، للتخفيف من الأضرار المترتبة على الملء.

وكشف العوض أن التحوطات تركز بصورة أساسية على تأمين تغطية احتياجات السودان من مياه الري للمشروعات الزراعية، في مناطق سنار والجزيرة والنيل الأزرق ومشروع السليت ونهر النيل، وإكمال تأسيس محاصيل العروة الصيفية خلال شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران) المقبلين، فضلاً عن تأمين احتياجات محطات مياه الشرب النيلية كأولوية قصوى، مع التبكير بالتخزين في خزان جبل أولياء، لتعظيم الاستفادة من مياه النيل الأبيض في دعم مياه القطاع الزراعي ومحطات مياه  الشرب بولاية نهر النيل، إلى جانب تغذية سد مروي شمالاً.

وأوضح العوض أن الآثار التي ترتبت على الملء الأول، نتيجة الانحسار المفاجئ الذي حدث لمنسوب مياه النيل الأزرق، بسبب غياب المعلومات من الجانب الإثيوبي، كانت درساً ودافعاً للتحسبات الراهنة والتعامل الجاد والمبكر معها هذه المرة.

الحراك الدبلوماسي السوداني - المصري

في الأثناء يتواصل الحراك الدبلوماسي السوداني- المصري، إذ ينتظر أن يعضد البلدان موقفهما وحملتهما إزاء الإصرار الإثيوبي على الملء المنفرد، بزيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الخرطوم ليوم واحد السبت المقبل، وفق وكالة السودان للأنباء (سونا)، يلتقي خلالها بالقادة السودانيين، لبحث عدة ملفات ثنائية وإقليمية مشتركة، على رأسها سد النهضة.

كما اختتم رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية محمد فريد زيارة استمرت يومين خلال هذا الأسبوع، تم خلالها التوقيع على اتفاقية للتعاون المشترك في مجالات التنسيق والتدريب العسكري.

وكانت القاهرة والخرطوم قد جددتا تمسكهما الصارم بضرورة التوصل لاتفاق قانوني ملزم حول ملء وتشغيل السد الإثيوبي، بما يحفظ الحقوق والمصالح المائية لجميع الأطراف ويحدّ من الأضرار التي سيتسبب فيها المشروع على دولتي الممر والمصب.

وشدد البلدان، في بيان مُشترك، في اختتام زيارة وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي إلى القاهرة، مطلع هذا الأسبوع على أن التنفيذ الأحادي للملء سيشكل تهديداً مباشراً للأمن المائي لكلاهما.

وطالب البيان، إثيوبيا بإبداء حسن النية والانخراط في تفاوض فعّال من أجل التوصل إلى الاتفاق، وتأكيد رغبتها الجادة وإرادتها السياسية لتحقيق هذا الهدف في أقرب فرصة ممكنة.

وأكد البلدان تمسّكهما بتطوير آلية التفاوض إلى لجنة رباعية دولية تشمل إلى جانب الاتحاد الأفريقي، كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

ورداً على مطالبة البيان السوداني المصري لإثيوبيا بإظهار حسن النية أعربت أديس أبابا، أمس الأربعاء، عن استعدادها للتفاوض من أجل الوصول لاتفاق. الأمر الذي رحبت به القاهرة، مشترطة وضع جدول زمني للمفاوضات يضبط إيقاعها وآجالها.

المزيد من تقارير