Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا رفضت موسكو طلب المحكمة الأوروبية الإفراج عن نافالني؟

بررت روسيا موقفها بتضارب المطلب مع دستورها والعقوبات والاستبعاد ردود غربية منتظرة

الحديث حول احتمالات عودة "الحرب الباردة" لا يتوقف منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في عام 2014، بل وهناك من يقول إنها لم تنته في عام 1989 بتوقيع الرئيسين السوفياتي ميخائيل غورباتشوف والأميركي جورج بوش الأب إعلانهما في مالطة "نهايتها".

وجاءت تصريحات سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، حول علاقات موسكو مع بلدان الاتحاد الأوروبي لتلقي بمزيد من النار في أتون الخلافات التي تتصاعد حدتها على نحو يثير كثيراً من المخاوف منذ حادث تسمم نافالني، بما واكب الأمرين، (تصريحات لافروف أو تسميم نافالني) من تأويلات متباينة تدفع إلى التصعيد المتبادل.

عقوبات وخلافات

وعلى رغم أن الكرملين ووزارة الخارجية الروسية سارعا إلى دحض ما أثارته هذه التصريحات من ردود فعل سلبية، فإن ما قصده لافروف بقوله "إن أردت السلام، فلتستعد للحرب" يظل ماثلاً للعيان، في الوقت الذي تدفع تطورات قضية نافالني إلى مزيد من التوتر، في ضوء ما يتردد من تصريحات حول تزايد احتمالات فرض عقوبات ضد روسيا، من المنتظر أن تُعلن في اجتماع وزراء خارجية بلدان الاتحاد الأوروبي المرتقب في الـ 22 من فبراير (شباط) الحالي.

وكان الحديث عن العقوبات قد اتسم بشكل أكثر حدة مع نهاية زيارة جوزيب بوريل، مفوض الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، موسكو التي شهدت تصعيد نبرة المواجهة، وبلغت حد طرد ثلاثة من الدبلوماسيين الأوروبيين، بسبب مشاركتهم في تظاهرات المعارضة غير المرخص بها في يناير (كانون الثاني) الماضي ومطلع فبراير الحالي، وإعلان وزير الخارجية الروسي استعداد بلاده لقطع العلاقات مع الكتلة الأوروبية، وإن عاد ليطرح الحوار سبيلاً إلى رأب الصدع.

لكن، ما إن أرسلت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان رسالتها إلى موسكو التي طالبت فيها بالإفراج الفوري عن نافالني، حتى عادت الأجواء لتتسم بالحدة والإثارة في ضوء ردود الأفعال التي صدرت عن مختلف المؤسسات والمصادر الرسمية الروسية. وبادر ديمتري بيسكوف، متحدث الكرملين، بانتقاد القرار الذي وصفه بـ "المتحيز". مؤكداً أنه "غير قانوني" و"غير مقبول".

وأوضح بيسكوف، أن بلاده "لا تبحث عن المواجهة، ولا تعتزم الانسحاب من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان"، وإن أكد أن "روسيا لا تخشى العقوبات". أما الخارجية الروسية فاعتبرت القرار "محاولة للضغط". في الوقت الذي أعلنت وزارة العدل أنه "غير قابل للتنفيذ".

تدخل سافر

ونقلت وكالة "إنترفاكس" ووكالات روسية أخرى عن قسطنطين تشوتشينكو، وزير العدل الروسي، تأكيده "أن القوانين لا تتضمن ما يجيز مثل هذه الخطوة". واصفاً طلب المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالإفراج الفوري عن نافالني بأنه "تدخل سافر وصارم في نشاط القضاء في دولة ذات سيادة".

وأضاف تشوتشينكو، أن مثل هذا الشرط الذي طرحته المحكمة الأوروبية "غير معقول وغير قانوني". مبرراً ذلك بأنه "لا يتضمّن أي إشارة إلى أي حقيقة أو قاعدة قانونية تفسّر إصدار المحكمة لمثل هذا القرار".

ومن اللافت أن قرار المحكمة الأوروبية حول الإفراج الفوري عن نافالني جاء مماثلاً لما سبق وطالب به الرئيس الأميركي جو بايدن في أول مكالمة هاتفية له مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في الـ26 من يناير الماضي، حول ضرورة الإفراج الفوري عن نافالني.

ماذا يقول الدستور والتشريعات الروسية؟

غير أن ذلك كله يصطدم عملياً بما ينص عليه الدستور والتشريعات الروسية التي تؤكد أولوية القوانين الروسية فوق التشريعات الدولية، وهو ما أكدته وزارة العدل الروسية.

وكان بيتر تولستوي، نائب رئيس مجلس الدوما ورئيس الوفد الروسي في الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي، قد أعلن أن موسكو "لا تعتزم تنفيذ طلب المحكمة الأوروبية حول الإفراج الفوري عن نافالني"، نظراً إلى تضارب هذا الحكم مع ما ينص عليه دستور البلاد.

وذلك ما انبرى للرد عليه قسطنطين ديغتاريوف، البروفيسور في جامعة ليفربول البريطانية والمتخصص في تشريعات حقوق الإنسان، بقوله إن اتفاقية فيينا وفي ما يتعلق بقانون المعاهدات الدولية، نصت على أنه "لا يمكن لأي دولة أن تستند إلى قوانينها المحلية في رفضها للوفاء بالتزاماتها الدولية".

وأضاف ديغتاريوف، في حديثه إلى "دويتش فيلا"، أن "الإشارة إلى التشريعات المحلية تمثل إشكالية على أقل تقدير". واستطرد "القانون الروسي، ورغماً عن ذلك، يتضمّن ما يمكن معه إيجاد مختلف الطرق التي يمكن أن تسمح للدولة بتنفيذ هذه الإجراءات المؤقتة، في حال توافرت الإرادة السياسية والرغبة في تنفيذ قرار المحكمة الأوروبية". كما أن عدم تنفيذ الدولة هذه الأحكام "يمكن أن يفضي إلى بدء النظر في عملية طردها من مجلس حقوق الإنسان".

الطرد من مجلس أوروبا

وعلاوة على ذلك فإنه من المحتمل أن تتوقف المحكمة الأوروبية عند إخضاع حالة نافالني إلى ما يعني "تعرضه للاضطهاد لأسباب سياسية"، واعتبار ذلك أساساً للنظر في مسألة استبعاد روسيا من عضوية المجلس. وتوقع ديغتاريوف أن تصل المحكمة الأوروبية في موضوع نافالني إلى استنتاج مفاده بأن روسيا انتهكت المادة 34 من اتفاقية حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ومن ثم فإنه "من الممكن أن تكون العقوبة النهائية الطرد من مجلس أوروبا".

غير أن هناك أيضاً من يتوقع أن لا تلتفت روسيا إلى مثل هذه المطالب، نظراً إلى أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لا تملك الآليات اللازمة لتنفيذ أحكامها. ومن الممكن أن تتراكم الضغوط ضد روسيا، من دون أن تصل المحكمة إلى النتيجة المرجوة.

وذلك يفضي بالتالي إلى أضرار يتحمّلها آخرون. ففي حالة استبعاد روسيا من مجلس أوروبا تتضاءل احتمالات الإفراج عن نافالني من جانب، ويفقد مواطنو روسيا حق اللجوء إلى المحكمة الأوروبية من جانب آخر. وكان بيتر تولستوي نائب رئيس مجلس الدوما قد كشف عن أن بلاده تدرك احتمالات أن يتخذ مجلس أوروبا قراره حول تجميد عضوية روسيا، رداً على رفضها الامتثال لطلب المحكمة حول الإفراج عن المعارض الروسي.

وأشار في معرض مشاركته في برنامج "60 دقيقة" الحواري على القناة الثانية الرسمية للتلفزيون الروسي إلى "أن موسكو مستعدة لمثل هذا القرار، وستتصرف وفقاً للوضع". وأضاف أنه "إذا كان هذا يتعارض مع أفكارنا حول سيادتنا، وكرامة كل شخص روسي ممثل في هذه المنظمة، فإننا سنتخذ القرار المناسب، ونغادر في وقت مبكر"، قبل بداية هذه العملية التي وصفها بأنها "مخزية تماماً". وذلك ما يمكن أن يكون مناسباً لموسكو التي تبدو وكأنها صارت وعلى نحو غير مباشر أقرب إلى المكسب منه إلى الخسارة.

الاستعداد للانتخابات البرلمانية

ومن المعروف أن كل ما يحتدم من جدل في الأوساط السياسية الروسية ومنذ الإعلان عن "تسمم" المعارض الروسي نافالني أو كما تسميه الأوساط الرسمية "المُدَون"، يدور من منظور الاستعدادات للانتخابات البرلمانية التي من المقرر إجراؤها في خريف العام الحالي. وكان نافالني قد أعلن استعداده لخوضها، تمهيداً لمرحلة إعداده منافساً للرئيس بوتين في الانتخابات الرئاسية 2024 في حال قراره بالاستمرار لولاية "خامسة جدية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما أن الكثير من فصائل المعارضة سواء من خلال الأحزاب السياسية الرسمية منها أو "غير الممنهجة" أي الحركات والتنظيمات السياسية غير المعترف بها، تضع هذه الاستعدادات في صدارة أنشطتها وبرامجها المقرر القيام بها على مدار العام، انطلاقاً من كون الدورة المقبلة "علامة فارقة" في تحديد مستقبل الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2024، ومعها مستقبل روسيا مع بوتين أو من دونه!

وتقول المصادر الروسية الرسمية أن موسكو باتت على يقين من أنها تظل مستهدفة من جانب خصومها في الدوائر الغربية، لكنها تظل أيضاً شديدة الثقة بقدراتها ومواقعها في الساحة الدولية التي سبق واعترفت لها بأنها ركن رئيس من أركانها. وذلك ما كشف عنه الرئيس الأميركي جو بايدن حين أعلن ضرورة مشاركة روسيا والصين في الجهود الرامية إلى حل مشكلة البرنامج النووي الإيراني، شأن سلفه الأميركي الأسبق باراك أوباما الذي أعلن تقديره لدور روسيا في التوصل إلى الاتفاق السداسي "5+1" بخصوص البرنامج النووي الإيراني في عام 2015.

ومن هنا كانت تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين حول أنه يصعب الوصول إلى حلول لأي قضايا عالمية من دون مشاركة روسيا، على الرغم مما يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية الروسية حول عدم صحة الاستنتاجات التي سبق وتوصل إليها الكثيرون من خبراء السياسة في مختلف بلدان العالم حول انتهاء الحرب الباردة. فما يجري من تطورات على الصعيدين الإقليمي والعالمي يقول إن "الخصومة لا تزال قائمة" وإن تعددت الأسباب والمسميات.

فمن تضارب المصالح إلى تباين التوجهات إلى قضايا حقوق الإنسان، تتباين هذه المسميات بقدر تباين مواقف الأطراف المعنية.

المزيد من تقارير