Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودانيون يتجرعون مرارة تعويم سعر صرف الجنيه

تباين في الآراء وتخوف من انفلات السوق بعد تحرير عملة البلاد

"الوضع الطبيعي لأي اقتصاد متماسك عبر التاريخ، أن تكون العملة المحلية متحررة من أي قيود" (غيتي)

تباينت آراء الاقتصاديين السودانيين حول القرار الذي اتخذته الحكومة السودانية، الأحد، 21 فبراير (شباط)، بتوحيد سعر الصرف الرسمي والموازي للعملة المحلية، على أن يتم تحديده وفق آلية العرض والطلب، واعتبره البعض قراراً إيجابياً لإيقاف تشوهات الاقتصاد السوداني وتدهوره المستمر، بينما رأى آخرون بأنه قرار خاطئ سيؤدي إلى مزيد من المعاناة للاقتصاد والمواطن معاً.

وأشار أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعات السودانية حسن بشير محمد نور، إلى أن "ما حدث من تعويم للجنيه السوداني، تطبيق لتوجهات وشروط صندوق النقد الدولي، من دون مراعاة لعواقبه، وأتمنى أن تكون الحكومة السودانية تحسبت لهذا التوجه خصوصاً من ناحية توافر النقد الأجنبي لمقابلة الطلب عليه، وإلا سيشهد الجنيه السوداني تردياً مريعاً، بالتالي يتوقع في هذه الحالة أن يصبح الجنيه السوداني بلا وظيفة، بل مجرد ورقة للتداول لا قيمة لها، وقد يتخطى سعر الدولار الواحد حاجز الـ 1000 جنيه سوداني، لكن استقرار سعر الصرف يحتاج إلى قروض ومنح وودائع لدعم خزينة بنك السودان المركزي، وهو ما أشار إليه وزير المالية السوداني في المؤتمر الصحافي لإعلان هذا القرار، من دون أن يفصح عن مصادر تلك الأموال وحجمها".

أضاف محمد نور، "في نظري لا يمكن التعويل الآن على الاستثمار الأجنبي وتحويلات المغتربين السودانيين في الخارج، فجذب الاستثمارات يحتاج إلى وقت في المدى القصير، بينما معظم المغتربين السودانيين من شريحة المرتبات المتدنية، بالتالي لا ثقة لديهم للتعامل مع البنوك السودانية نتيجة السياسات القاصرة، والمجحفة بحق المغترب، التي اتبعها نظام الرئيس السابق عمر البشير، طوال فترة الـ 30 عاماً، مدة حكمه".

معاناة اجتماعية

ولفت إلى أن من الملاحظ أنه لم تكن هناك حركة تداول للنقد الأجنبي في البنوك السودانية قبل هذا القرار، بالتالي، مسألة توحيد سعر الصرف لا تحتاج في الأصل إلى قرار حكومي، لأن النقد الأجنبي في يد المضاربين وليس البنوك، وهو ما يجعل العواقب وخيمة في ظل بلوغ التضخم نحو 304 في المئة، الذي سيكون مصحوباً بموجة ارتفاع في أسعار السلع والخدمات من دون استثناء، الأمر الذي يشكل معاناة اجتماعية كبيرة في البلاد، خصوصاً أن السودان يعاني من ارتفاع حالات الفقر، ولا أعتقد أن الحكومة السودانية لديها قدرة على دعم الشريحة الفقيرة سواء نقداً أو عبر برنامج "سلعتي".

وتابع أستاذ الاقتصاد السياسي، "قد تكون لهذا القرار تداعيات سياسية، إذ ستعارض بعض الأحزاب والقوى السياسية هذه السياسات، وقد تجد استجابة في الشارع السوداني إذا لم يتم التحوط للعواقب التي تنتج عنها، بالتالي، لا بد من أن تسعى الحكومة لجلب نقد أجنبي في شكل قروض أو منح من مؤسسات التمويل الدولية، وأميركا، وبريطانيا، ودول الاتحاد الأوروبي، وأصدقاء السودان في الخليج، من أجل استقرار سعر الصرف، لأنه إذا ذهب العملاء إلى البنوك لشراء أي نوع من العملات الأجنبية ولم يحصلوا عليها، فسيتجهون إلى السوق الموازية لتأمين طلبهم من هذه العملات، ما سيؤدي إلى تصاعد سعر الصرف".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحد من المضاربة

في المقابل، أوضح الباحث الاقتصادي السوداني حسن السنوسي، أن "الوضع الطبيعي لأي اقتصاد متماسك عبر التاريخ، أن تكون العملة المحلية متحررة من أي قيود، أي خاضعة لسياسة العرض والطلب، وأن تتحكم فيها العوامل الخاصة بهذه السياسة، وبالنظر لواقع الحال في البلاد من ناحية توافر العملات الأجنبية، نجد أن الحكومة السودانية لم تؤكد حتى الآن أن هناك أموالاً دخلت خزينة الدولة بالفعل، كما لم تحدث متغيرات بالنسبة إلى الصادر، وكذلك من ناحية استقطاب أموال المغتربين السودانيين في الخارج، بالتالي لا يوجد حالياً أي إجراء إيجابي في هذا الاتجاه، وظلت عوامل العرض في مكانها من دون أن يحصل لها تغيير"، ولفت إلى أن الحاجة من الواردات لا تتغير بين يوم وآخر، سواء عبر تأمين سلع استهلاكية، أو مواد لتشغيل الزراعة والصناعة وغيرها، أو شراء الوقود والقمح والأدوية.

إيجاد آلية

أضاف السنوسي، "ظل الدولار مناخاً للمضاربة في السوق الموازية للبلاد لسنوات عدة، وتمارس هذا العمل مؤسسات كبيرة تعمل في العلن والخفاء، ولها ارتباطات بالخارج، وتتحكم في سعر الدولار، لذلك لا بد من إيجاد آلية للحد من حركة المضاربين، لكن بشكل عام، أعتقد أن الأيام المقبلة ستشهد إحجاماً من أصحاب العروض الكبيرة لأنهم سيترقبون نتائج التداعيات النفسية، بالتالي، يتوقع أن يستقر سعر الدولار أو ينخفض قليلاً نتيجة هذا العامل، إلا أنه في حال عجزت الدولة عن توفير عملات أجنبية في البنوك خلال الأيام المقبلة، سيتجه السعر نحو الصعود، وسيعود المضاربون للتحكم من جديد في سعر الصرف".

وقال، "حسب ملاحظتي، إن الدولة السودانية اتخذت قرار تعويم الجنيه السوداني من دون دراسة وافية، ما ستكون نتائجه أسوأ بكثير على المستهلك، وكذلك على قطاعات الإنتاج لأنه سيرفع التكلفة بشكل كبير، بالتالي، سترتفع أسعار السلع والخدمات ثمانية أضعاف، ما سيؤثر على حركة الاقتصاد سلباً".

إزالة التشوهات

وسط هذه الأجواء، قال الاقتصادي السوداني الزبير وراق، "من وجهة نظري، قرار توحيد سعر الصرف في البلاد يعد إيجابياً من كل النواحي، لا سيما أنه سيسهم في إزالة تشوهات الاقتصاد الوطني، لكنه يتطلب أن يكون هناك استعداد من قبل البنوك والصرافين بتوفير العملات الأجنبية لطالبيها وممارسة نشاطهم في هذا الخصوص بشكل طبيعي من دون وجود عراقيل، وسن قوانين لمنع المضاربات في العملات، وتوفر احتياطي نقدي منها، وإلا سيكون القرار كارثياً".

أضاف وراق، "هناك تحفظان على هذا القرار، أولهما، لا بد من مراقبة ومتابعة موظفي البنوك لأن بينهم أشخاصاً متواطئين مع تجار العملة بمدهم بالمعلومات السرية، ثانياً، ألا تتدخل الحكومة كمشترٍ للعملات لسد احتياجاتها من السوق الموازية لفترة لا تقل عن شهر، للمحافظة على السعر من الارتفاع، حتى تساعد أن يكون الطلب في الحد الأدنى، كما على الدولة عدم مجاراة السوق الموازية في الأسعار، وكان من الخطأ أن تبدأ البنوك بتحديد أسعار أعلى للعملات الأجنبية من السوق الموازية".

وأشار وراق إلى أن السودان بحاجة لوقف عمليات تهريب الذهب إلى الخارج، التي تتم بكميات كبيرة عبر المنافذ الرسمية بصورة يومية، لأن التهريب المتبع حالياً فيه إهدار لموارد البلاد، كذلك يجب ايقاف عمليات التمويل التجاري بأن تذهب لدعم القطاعات الإنتاجية خصوصاً الزراعة، فضلاً عن القيام بتغيير العملة المحلية فوراً، نظراً لوجود عملات مزورة بكميات كبيرة، حتى إذا كانت بنسبة اثنين في المئة، سيكون من الصعب السيطرة عليها، ما سيؤثر على الوضع الاقتصادي بشكل كبير، ولفت وراق إلى أهمية إيجاد آليات فاعلة ودقيقة لدعم الشرائح الفقيرة في المجتمع السوداني بمبالغ نقدية مباشرة للتخفيف من الآثار الاقتصادية والمعيشية الناجمة من هذا القرار.

أسباب القرار

 يأتي قرار السلطات المختصة في السودان بتوحيد وتحرير صرف الجنيه السوداني، من أجل وقف مزيد من الانفلات في أسعار الصرف بعد أن فاق سعر الدولار الواحد 400 جنيه في السوق الموازية خلال الفترة الأخيرة، قبل أن يتراجع قليلاً في اليومين الماضيين، وحدد بنك السودان المركزي 375 جنيهاً، سعراً تأشيرياً، مقارنة مع 55 جنيهاً، السعر الرسمي أي بزيادة 700 في المئة.

وأكد وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم أن الحكومة ستعمل على تحقيق أقصى قدر من الاستفادة من القرارات الجديدة لتحسين وضع العملة المحلية، مشيراً إلى أن القرارات سيتبعها مزيد من الإجراءات التي تضمن تفعيله بشكل سليم.

وأشار بنك السودان المركزي، إلى أن القرار يهدف إلى إزالة التشوهات والاختلالات، التي يعاني منها الاقتصاد السوداني المثقل بالمشكلات والأزمات في ظل ارتفاع الديون إلى 70 مليار دولار والتضخم إلى ما فوق 300 بالمئة.

ولم تنجح الحملات الأمنية التي نفذتها الحكومة السودانية، الأسبوع الماضي، بعد أن فقدت العملة السودانية أكثر من 80 في المئة من قيمتها خلال الشهرين الأخيرين، وجرى اعتقال عشرات المضاربين خلال هذه الحملات التي باءت بالفشل، لكونها استهدفت صغار المراقبين ولم تصل إلى الأوكار الحقيقية للمضاربين، بحسب المراقبين.

ويرى اقتصاديون سودانيون، أنه من غير المتوقع حدوث استقرار ملموس على المدى القريب في ظل استمرار أنشطة المضاربين، وضعف الصادرات وغياب الرقابة والسياسات النقدية اللازمة لدعم الجنيه.