Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حظر انتشار الأسلحة النووية يواجه تحديات... فهل من بديل؟

امتلاك إيران قنبلة سيشجع السعودية ومصر وتركيا على اللحاق بها

صاروخ نووي روسي خلال استعراض عسكري في الساحة الحمراء بموسكو ( غيتي) 

غازلت فكرة إنتاج أسلحة نووية 31 دولة بعد الحرب العالمية الثانية، وأطلقت 17 منها برامج فعلية لإنتاج سلاح نووي، غير أن تسع دول فقط نجحت في امتلاك أسلحة نووية منذ نحو ربع قرن، لكن الكفاح الطويل لحظر انتشار تلك الأسلحة على وشك أن يصبح أكثر صعوبة، إذ من المرجح أن يشمل التهديد خلال العقد المقبل دولاً تتمتع بوزن سياسي واقتصادي كبير، وسيكون من الصعب كبح جماح طموحات هذه الدول. فعلى سبيل المثال، ستكون الهيمنة الإقليمية المتزايدة للصين وترسانة كوريا الشمالية النووية المتنامية، سبباً يدفع كلاً من كوريا الجنوبية واليابان إلى السعي لإنتاج أسلحة نووية، كما أن برنامج إيران النووي سيشجع دولاً إقليمية أخرى مثل السعودية ومصر وتركيا على فعل الشيء نفسه. ولهذا تتزايد التحذيرات الدولية من أن تراجع قيود الانتشار النووي المستمر حتى الآن مع إيران وكوريا الشمالية، قد يؤدي إلى فشل الجهود الدولية للحد من خطر الانتشار النووي حول العالم.

هل أخطأ كينيدي؟

في مارس (آذار) عام 1963، أعرب الرئيس الأميركي جون كينيدي عن أسفه لفشله في التفاوض في شأن حظر التجارب النووية، محذراً من أنه قد تكون هناك عشر قوى نووية بدلاً من أربع بحلول عام 1970، وربما تزيد إلى 15 أو 20 بحلول عام 1975 ما لم تنجح جهود حظر الانتشار النووي، لكن كينيدي كان على خطأ نوعاً ما في تقديراته المتوسطة المدى، فبينما شرع عديد من البلدان بين الخمسينيات وحتى التسعينيات في دراسة صنع أسلحة نووية، إلا أن عدداً قليلاً اتخذ الخطوة التالية في السعي عملياً نحو تطوير قدرات صنع سلاح نووي، وتوقف بعضهم لأسباب مختلفة. فيوغوسلافيا على سبيل المثال تفككت، وتوقف مشروع البرازيل بسبب تغيير السياسة الداخلية، كما أنهت كوريا الجنوبية مشروعها بسبب الضغط الذي مارسه عليها الحلفاء الغربيون، بينما توقف العراق بسبب استخدام إسرائيل القوة العسكرية وتدميرها المفاعل النووي العراقي.

وحتى الآن، هناك 185 دولة انضمت إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وتخلت عن المسار النووي، أو تدعي ذلك، بالإضافة إلى خمس دول تمتلك هذا النوع من الأسلحة تعترف بها المعاهدة، وهي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا والصين وفرنسا، وتبقى خارج المعاهدة أربع دول نووية لم توقع عليها مثل إسرائيل والهند وباكستان، أو انسحبت منها مثل كوريا الشمالية.

بشائر سيئة

لكن على الرغم من تضاؤل التسلح النووي بين أميركا وروسيا، الذي تراجع بنسبة 79 في المئة في الفترة من 1991، وحتى 2010، وتمديد آخر اتفاقية بينهما في يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن احتمالات التوصل إلى تمديد آخر تبدو قاتمة، بينما يعمل كل من الصين والهند وكوريا الشمالية وباكستان على توسيع ترسانتها النووية وتحديثها، كما أن المعاهدة الجديدة لحظر صنع قنابل نووية، وقعتها 86 دولة فقط، ودخلت حيز التنفيذ في نهاية يناير الماضي، ما يعكس الإحباط الذي تشعر به بين الدول غير النووية.

وخلال السنوات الـ20 الماضية، تزايدت الطموحات النووية لدى دول ذات أهمية جيوسياسية محدودة مثل ليبيا وسوريا، لكن الواقع الحالي في العالم يشير إلى أن دولاً ذات ثقل سياسي واقتصادي إقليمي، ستسعى على الأرجح في العقد المقبل، إلى امتلاك أسلحة نووية، ولهذا سيكون من الصعب كبح جماح طموحاتها.

خطر إيران

في الشرق الأوسط، أصبح اتفاق إيران النووي الذي استهدف بالأساس خفض مخزوناتها من اليورانيوم، والحد من قدرتها على التخصيب ومراقبتها بشكل صارم من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في طريقه إلى انهيار كامل. ففي الرابع من يناير، بدأت إيران في تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 20 في المئة، لتقترب من درجة صنع سلاح نووي الذي يتطلب 90 في المئة. وبعد تسعة أيام بدأت العمل على معادن اليورانيوم، والتي يمكن استخدامها لتشكيل قلب القنبلة.

وحتى لو أعاد الرئيس الأميركي جو بايدن إحياء الاتفاق المتعثر حتى الآن، فإن العديد من أحكام الاتفاق تنتهي صلاحيتها خلال عقد من الزمن، وهو ما يثير اعتراض الدول الإقليمية المجاورة التي ترى أن الاتفاق من الأساس يضفي الشرعية على البنية التحتية النووية الإيرانية، وأن وضع قيود مؤقتة فقط لا يمنع من خطر الانتشار النووي الإيراني.

السعودية ومصر

ويرى مراقبون أنه إذا بدت إيران في أي وقت وكأنها تفكر في امتلاك أسلحة نووية، فلن تتخلف السعودية عن الركب، وهو ما أعلنه بوضوح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في حديثه مع شبكة "سي بي أس" الأميركية، العام الماضي، حين قال إن بلاده لا تريد امتلاك أي قنبلة نووية، ولكن من دون شك، إذا طورت طهران قنبلة نووية فستحذو الرياض حذوها في أسرع وقت ممكن؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من أن مصر التي بدأت برنامجاً نووياً في الستينيات، وأغلقته عام 1973، ليست حالياً في وضع اقتصادي يسمح لها بإعادة إحياء هذا البرنامج، فإن البعض في الغرب لا يستبعد إعادة تفكير القاهرة في هذا الخيار، إذا اتسع نطاق الانتشار النووي ليشمل إيران، وربما تركيا. وفي حين أن القاهرة أطلقت مبادرة لنزع السلاح النووي من جميع بلدان الشرق الأوسط قبل سنوات طويلة، إلا أنها لم تحقق أي نجاح، واكتفت بإبرام اتفاق لإنشاء عدد من محطات توليد الطاقة النووية مع روسيا للأغراض السلمية في منطقة الضبعة على ساحل البحر المتوسط.

المعيار الذهبي

ويعرب متخصصون غربيون في الطاقة النووية عن مخاوفهم من الصفقات التي تشتري فيها الدول محطات طاقة نووية مدنية، ولا تلتزم المعايير التي تضمن عدم استخدام الوقود النووي، إذ إن المعيار الذهبي هو ضرورة استيراد الوقود المخصب وإرسال الوقود المستخدم إلى خارج البلاد للتخلص منه، بالتالي لا يوفر طريقاً محلياً لإنتاج المواد الانشطارية، إلا أن روسيا والصين لا تلتزمان دائماً هذا المعيار، وهناك 19 من بين 33 مفاعلاً نووياً تم تصديرها إلى الخارج منذ عام 2000، كانت من هذين البلدين.

ولا تثير الصفقات المتساهلة في شأن الوقود النووي وحدها المخاوف من سرعة الانتشار النووي، إذ تحذر إدارة الأمن النووي الوطنية الأميركية من أن التقدم التكنولوجي المذهل، وخصوصاً في مجال الطباعة ثلاثية الأبعاد والتصميم القوي بمساعدة الكمبيوتر، قد يخلق مسارات جديدة ومقلقة لانتشار هذا النوع من السلاح.

...وتركيا أيضاً

وقد تكون تركيا أيضاً من بين الدول المرشحة لإنتاج أسلحة نووية، إذا ما نجحت إيران في إنتاج سلاح نووي. ففي سبتمبر (أيلول) عام 2019، اشتكى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لأعضاء "حزب العدالة والتنمية" الحاكم، من أن بعض الدول لديها صواريخ برؤوس نووية، وأنه لا يقبل ما يقوله الغرب إنه لا يمكن لتركيا تملك سلاح نووي، غير أن مراقبين غربيين استبعدوا أن يكون لدى تركيا مشروع حقيقي جاد لامتلاك سلاح نووي، بسبب التكلفة الكبيرة جداً والطويلة على الاقتصاد التركي المرتبط بأوروبا والغرب.

حسابات أميركا

ويحذر مراقبون ومتخصصون من أنه إذا لم يتم التخلص من الأسلحة النووية، وإذا تفاقمت التهديدات الأمنية من "دول مارقة" مثل كوريا الشمالية وإيران، فستتجه بعض الدول إلى إنتاج قنابل نووية خاصة بها. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أبقت في العقود الماضية، الدول الطامحة للانضمام إلى النادي النووي بعيداً عن هذا المسار، عبر التهديد بسحب الضمانات الأمنية من أصدقائها مثل تايوان، أو باستخدام العقوبات والقوة العسكرية ضد خصومها مثل العراق، فإن القوة الأميركية تبدو أضعف اليوم عما كانت عليه في الماضي، وأدت تصرفات وتصريحات الرئيس السابق دونالد ترمب إلى زرع الشكوك حول رغبة أميركا في الدفاع عن حلفائها وفرض النظام والقواعد على خصومها، على الرغم من محاولات بايدن استعادة أسلوب السياسة الأميركية المتشددة.

وفي حين كانت المظلة النووية الأميركية على الحلفاء الآسيويين بمثابة وعد استمر على مدى عقود عدة، بأنه في حالة قيام كوريا الشمالية أو الصين بضرب سيول أو طوكيو، فإن أميركا ستنتقم من بيونغ يانغ أو بكين، غير أن هذا التهديد الذي ينتمي لسنوات مضت، صدر حينما كانت الولايات المتحدة واثقة من أن مدنها بعيدة عن مدى صواريخ كوريا الشمالية، وهو أمر لم يعد قائماً الآن، ذلك أن أي ضربة أميركية على بيونغ يانغ ستعرض مدناً مثل لوس أنجليس أو سان فرانسيسكو، وربما واشنطن العاصمة، ومدينة نيويورك نفسها للخطر، ما قد يجعل الرئيس بايدن متردداً في اتخاذ إجراء، وفقاً لهذه الحسابات الاستراتيجية الحساسة، الأمر الذي قد يشجع زعيم كوريا الشمالية على مهاجمة سيول.

أسباب سيول وطوكيو

وتعد هذه المخاوف التي تتزايد في وقت الأزمات، أحد أبرز الأسباب التي تدفع معظم الكوريين الجنوبيين إلى التعبير عن رغبتهم بإنتاج قنابل نووية محلية، إذا فشلت واشنطن في إعادة الأسلحة النووية التكتيكية الأميركية، التي سحبتها من أراضيهم عام 1991، لكن كوريا الجنوبية تفتقر إلى قدرات التخصيب وإعادة المعالجة، ولهذا يشعر السياسيون في سيول بالحاجة الملحة إلى إزالة وصمة العار من مناقشة قضية الأسلحة النووية في الخطاب العام على المستوى الوطني. وحتى تحين الفرصة المناسبة، تسعى كوريا الجنوبية إلى الحصول على غواصات تعمل بمفاعلات نووية، وقودها أقرب إلى درجة صنع الأسلحة منه لمحطات الطاقة. كما أعلنت في يناير الماضي عن تجارب لإطلاق صاروخ باليستي من غواصة، وهي قدرات لم تتوفر لأي دولة أخرى غير نووية حتى الآن.

وفي حين سيطرت على اليابان فكرة اللحاق بالصين للانضمام إلى النادي النووي خلال الستينيات، فإن طوكيو لأسباب واضحة، ظلت حذرة من فكرة إنتاج قنابل نووية بعدما كانت الدولة الوحيدة في العالم التي تعاني تفجيرين نوويين في نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن ذلك لم يمنعها أن تكون الدولة الوحيدة غير المسلحة نووياً التي تدير منشآت رئيسة لتخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة البلوتونيوم من وقود المفاعلات، وكلاهما طريق محتمل لاستخدام المواد الانشطارية في صنع قنبلة. وفي الوقت نفسه، تصاعدت تهديدات كوريا الشمالية التي اختبرت عام 2017 بعض صواريخها ذات القدرة النووية من خلال تحليقها فوق اليابان وإلى مدى بعيد في المحيط الهادي.

وبينما لا تحظى فكرة إنتاج قنابل نووية بشعبية كبيرة لدى النخبة الحاكمة، وفي الأوساط الأمنية في طوكيو، غير أنهم لن يفعلوا ذلك إلا في حالة حدوث تدهور حاد في الوضع الأمني لليابان، ويتمثل ذلك في تصورات صانعي السياسة اليابانيين في سيناريوهات محددة، منها أن تصبح كوريا الجنوبية نووية، أو إذا توحدت الكوريتان، وتم الاحتفاظ بالترسانة الحالية لبيونغ يانغ تحت سيطرة السلطة الحاكمة الجديدة.

نقطة ساخنة

أما تايوان فلديها مخاوف مماثلة، إذ من المحتمل أن تؤثر قدرة الصين المتزايدة على توجيه ضربة لها على استعداد أميركا لتقديم المساعدة لتايوان في حالات معينة، ولكن على الرغم من أن الدولة استكشفت إمكانية صنع قنابل نووية عام 1988، فإن تجديد هذه الجهود الآن من شأنه أن يزود الصين الأكثر قوة، بذريعة مناسبة لشن ضربات استباقية وربما غزو الجزيرة.

وفي كل الأحوال، فإن الخوف الذي تولده ترسانة كوريا الشمالية المتنامية، وحقيقة أن اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان يمكن أن تنتج أسلحة نووية في غضون عامين أو أقل في حالة اليابان، يجعل شرق آسيا نقطة ساخنة وملتهبة.

كوابيس نووية

ولهذا، تتصاعد تحذيرات المتخصصين في الشأن النووي من أنه إذا بدأ النظام النووي العالمي القائم الآن في الانهيار، فسيكون من المستحيل إيقافه. ومن هنا تأتي أهمية اتخاذ إجراءات صارمة من الآن. فالولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا لديها مصلحة مشتركة في وقف الانتشار النووي، روسيا على سبيل المثال لا تريد أن ترى إيران دولة نووية، تماماً مثلما ترغب أميركا. كما أن احتمال وجود اليابان كدولة مسلحة نووياً سيكون من بين أسوأ كوابيس الصين، ولا يخفى أن الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 أوضح بجلاء أن الدول الإقليمية المجاورة يمكنها أن توفر رداً على الانتشار النووي بسرعة.

وفي ظل تصاعد هذه المخاطر العالمية، يدعو المتخصصون في مجال نزع السلاح حول العالم، القوى النووية الكبرى إلى أن تبدأ بنفسها، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، اللتان تمتلكان 90 في المئة من الرؤوس النووية في العالم بهدف إظهار تقدم حقيقي نحو نزع السلاح، من دون إضعاف القدرة على الردع، وقد يقنع ذلك الجهد الصين بأن ترسانتها النووية الحالية يمكن أن تنجو من هجوم، ما يساعد على تجنب زيادة مزعزعة للاستقرار في قوتها النووية، الأمر الذي من شأنه أن يطمئن بدوره كل من الهند وباكستان.

تعزيز قدرات الاستكشاف

ولعل الدور الأكثر أهمية لإدارة بايدن هو تهدئة التوتر مع كوريا الشمالية والصين، بالتوازي مع تعزيز المظلة النووية الأميركية على اليابان وكوريا الجنوبية، ودعم دور القوات الأميركية الموجودة على الأرض، والتي لا تعمل فقط كخط دفاع، ولكن كضمان للحلفاء، ولتحذير الخصوم من أن أميركا لا يمكن أن تواجه صراعاً ضد حلفائها وتقف مكتوفة الأيدي.

ويتطلب وقف الانتشار النووي أيضاً تعزيز قدرات اكتشافه. ففي الوقت الذي ركزت فيه وكالات الاستخبارات الأميركية والأوروبية على مجموعة الدول المارقة مثل إيران وكوريا الشمالية، تتزايد المطالب بأن تشمل الجهود تعزيز الإنذار المبكر بالتغيرات في التكنولوجيا النووية، خصوصاً لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية المثقلة بالأعباء ونقص التمويل، للتأكد من أن مراقبتها المواقع النووية المدنية وبرنامج إيران النووي ستتمكن من تحقيق أقوى نظام تفتيش ممكن.

المزيد من تقارير