Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المحاكم العسكرية والمدنية تتحرك لمحاسبة كبار المسؤولين وأغنياء الجزائر

الشارع متخوف من توظيف القضاء لتصفية الحسابات بين أعضاء "العصابة"

 

تحركت المحاكم العسكرية والمدنية في الجزائر تحركاً مكثفاً خلال الساعات الأخيرة من خلال توجيه استدعاءات لشخصيات سياسية فاعلة ورجال أعمال ومتمولين يشتبه في تكوينهم ثروات طائلة خلال العشريتين الماضيتين، أي إبان حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة البلاد منذ العام 1999.
 
ربراب أمام المحكمة
 
في خطوة لافتة، بث التلفزيون الجزائري الحكومي منتصف نهار الإثنين، أنباءً عاجلة عن توقيف خمسة مليارديرات جزائريين في إطار تحقيقات في قضايا فساد. وشملت القائمة يسعد ربراب أغنى رجل أعمال في الجزائر، وأربعة من عائلة كونيناف المقربة من بوتفليقة.
إلا أن ربراب سارع فور شيوع الخبر إلى نشر تغريدة على حسابه في "توتير"، نفى فيها خبر توقيفه، وربط أسباب توجهه إلى مقر الدرك الوطني (قوة تابعة لوزارة الدفاع)، بمواصلة دراسة مشاريعه الاستثمارية المعطلة (حجز معداته في ميناء الجزائر منذ يونيو 2018).  
بعد ذلك بلحظات، بثت قنوات تلفزيونية خاصة، تقدم عناصر من الدرك الوطني، برفقة ربراب، إلى وكيل الجمهورية في محكمة سيدي أمحمد في العاصمة الجزائرية. وأظهرت مقاطع الفيديو، صوَر مالك مجمع "سيفيتال" يسعد ربراب (74 سنة) وهو يُنقل تحت حراسة أمنية مشددة من مركز التحريات التابع للدرك الوطني في باب جديد في العاصمة، إلى المحكمة للتحقيق معه في قضايا التصريح الكاذب المتعلق بحركة رؤوس الأموال من الخارج وإليه. كما وجهت له تُهم تضخيم فواتیر واستيراد عتاد مستعمل، على الرغم من استفادته من امتيازات جبائیة ومصرفیة.
وقبل أيام، استمعت مصالح الدرك الوطني إلى أقوال ربراب"، الذي قال حينذاك إن عناصر الدرك سألته عن تعطيل مشاريعه، في حين أفادت مصادر إعلامية أنه تمّت مساءلته بشأن عدد من الصفقات وحصوله على قروض مصرفية ضخمة منذ التسعينيات.
 
من هو الرجل الغني؟
 
ويعتبر رجل الأعمال الجزائري يسعد ربراب في عداد الشخصيات المثيرة للجدل في الجزائر، فثروته أثارت تساؤلات عن الجهة النافذة التي تؤمن له الدعم والحماية، في حين يشاع عن علاقة متينة تربطه برئيس الاستخبارات السابق، محمد مدين المعروف بالجنرال "توفيق"، الذي وجه له قائد أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، "آخر إنذار"، بعدما اتهمه بالتآمر على مطالب الشعب وعرقلة مساعي الجيش لحل الأزمة، منبهاً إلى أنه في حال استمراره في هذه التصرفات، سيتم اتخاذ إجراءات قانونية صارمة ضده.
وبدأ ربراب حياته محاسباً قبل أن يقرر خوض غمار الأعمال ويلقب بـ "إمبراطور" السكر والزيت في الجزائر، حيث تحول إلى واحد من أكبر أغنياء القارة الأفريقية، وصنفته مجلة "فوربس" تاسع أثرى رجل أعمال في القارة للعام 2017.
وارتبط اسم ربراب بالسكر والزيت، وعندما خرج مواطنون إلى شوارع العاصمة الجزائرية مطلع العام 2011، تزامناً مع موجة ما يسمى بثورات "الربيع العربي"، وجِهت أصابع الاتهام إلى ربراب باعتباره المسؤول عن استيراد الزيت والسكر، وهما المادتان المدعومتان من الخزينة العامة.
 

 

 
ما مصير أويحيى؟
 
ولا تقتصر التحقيقات التي باشرها القضاء الجزائري على رجال الأعمال المقربين من الرئيس السابق أو الجنرال المتقاعد "توفيق"، إذ نقل التلفزيون الحكومي أن الدرك الوطني سلّم بصفة رسمية استدعاء المحكمة إلى رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى، ومحافظ بنك الجزائر محمد لوكال، الذي يشغل حالياً منصب وزير المالية في حكومة رئيس الوزراء نور الدين بدوي، للمثول أمام النائب العام في إطار تحقيقات بشأن الفساد.
 
جنرال في السجن
 
ولم تقتصر التحقيقات على القضاء المدني، إذ تحرك نظيره العسكري، لمحاسبة كبار الجنرالات، بعدما أصدر قاضي التحقيق في مجلس الاستئناف العسكري بالبليدة، أمراً يقضي بإيداع القائد السابق للناحية العسكرية الثانية، سعيد باي، الحبس الموقت، والقبض على القائد السابق للناحية العسكرية الأولى، حبيب شنتوف، بتهم "تبديد أسلحة وذخيرة حربية ومخالفة التعليمات العسكرية العامة".
وتقرر وفق بيان لمجلس الاستئناف العسكري بالبليدة، ملاحقة باي وشنتوف بتهم تبديد أسلحة وذخيرة حربية لمصلحة أشخاص غير أهل لحيازتها ومخالفة التعليمات العامة العسكرية. وأضاف المصدر ذاته أنه "لضرورة التحقيق"، أصدر القاضي، بناءً على التماسات الوكيل العسكري للجمهورية، أمراً بحجز الأسلحة والذخيرة المتعلقة بهذا الملف. كما أمر قاضي التحقيق بالقبض على شنتوف لـ"مخالفته التزامات الرقابة القضائية الخاضع لها سابقاً"، وفق البيان.
 
ماذا عن الجنرال توفيق؟
 
في ظل تطور الأحداث، لا تستبعد مصادر متطابقة اتجاه الأمور نحو ملاحقة الجنرال "توفيق"، نتيجة ضغوط شعبية على قيادة أركان الجيش لمحاسبة الفاسدين، ودعوة قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، إلى تطبيق تعهداته وفق التهديد الحاد الذي أطلقه ضد مدير الاستخبارات العسكرية السابق.
يأتي ذلك في وقت أصدر نادي "قضاة الجزائر" بياناً شديد اللهجة هاجم فيه "توفيق" الذي استمر في منصبه ربع قرن. واستنكر البيان "الحملة الشرسة والمسعورة التي يتعرض لها نادي قضاة الجزائر، قيد التأسيس، موضوعها محاولة تعطيل الدور الذي لعبه القضاة من خلال اصطفافهم مع المطالب المشروعة للحراك الشعبي عبر جميع المراحل، إذ رفضوا العهدة الخامسة وطالبوا باستقالة رئيس الجمهورية، ورئيس المجلس الأعلى للقضاء، ودعوا الى مكافحة الفساد واستقلال السلطة القضائية ومراجعة القوانين المعمول بها حالياً وأحجموا عن الإشراف على العملية الانتخابية".
ودعا نادي القضاة الجزائريين إلى محاكمة الجنرال "توفيق" وأتباعه من كبار المسؤولين السابقين والحاليين، باعتبارهم "في نظر القانون مواطنين عاديين، لا يتمتعون بأي امتياز للتقاضي"، خلافاً لتفسيرات قانونية تعقّد محاكمة كبار المسؤولين لتمتعهم بامتياز قضائي لا يجيز للمحاكم العادية ملاحقتهم.

 

مخاوف
 
وفي خضم مباشرة التحقيقات التي تشمل شخصيات عدة يطلق عليها الجزائريون تسمية "العصابة"، يطرح الشارع علامات استفهام بشأن جهاز القضاء، وحقيقة تحرره من القيود التي كبلته لسنوات. ويتخوف حقوقيون من توظيف القضاء لتصفية الحسابات. وقال المحامي، الناشط الحقوقي، عبد الغني بادي إن "الجزائر بحاجة إلى عدالة شعبية مستقلة تُحاكم المتهمين من دون إيعاز أو إيحاء ولا نحتاج إلى محاكمة عصابة لأخرى، لأنه سينتج مستنقعاً قذراً قد يُساق إليه القضاء من حيث لا يدري".
وتبنّى هذا الطرح أيضاً رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية المعارض، محسن بلعباس، الذي علّق على حملة التوقيفات والملاحقات القضائية التي تم تحريكها بحق عدد من رجال الأعمال والمسؤولين السامين خلال اليومين الماضيين. وقال "أردناها مرحلة انتقالية بعدالة انتقالية، جعلوها مرحلة تضليلية بعدالة انتقامية".
وأبرز بلعباس في منشور عبر صفحته الرسمية على موقع "فيسبوك" أن التحقيقات لا بُد أن تشمل بوتفليقة و"توفيق".
وأشعلت تصريحات قايد صالح بشأن "توفيق"، معركة مفتوحة ضد ما يوصَف بـ"بقايا" النظام، الذين يبحثون وفق بعض القراءات عن التموضع في الساحة، على الرغم من رفض الشارع لهم ومطالبتهم بالرحيل.  
وكان قائد الاستخبارات السابق نفى في الماضي، تورطه في عقد اجتماعات مشبوهة مع قادة أحزاب موالية لبوتفليقة، والسفير الفرنسي في الجزائر كزافييه دريانكور، لكن رئيس أركان الجيش قال "سنكشف عن الحقيقة، وها هم لا يزالون ينشطون ضد إرادة الشعب ويعملون على تأجيج الوضع، والاتصال بجهات مشبوهة، والتحريض على عرقلة مساعي الخروج من الأزمة، وعليه أوجه لهذا الشخص آخر إنذار".
وكان ذكر اسم الجنرال "توفيق" منذ 5 سنوات تقريباً "من المحرمات"، ولا يعرف الجزائريون ملامحه جيداً ولم يسمع أحد صوته، في حين تتداول وسائل الإعلام صورةً واحدة له على الرغم من ترؤسه جهاز الاستخبارات لمدة ربع قرن، في أحلك حقبة مرت بها البلاد.  ورغم إحالته إلى التقاعد من قبل بوتفليقة، لا يزال حاضراً في المشهد، ويتردّد اسمه كثيراً منذ انطلاق حراك 22 فبراير (شباط) الماضي.  

المزيد من العالم العربي