Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيمان يحيى يسترجع "بيضاء" يوسف إدريس في لعبة روائية

في "الزوجة المكسيكية" تحضر مقتطفات وشخصيات مستعارة من غير حرج

لوحة للرسام المصري حليم حبشي (صفحة الرسام على فيسبوك)

أثارت رواية "البيضاء" للكاتب الراحل يوسف إدريس جدلاً سياسياً ونقدياً واسعاً فور صدورها في كتاب بعد نشرها منجّمة فى جريدة "الجمهورية" القاهرية، فقد رأى البعض أنها محاولة من مؤلفها للتبرؤ من انتمائه لتنظيم "حدتو" المعارض وتأييده نظام حكم جمال عبد الناصر.

وبهذه الرؤية ظلت الرواية مثيرة للجدل الذي يتجدد بظهورها أدبياً من خلال رواية "الزوجة المكسيكية" (الشروق- القاهرة) لكاتب جمع بين الأدب والطب – شأن يوسف إدريس – هو إيمان يحيى الذي صدرت له من قبل رواية "الكتابة بالمشرط". ويربط يحيى بين "البيضاء" و"الزوجة المكسيكية" من خلال استعارة الثانية "مقتطفات" من الأولى في بداية كل فصل من فصولها، ثم في استعارة شخصيات "البيضاء" مثل بطلها "يحيى مصطفى طه" الذى يتماهى (إلى حد كبير) مع شخصية يوسف إدريس لجهة عمله في الطب والصحافة والكتابة الأدبية، وشخصية "سانتي" زوجة "يحيى" المكسيكية التي تعرف إليها في مؤتمر في فيينا في بداية الخمسينيات. وهي في الحقيقة "روث" ابنة فنان الجداريات العالمى دييغو ريفيرا. وفي الوقت نفسه يستعير إيمان يحيى سياق "البيضاء" المشحون المضطرب في أعقاب قيام ثورة يوليو (تموز) 1952 التي شهدت صراع القوى المنادية بالديمقراطية والساعية إلى تثبيت أركان الحكم العسكري الشمولي، في ما عرف بأزمة مارس (آذار) 1954 التي انتهت بغلبة الجناح الشمولي.

حيلة روائية

ولاستعادة هذه الأحداث يلجأ إيمان يحيى إلى حيلة روائية، وهي محاولة باحثة ماجستير تدعى "سامانثا ديفيز" دراسة "البيضاء" بإشراف أستاذ في الجامعة الأميركية في القاهرة هو "سامي جميل" الذي يقترب بدرجة كبيرة من شخصية مؤلف "الزوجة المكسيكية"، من حيث العمل في الجامعة والكتابة الأدبية. فالقارئ لا يدري من المتحدث منهما حين يقرأ في الفصل الأول، "ما الذي يدفعني أن أبعث شخصية يحيى للحياة من جديد؟ بل ما الذى ذكّرني بها؟ لن أجيب الآن وسأكتفي بما انتويته. لن أبعثه حياً وحده ولكني سأعيد الروح إلى سانتى والبارودي وأحمد شوقي وكل الشخصيات التي صنعت نسيج رواية البيضاء"، مازجاً في هذا كله بين الواقع والخيال. لكنه لا يكتفي بهذه الفترة الزمنية التي شهدت تحولاً شاملاً على كل المستويات، بل يقوم بالمراوحة بينها والسنوات القليلة التي سبقت ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وهي السنوات التى جاءت فيها "سامانثا" إلى مصر وشاركت في الحركات الممهدة للثورة مثل حركة "كفاية". و"اختارت دراسة الأدب العربى بتأثير جدتها المصرية (خديجة المعاريجي) وحكاياتها عن حي السيدة زينب".

بين ثورتين

نحن إذاً أمام بنية زمنية مزدوجة تقوم على التوازي بحيث يتوزع السرد بين أكثر من شخصية. نجد من ناحية سرد "سامي جميل" مستعرضاً الأحداث السابقة على ثورة 2011، ثم سرد "يحيى" و"روث"، للتعبير عن علاقتهما الخاصة، واستعراض أحداث السنوات الأولى لثورة 1952. ولأننا أمام وقائع ثورتين كبيرتين فقد اعتمد السارد المتعدد الأصوات على الأحداث المفصلية حين يستدعى "يحيى" حريق القاهرة، وصولاً إلى حرب الاستنزاف. وفي موضع آخر يعود إلى أجواء الحرب العالمية الثانية التي بدت بعدها فيينا مثل مدينة أشباح... "مبان مهدمة مبعثرة وحدود تقسمها إلى خمس مناطق وجنود جيوش أربع دول يجوبون أنحاءها".

هكذا ينتقل السرد ما بين القاهرة وفيينا، ما يعني ازدواجية المكان على غرار مثيلتها على مستوى البنية الزمنية. وإذا كان هذا الازدواج مكانياً وزمنياً يقوم على التوازي والتماثل، فإن الأفكار المطروحة على مدار الرواية تقوم على التناقض، حين نجد صراعاً بين التروتسكيين الذين كان منهم دييغو ريفيرا، والستالينيين الذين مثّلهم "البارودي" في "البيضاء" الذي يخاطب "يحيى" قائلاً، "لم تكد تمر أيام قليلة على موت الرجل ويبدأ المراجعون في محو إنجازاته. ستالين الذي أنقذ العالم من براثن الفاشية ووقف في وجه الأميركيين".

والحقيقة أن "البيضاء" باستعراضها لهذا الصراع بين "البارودي" و"يحيى" الذي يدين فاشية ستالين تكون سابقة على "البريسترويكا" بأكثر من ثلاثين عاماً. على أن الأكثر إيلاماً لـ"يحيى" هو ما قدموه من تنازل عن حريتهم، "قرباناً لتحقيق الاستقلال والعدل الاجتماعي وحرية الأوطان وفوجئنا بعد سنوات باحتلال البلد من جديد".

رواية معرفية

في تصوري أننا أمام رواية "معرفية" تزخر بالمجادلات السياسية والاجتماعية دون أن يؤثر ذلك على فنيتها. واللافت أن تطرح بعض الرؤى النقدية حين تحاول الإجابة عن هذا السؤال، هل يمكن التعامل مع النص الأدبي مستقلاً عن سياقاته التاريخية؟ أم أن هذه السياقات ضرورية في فهم أبعاد هذا النص؟ ويأتي هذا على لسان "سامي جميل" الذي يؤكد أهمية الالتفات لهذه السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وامتداداً لهذه الرؤى المتقابلة نجد تراوحاً في عديد من مواقع الرواية بين الحلم والحقيقة وتداخلهما في لا وعي "يحيى"، حين يقول، "تلاصقت أعضاؤنا. أصحو في الفجر وأكتشف أن رائحة بارفانها تعبق أجواء الغرفة والشراشف. هل رقادها بجانبي كان حلماً أم حقيقة أم أن جنيةً عاشرتني في نومي؟".

وفي موضع آخر يقول، "أغفو في مخدعي، أرى في الحلم رجلاً أسمر البشرة. يجلس في قاعة محدودة الحجم أمام محققين". هذه الانتقالات بين الحلم والحقيقة هي أحد مستويات الرواية التي تمزج – أيضاً – بين الشخصيات المتخيلة والشخصيات الحقيقية مثل عبد الرحمن الشرقاوي وسيزا قاسم وإنجي أفلاطون وتحية كاريوكا وكامل التلمساني. وكذلك الاسترجاعات الزمنية إلى الطفولة والانتقال إلى الصبا والكهولة. يقول "سامي جميل"، "أبصرت نفسي طفلاً. تغيرت ملامح الطفل فصار شاباً عفياً. يصير الشاب شيخاً يقف أمام طلابه يطنب ويزيد في شرحه بينما أغلبهم عنه معرضون".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوظف الكاتب آلية التزامن بين العام والخاص حين يربط "يحيى" بين أفول عصر وبداية عصر جديد بانتهاء فصل البداية مع "روث"، وبداية فصل ثان. بل إنه يشبه علاقته بالثورة بحبه لـ"روث"، "موقفي من الثورة يشبه علاقتي مع روث. فرق واحد بينهما وهو أن ترحيبي بحركة الضباط لم يستمر أكثر من شهر. حادثة إضراب كفر الدوار وضعت ألف حاجز بيني وبينها". هذه المواقف الملتبسة نجدها أيضاً في نظرته إلى الأوروبيين الذين يعجب بهم، لكنه يشعر بغربته عن نمط تفكيرهم ولعل هذا ما يفسر رفضه العيش مع "روث" في فيينا وفشل علاقتهما في النهاية.

وأخيراً تنبغي الإشارة إلى أن الرواية اعتمدت كثيراً على تضمين الرسائل الشخصية والعامة ووصف المكان، بخاصة القاهرة التي يتجاور فيها القديم والحديث في تآلف فريد.

المزيد من ثقافة