Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما يتحول دولار السوريين إلى "بقدونس"

يتعامل المواطنون بشيفرات للعملة الخضراء تفادياً للحبس والغرامة  

تمنع الحكومة التعامل بالدولار الأميركي وتحث على استخدام الليرة السورية (أ ف ب)

مع ملامسة الليرة السورية عتبة الأربعة آلاف مقابل الدولار الأميركي يتزايد الطلب على النقد الأجنبي، في غمرة مخاوف الشارع السوري من انهيارات متلاحقة، من دون أدنى إشارة إلى أي إجراء بالمدى القريب يكبحُ جموح العملات الأجنبية الآخذة بالصعود على كتف الليرة المنهكة.

الصورة السوداء في البلاد

إلا أن تهاوي عملة البلاد عكس بأثره على واقع المواطنين الذين يعانون ضنك العيش بعد ارتفاع جنوني للأسعار، وأرخت الضربات الموجعة من ضعف العملة، علاوة على الحصار والمقاطعة واستمرار الحروب وانعدام الاستقرار الأمني في مناطق عدة، إضافة إلى فساد مالي بظلالها على الأسواق بالتوازي مع ركود مريب، وقوة شرائية في أدنى حدودها.

يروي سوري بتهكم: "لا نستطيع أن نصدق أننا في سوريا بلد الخير والعطاء، بل كن على يقين أنك صحيح في دمشق، تمشي في شوارع العاصمة الأكثر شعبية، كمساكن البرزة والمزة وغيرهما، لكن حين تدخل إلى أي متجر وتشتري منه تحسب أنك تشتري من الشانزليزيه الباريسية"، يأتي كل ذلك مع طباعة عملة ورقية جديدة من فئة الخمسة آلاف كنتيجة للتضخم الحاصل.

وفي حين لا تتناسب أسعار المنتجات مع الدخل المحدود الذي يتقاضاه المواطنون، يبلغ متوسط حدود الرواتب السورية بين 40 إلى 80 ألف ليرة ما يعادل 20 دولاراً بالشهر في القطاع الحكومي، بينما أثمان البضائع والمنتجات يسعّرها التجار بحسب سعر الصرف الرائج، غير الرسمي، ومع موجة الارتفاع عكف كثير من التجار على إغلاق متاجرهم، التي باعت بضائعها على مضض حين كان الصرف يتأرجح صعوداً وهبوطاً.

الدولار بالبقدونس

في غضون ذلك لا يعيش الناس في سوريا من خوف على كيفية تأمين لقمة العيش فحسب مع الغلاء "الفاحش"، إذ لا يكفي الراتب المتواضع للأسرة السورية سوى بضعة أيام، بل إن الناس يخشون تدهور العملة إلى حدود لا يتوقعونها، ومعها بات التعامل بالدولار مطلباً تجارياً تمنعه الحكومة بكل أشكاله، مع الضرب بيد من حديد على أي تعامل بغير الليرة السورية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستند البنك المركزي المسؤول عن رسم السياسة النقدية للبلاد، إلى وجهات رفيعة المستوى على المرسوم الرئاسي رقم (3) الصادر في مطلع 2020، التي يقضي بتجريم "كل من ينشر ويعمم أو ينقل بجهل أو بغير جهل سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الصعبة، يحبس مؤقتاً، ويغرّم من مليون إلى خمسة ملايين ليرة سورية".

وقالت مصادر رسمية إن المرسومين رقمي (3) و(4) يطبقان منذ عام وبصرامة شديدة حتى على صفحات وصفتها بـ "المشبوهة"، مع رقابة على تطبيقات الأجهزة الذكية، وأوقفت الجهات المكلفة بهذا الأمر كثيراً من السوريين بتهم حيازة الدولار، أو ممن يتداولون بسعره.

بالمقابل لم يعد بمتسع السوريين ممن يستقبلون حوالات من الخارج، أو يتعاملون بشكل محدود بالعملة الصعبة إلا أن يضعوا شيفرات للهروب من تلك الرقابة، كأن يطلقون على الدولار تسميات كـ "البقدونس" أو "المغضوب" أو "الشوئسمو" وأسماء يربطها العامة إما باللون الأخضر، وهو لون العملة الأميركية أو أي تسمية مع إشارة يعرفها أهل البلد كهزة رأس أو غمزة من العينين تحسباً وهروباً من الرقابة.

المؤشر الأحمر

وبينما تهوي الليرة إلى مستويات غير مسبوقة يتوقع الناس مزيداً من الضعف، وارتبطت حياة ومقدرات المواطن العادي بالدولار، وباتت مشاهدة البورصة يومياً شأناً عاماً حتى لمن لا يكترث قبل سنوات بها وبمؤشراتها وليست من أولوياته، ومع الخوف والترقب من صعود (السهم الأحمر) صار الأمر مربوطاً ببورصات لأسعار الخضار، بينما خرجت الفواكه من قائمة مشتريات السوري لغلاء سعرها.

يضع السوريون أيديهم على قلوبهم وجعاً وقهراً على ذلك الحال، ويختلج في نفوسهم هاجس تأمين لقمة العيش، لا سيما الشحّ الواسع في حضور العملة الخضراء بالأسواق الداخلية، وانهيارات موازية في العملة اللبنانية، مع الطلب المحموم لكلا البلدين للقطع الأجنبي.

كل ذلك أدى بحسب مراقبين إلى تهريب العملة، في وقت يتسابق السوريون إلى تحويل ما تبقى لديهم من مدخرات لم تأكلها الحرب إلى عقارات في حال لم يفلحوا في الظفر بالدولار. يقول المتخصص المصرفي آدم خوري عن تلك الحالة المأساوية التي وصلت إليها الليرة "فعلياً نحن بحالة تعويم تدريجي أو تصح تسميته تعويماً مع محاولات لضبط الإيقاع، وهذا بدأ فعلياً منذ أكثر من عام ونصف العام تقريباً".

الضغوط السياسية على دمشق

المشهد السوداوي الذي يلف الاقتصاد السوري قضى على كثير من المشاريع التجارية أو السياحية بالأخص، ومع إغلاقات كورونا، والإجراءات الاحترازية قبل عام منذ 14 مارس (آذار)، مع البطالة، والفقر المدقع، يعتمد الناس على المساعدات التي تصلهم بتحويلات من خارج البلاد، عبر مكاتب صرافة غير مرخصة كون أسعارها أعلى بكثير مما يقدمه سعر المصرف المركزي، أو عن طريق المساعدات الإغاثية مع تحذيرات وكالات الأمم المتحدة من أزمة غذائية غير مسبوقة.

وذكرت المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي إليزابيث بايرز، أن أسعار السلعة الغذائية ارتفعت إلى أكثر من 200 في المئة، ويعيش أكثر من 90 في المئة من سكان سوريا تحت خط الفقر. في المقابل يرى متابعون للشأن السوري أن التضخم الحاصل والارتفاع بالأسعار يأتيان من العقوبات الأميركية والأوروبية التي هدفها إخضاع سوريا، لا سيما أن البلاد ستشهد بعد أشهر انتخابات رئاسية، ويرجحون أن الضغط السياسي والاقتصادي سيزيد خلال الفترة المقبلة.

ولا يتوقع خوري أي تحسّن بالواقع الاقتصادي "كل ما يشاع برأيي عن تدخل أو إجراءات هي جرعات تخديرية، لأن الشعب وصل إلى مرحلة صعبة جداً من المعاناة، الوضع الاقتصادي يتجه إلى الأسوأ، والأيام المقبلة تحمل مزيداً من الضغوط".

ويردف، "إلا إذا حصل انفراج سياسي من الممكن أن نشهد بداية إيقاف النزيف بشكل بسيط، لكن حتى مع الحل السياسي فنحن نحتاج إلى توفر عوامل أخرى من عدالة، ووقف الفساد، والأهم الذي يحتاج إلى وقت طويل خلق بيئة آمنة مستقرة، لكن على العموم إيجاد حل سياسي شامل يرضي كل الأطراف يعتبر نقطة أولى في طريق إيقاف النزيف الاقتصادي".

المزيد من اقتصاد