Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جيورجيو فاستا يروي انجراف الفتيان الإيطاليين في الإرهاب

رواية "الزمن الحسي" تغطي مرحلة صعود حركة "الألوية الحمراء" في الستينيات

الروائي الإيطالي جيورجيو فاستا (غيتي)

اليوم، وقد بات الإرهاب ظاهرة معممة، منذ ما يزيد عن قرن ونصف القرن، في العالم الغربي والحديث، مع نشأة الأحزاب الداعية له والمحرضة على ممارسته في سبيل تحقيق المطالب. ومنذ عهد كومونة باريس، أواخر القرن التاسع عشر، ونشوء الفكر الماركسي الداعي إلى إحلال "ديكتاتورية البروليتاريا"، أو طبقة العمال والفلاحين، لم يكف الأدب الروائي العالمي عن معالجة موضوع الإرهاب، من منطلقات خاصة بكل كاتب، ومن خلال رؤية كل منهم للعالم. ولنا، في العالم العربي، وفي لبنان وغيره، أمثلة كثيرة عن تجارب وأعمال روائية كاشفة عن جانب أو طرف من أطراف آثاره المدمرة على البنيان وتكوين الإنسان والأجيال الفتية.

في ترجمة عربية لرواية الكاتب الإيطالي "جيورجيو فاستا" (1970)، وهي بعنوان "الزمن الحسي"، والصادرة عن دار المتوسط (2021)، يستعيد الروائي أحداثاً عاصفة عاشتها إيطاليا، أواخر الستينيات حتى نهاية السبعينيات، في ظل تنامي الحركات اليسارية بعامة، والحركات اليسارية المتطرفة بخاصة، ولا سيما "الألوية الحمراء"، التي كانت قد جعلت من ساحات المدن الإيطالية، ومنها باليرمو، ومن مصارفها ومؤسساتها، ميداناً لعملياتها العسكرية، إحراقاً وتفجيراً وخطفاً لرجال الشرطة والموظفين الرسميين وأساتذة الجامعات، واغتيالا لهم. وبلغ عدد التفجيرات نحو 14500 تفجير، وأودت الأعمال الإرهابية بأربعمئة شخص، على مدى سنوات الجمر العشر. أي منذ انفجار حركات الاعتراض الشعبية، بالتزامن مع نهوض الحركة الطالبية عام 1968، في فرنسا وسائر الدول الأوروبية، وحتى الثمانينيات من القرن العشرين، حين أفلحت الدولة الإيطالية في احتواء هذه الحركات والقضاء على تهديدها المباشر.

لكنّ الاستعادة، هذه المرة، جاءت على يد الكاتب الإيطالي جيورجيو فاستا، من منظور أعمق، وعنيت منظور تكون الأيديولوجيا الإرهابية، وإنكارها الواقع، ورفدها بالفانتازيا، وتسييجها بالشعارات جيداً لئلا يعاود الواقع والحقيقة النفاذ إليها وكشف تكوينها "الخرافي".

إذاً، تحكي الرواية جانباً من مغامرات ثلاثة فتيان، من مدينة باليرمو الإيطالية، أواخر عام 1978، على شكل يوميات، تمتد من 8 يناير (كانون الثاني)، عام 1978، إلى 21 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، أي ما يقارب الأحد عشر شهراً، ويزيد. وهي الإطار الزماني الكافي، طبعاً برأي الكاتب، لكي يتحول هؤلاء الفتيان الثلاثة، أي الفتى راوي المغامرات بصيغة المتكلم، والجاعل خطابه وسرده متن الرواية السيرية، وبوكا وسكارميليا، من مجرد معجبين بالأعمال "البطولية" التي كانت "الألوية الحمراء" تقوم بها نصرة للطبقات الفقيرة في إيطاليا، إلى شركاء لـ"الألوية الحمراء"، بأعمال التخريب والتفجير والإحراق والخطف وصولاً إلى القتل. إلا أن التحول المرتجى لم يكن ليحدث بين ليلة وضحاها، مع العلم بأن هؤلاء الفتيان متحدرون من عائلات وسطية، شأن عائلة الراوي المؤلفة منه، ومن أخ يسميه "ندفة القطن"، ومن أم يسميها "الضفيرة"، وأب يدعوه "الحجر".

بحثاً عن التغيير

ومن أجل تحقيق الغاية الأسمى، عنيت التحول إلى شركاء فعليين، بل نشطاء في "الألوية الحمراء"، وعلى نحو سري، ارتأى هؤلاء الفتيان، وهم لا يزالون تلاميذ في المدرسة الإعدادية في الحي، حيث يسكنون، التفكر ملياً في ما ينبغي إحداثه من تغيير في أنفسهم وفي محيطهم تالياً. فكان أول أمر يتفقون عليه، هو مكان اجتماعهم في مساحة فارغة ترمى فيها الخردوات، بين أبنية، حيث يتداولون الأخبار المنقولة على صفحة الجريدة اليومية. ويجمعون على ضرورة أن يبدلوا مظهرهم الخارجي (بأن حلقوا شعر رؤوسهم حتى الجلد) بالتزامن مع بدء افتراقهم الفكري عن أهلهم. وألفوا لغة خاصة بهم، مكونة من رموز، مستلة من معين التفكير اليساري الذي به يحللون "الواقع السياسي الإيطالي الراهن" (ص: 73). وبعد أن شكل هؤلاء لغتهم، ورموزهم، وأتقنوا انغلاقهم المجتمعي عن محيطهم، واقتنعوا بلزوم "القتال لأنه جوهر كل شيء، وأن كلمة قتال تحتوي على الجنس والغضب والحلم" (ص: 88)، انتقلوا إلى الأفعال. ما دام أن "الألوية الحمراء يفعلون. يمارسون الأفعال لا الأقوال" (ص: 89).

عندئذٍ، يعمد الفتيان الثلاثة إلى إحراق المدرسة الإعدادية، حيث يتابعون دراستهم، بعد سرقة "الأغراض المدرسية المصادرة بالتقسيط" (ص: 246)، في مشهد أولي "للأيديولوجيا التي تشتعل مغتذية بحياتنا". ولا تلبث أن تتوالى "أعمال" الفريق الثلاثي؛ إذ يختطفون زميلاً لهم يدعى مورانا، لا لشيء إلا لأن "هشاشته لا حدود لها" (ص: 282)، ثم لاحظوا الشبه بين اسمه "مورانا" واسم "الدو مورو" زعيم التجمع الديمقراطي المسيحي، في البرلمان الإيطالي، والذي اختطفته "الألوية الحمراء"، وأعدمته بعد خمسين يوماً من أسره في وسط العاصمة. ولما كان مورانا على تلك الهشاشة (النفسية)، لم يطل به الأمر أن مات جوعاً واختناقاً بالأسر، وبأقل قدر من التعذيب.

ومن ثم، يختار الرفاق أن يبعثوا برسالة تضامن علنية لرفاقهم الكبار في "الألوية الحمراء"، فيعمدون إلى تفجير سيارة مدير المدرسة الإعدادية، باعتباره مسؤولاً عن إدارة المؤسسة "الاستعمارية" بحسبهم. وفي آخر المطاف، يقع اختيار الفتية المناضلين هؤلاء على فتاة صماء بكماء، هي رمز الهشاشة، وتدعى "ويمبو"، وكان لطالما حسبها الفتى الراوي الفتاة الخلاسية المستحقة تهويماته الجنسية، فيأسرها ويشرع في تعذيبها على نحو ما كان الشامانيون السحرة ينقضون على فريستهم لتغدو عنصرا في كيانهم، غير منقسم. وإذ يتم كل شيء، في منطقة اللاوعي الأيديولوجية، صانعة المسوخ، وينتبه الفتى الكائن إلى ما اقترفته يداه، فينتابه البكاء: "والآن فحسب، في هذه اللحظة التي نستحدث فيها ليلنا، إذ النجوم تنفجر في رحم السواد، تنتهي الكلمات ويبدأ البكاء" (ص: 377).

المقاربة الفريدة للإرهاب

أين تكمن براعة الرواية، وبالطبع مؤلفها من خلالها؟ للإجابة أقول إن الحفاوة الكبيرة التي استقبلت بها الرواية الأولى لكاتبها في الأوساط الثقافية الإيطالية، لدى صدورها عام 2008، تعود بالدرجة الأولى إلى المقاربة النفسانية والأنطولوجية العميقة لظاهرة الإرهاب في العالم الغربي الحديث، إذ تعتبر أنها نوعاً من القوقعة الفكرية التي تستدعي تكوين لهج اجتماعي متميز وخاص، على حد قول بيار زيما، كما تستوجب انفصالاً مجتمعياً حاداً، يبلغ درجة العداء مع الآخر المختلف. ولعل هذه المقاربة المزدوجة تنطبق على كل ظاهرة اجتماعية ذات سمات انفصالية أو هوياتية، وسط مناخ العولمة قامعة التمايزات والخصوصيات من كل نوع. وفي هذا الشأن، لا بد من التوقف ملياً لدى فيض التأملات والتحليلات العميقة الكاشفة عن أغوار أبطال الرواية الثلاثة السلبيين، وإن كان الروائي يخرق فيها شرط الصدقية الواقعية الذي لا يتسنى فيه للفتيان، بعمر الحادية عشرة، النطق بخطاب على هذا القدر من الدقة والإحاطة، إلا إذا اعتبر الروائي أنه إذ يكشف عن لغة الأصيل - عنيت لغة "الألوية الحمراء" - فإنه تنكشف له لهجة الفصيل المقلد، فصيل الفتيان الثلاثة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ما يتجاوز الحكاية وطرافتها وعنفها في آنٍ، أي أن يتحول الفتيان إلى إرهابيين تشبهاً برجال "الألوية الحمراء"، ثمة ظاهرة لافتة، وهي مسار التلقين الذي خضع له الفتيان الثلاثة، عبر مراحل متدرجة؛ من اعتبار أنفسهم معتقلين سياسيين، ويقينهم بأنهم في قتال مستمر ضد سلطة مهددة لهم، واعتقادهم بلزوم خلق عدو يترصدهم، فإلى مراحل التميز الشكلي عن بيئتهم الصغرى، عبر حلاقة شعر الرأس، وارتداء الثياب الصادمة، واعتماد رموز خاصة بهم، والتسمي بأسماء حركية، مثل: الرفيق طيران، والرفيق شعاع، وإكليل، بل تكوين لغة أو ما دعوته بلهج اجتماعي مصغر، قبل الانتقال إلى العمل المباشر، والذي يقضي بترصد العدو، والتخطيط لخطفه، تمهيداً لقتله، وتدمير المؤسسات الإمبريالية معه.

ثم إن القارئ لا يسعه أن يمر سريعاً على مظهر الخلطة الفريدة بين ذروة الواقعية المحسوسة، وبين الفانتازية التي تخول الراوي إكليل، محاورة الحمامة حيناً، والبركة حيناً آخر، والبعوضة أحياناً، طمعاً ببعض الخفة في مسار درامي مثقل بالتحولات الشديدة الإيلام، حتى البكاء.

رواية كهذه أمكن لها أن تفتح باب النقاش حول من يصنع من فتيان العالم، ومن فتياننا إرهابيين مسوخاً، ولا يرعوي. وفي الختام، إشارة إلى أن للكاتب الإيطالي جيورجيو فاستا أعمالاً روائية أخرى، منها رواية "غربة"، و"لا شيء على الإطلاق: قصص وحالات اختفاء في الصحارى الأميركية".

أما المترجم من الإيطالية فهو "أمارجي"، الاسم المستعار للشاعر السوري رامي يونس، والذي بلغت عنايته بالترجمة حداً نبه معه تفاعل القارئ العربي، فأفلح.

المزيد من ثقافة