Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا سقط علماء إيران النوويون بعمليات "غامضة" و"نوعية"

شملت أبرز رجال البرنامج وتكرار الاختراقات الأمنية يؤشر إلى مدى الانكشاف الداخلي

مراسم دفن العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة (أ ف ب)

على خلاف التهديدات التي يردّدها المسؤولون الإيرانيون على المستويين الإقليمي والدولي، تكشف حوادث واستهدافات عدة لشخصيات بارزة في النظام، خلال السنوات الماضية، مدى الضعف الذي يعاني منه النظام الأمني وتحوّل الدولة الإيرانية إلى "ملعب" لوكالات الاستخبارات الدولية، يسهل فيه اصطياد الأهداف على الصعيدين الداخلي والخارجي.

من بين "ضربات" عدة و"أحداث غامضة" وعمليات استخبارية "نوعية ومعلنة"، تلقتها إيران، كانت الاغتيالات التي شملت كبار القادة الإيرانيين وأبرز علمائها النوويين، مؤشراً إلى مدى الانكشاف الداخلي و"الوضع الأمني"، ومبعثاً لتساؤل المراقبين في شأن "العجز" الإيراني عن الرد أمام تعاظم التهديدات لمشروعها "السياسي والعسكري" وفق رؤيتها، بصورة يعود معها توصيف رئيس هيئة الاستخبارات العامة السعودية وسفير الرياض السابق في واشنطن الأمير تركي الفيصل إيران بأنها "تحولت إلى نمر من ورق، لكن بمخالب فولاذية"، في إشارة إلى "أذرع" إيران العسكرية في الدول العربية، بحسب ما نقلت مجلة "ذي ناشونال إنتريست".

العلماء النوويون "تحت القصف"

على مدار السنوات العشر الماضية، طاولت عمليات الاغتيال عدداً من أبرز علماء إيران النوويين، الذين اعتُبروا "عقل برنامجها النووي والباليستي"، في وقت كان بعضهم مصنفاً على رأس قوائم "الإرهاب" الأوروبية والأميركية وعلى لائحة العقوبات الأممية. ومن بين هؤلاء كان مسعود علي محمدي ومجيد شهرياري ودارويش رضائي نجاد ومصطفى أحمدي روشن، وآخرهم محسن فخري زادة، الذي وصفت صحيفة "التايمز" البريطانية، عملية اغتياله في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، بأنها "أبرع العمليات الاستخباراتية" ضد البرنامج النووي الإيراني.

وباختلاف الأشخاص وتباين الأحداث، كانت القواسم المشتركة في استهداف العلماء الإيرانيين القائمين على برامجها النووية والصاروخية المعلنة والسرية، "الفشل الاستخباري" الإيراني و"هشاشة" نظامها الأمني في حماية قادتها، وفق توصيف "فورين أفيرز" الأميركية.
مع هذا يعلن الأمن الإيراني كل مرة في أوقات قريبة جدا من تنفيذ هذه العمليات اعتقال المتورطين والكشف عن تفاصيل أمنية كثيرة.

وبحسب بيانات جمعتها "اندبندنت عربية"، بدأت سلسلة الاغتيالات لعلماء إيرانيين يعملون في المجال النووي بمقتل مسعود علي محمدي، أستاذ الفيزياء في جامعة طهران في العام 2010، وهو أحد أبرز العاملين لمصلحة منظمة الطاقة الذرية الإيرانية.

 

وأعلن مسؤولون إيرانيون في 12 يناير (كانون الثاني) 2010، مقتل مسعود علي محمدي بتفجير قنبلة عن بعد كانت موضوعة على دراجة نارية، أمام منزله وإصابة زوجته في الهجوم. وبحسب تقارير ومصادر غربية حينها، كان محمدي، يعمل بشكل وثيق مع فخري زادة (اغتيل لاحقاً في نوفمبر 2020) ومع فريدون عباسي دواني، وكلاهما خضع لعقوبات من الأمم المتحدة بسبب عملهما في أنشطة يشتبه في أنها تهدف إلى تطوير أسلحة نووية. ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" عن أستاذ غربي في الفيزياء قوله إن قائمة بالأبحاث التي نشرها علي محمدي على الموقع الإلكتروني لجامعة طهران تشير إلى أن تخصصه كان فيزياء الجسيمات النظرية.

وفيما اتهمت إيران إسرائيل والولايات المتحدة باغتيال محمدي، فإن الأخيرة نفت الاتهامات. ونقلت وسائل الإعلام الإيرانية حينها أن "مشتبهاً فيه" يدعى مجيد جمالي فشي، اعترف أثناء استجوابه بدوره في الاغتيال، وذكر في اعترافات بثها التلفزيون الحكومي أنه تلقى تدريبات من جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) في تل أبيب. وقال إن الموساد دفع له 120 ألف دولار مقابل تنفيذ العملية. وبناء عليه، حُكم بالإعدام الذي نفذ في العام 2012.
لكن مجموعات حقوقية دولية شككت في هذه الاعترافات التي كثيرا ما تُتهم فيها إيران بانتزاعها من المعتقلين تحت التعذيب.

قبل نهاية العام 2010، وتحديداً في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) كانت الضربة الثانية التي تلقتها إيران، بعد مقتل الأستاذ المحاضر في جامعة بهشتي الإيرانية مجيد شهرياري، العامل في مجال الفيزياء في مؤسسة الطاقة الذرية الإيرانية، في انفجار سيارة ملغومة في العاصمة طهران، وهو اليوم نفسه الذي جرت فيه محاولة اغتيال بالطريقة نفسها لفريدون عباسي، أستاذ الفيزياء النووية في الجامعة نفسها ورئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، ونجا منها بإصابات خطيرة هو وزوجته. واتهم وزير الاستخبارات الإيراني آنذاك حيدر مصلحي أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية والبريطانية بتنفيذ العملية، والهجوم على برنامج إيران النووي.

وبحسب ما نقلت "وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء"، حينها، عن رئيس وكالة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي، كان لشهرياري دور في أحد أكبر المشروعات النووية في البلاد، من دون أن يفصح عن مزيد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في 23 يوليو (تموز) 2011، قُتل داريوش رضائي نجاد (35 سنة) الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء، رمياً بالرصاص من قبل مهاجمين على دراجات نارية. وأُصيب كل من زوجته وطفله في الهجوم. وفي أعقاب الهجوم، اتهم علي لاريجاني، رئيس البرلمان الإيراني في ذلك الوقت، الولايات المتحدة وإسرائيل بارتكاب "عمل إرهابي"، لكن واشنطن ذكرت أن لا علاقة لها بالهجوم.

الأمر ذاته تكرر في 11 يناير (كانون الثاني) 2012، عندما لقي المهندس الكيميائي مصطفى أحمدي روشن (32 سنة) مصرعه في انفجار قنبلة لاصقة في سيارته، وضعها راكب دراجة نارية في طهران، التي قالت حينها إنه كان عالماً نووياً أشرف على قسم في منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم. وألقت بمسؤولية الهجوم على إسرائيل والولايات المتحدة. وذكرت مجلة "تايم" الأميركية، يومها، أن أحمدي روشن الضحية الأخيرة لسلسلة الاغتيالات "الإسرائيلية" التي استهدفت الفيزيائيين النوويين الإيرانيين. وذلك قبل أشهر من إعلان الحكومة الإيرانية في يونيو (حزيران) من العام ذاته، أنها ألقت القبض على جميع "المتورطين في أحداث الاغتيالات".

بعد سنوات من الهدوء النسبي في ما يتعلق باستهداف العلماء النوويين الإيرانيين، كان العام 2020، الأبرز من ناحية استهداف كبار رجال النظام الإيراني. ففي بداية العام أعلنت الولايات المتحدة الأميركية مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني بصحبة نائب رئيس الحشد الشعبي (قوات غير حكومية في العراق مرتبطة بإيران)، أبو مهدي المهندس، في ضربة جوية بطائرة مسيّرة قرب مطار بغداد. ولم ينتهِ العام إلا وقتل "أبو القنبلة الإيرانية" فخري زادة، في قلب العاصمة طهران.

 

وقتل فخري زادة (63 سنة) رئيس منظمة الأبحاث والإبداع التابعة لوزارة الدفاع وأحد الأسماء البارزة في برنامج الصواريخ الباليستية، في عملية في منطقة أبسرد في العاصمة طهران، ولم ترشح تفاصيل دقيقة عن كيفية تنفيذها. وأعلن وزير الدفاع الإيراني أمير حاتمي أنه كان معاوناً له، وأدى "دوراً مهما في الابتكارات الدفاعية"، وفي "الدفاع النووي". وقال علي شمخاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن "عملية اغتيال زاده معقدة للغاية نفذت عن بعد بأجهزة إلكترونية" ومن دون مشاركة أفراد على الأرض.

وكان لافتاً في حادث زادة، الذي اعتبرته تقارير غربية "الأكثر إطلاعاً على البرنامج النووي الإيراني ولا يمكن التعويض عن مهاراته القيادية ومعرفته وقدراته"، ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 30 أبريل (نيسان) 2018، خلال مؤتمر صحافي عقده في وزارة الدفاع، إذ قال "تذكّروا هذا الاسم" (فخري زادة)، ووصفه بأنه رئيس برنامج الأسلحة النووية في إيران.

وكان نتنياهو قد أعلن في العام 2018 أن إسرائيل هرّبت مئات الكيلوغرامات من الملفات الورقية والرقمية المتعلقة ببرنامج الأسلحة النووية الإيراني السري، إلى خارج الجمهورية الإسلامية. ونفت طهران ذلك ووصفته بالخداع.

هل اكتشف خصوم إيران نقط ضعفها؟

تشكف تعدّد حالات استهداف العلماء النوويين، فضلاً عن تكرار الاختراقات الأمنية والاستخبارية للمصالح والأهداف الإيرانية، عن ثغرات أمنية تشير إلى احتمال اختراق قوات الأمن، وأن الجمهورية الإسلامية معرّضة لمزيد من الهجمات، وفق تصريحات رسمية إيرانية وتحليلات غربية.
ففي تصريح لافت أعلن وزير الاستخبارات الإيراني محمود علوي مؤخرا أن عنصرا من القوات المسلحة الإيرانية شارك في التحضير لعملية اغتيال محسن فخري زاده.

وبعد اغتيال فخري زاده، في نوفمبر 2020، نقل التلفزيون الرسمي الإيراني عن وزير الدفاع السابق حسين دهقان قوله إن فخري زادة قُتل بسبب "اختراق منظومة إيران الأمنية"، وذلك في ضوء تعيين قوة الأمن التابعة للحرس الثوري الإيراني حراسة خاصة وضباطاً لحماية كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين. وفي الأثناء، أشار خبراء أمنيون إلى أن "خصوم" إيران اكتشفوا نقط ضعفها، وأن "عجزها" عن إحباط مثل تلك العمليات قد يشجع على محاولة القيام بأخرى في المستقبل.

وبحسب تقرير لـ"رويترز"، نقلت عن مسؤول إيراني، قوله "هذا ضعف أمني، وهناك كثير من الأسئلة بحاجة إلى أجوبة". وأوضح "ينبغي أن نعرف، هل هناك جواسيس بين أفراد الأمن ونحدد موقع التسريب. هذا ضروري لنا". ونقلت عن كسرى عربي، المحلّل المتخصّص في شؤون إيران في معهد توني بلير للتغيّر العالمي (مؤسسة بحثية)، قوله "هناك قدر من الاختراق، وهذا أكثر ما يقلق الجمهورية الإسلامية".

من أسئلة "الاختراق" والاستهداف "السهل" للأهداف الإيرانية، يبحث المراقبون إذا ما أصبحت إيران عاجزة عن حماية نفسها. وبحسب تحليل نشرته مجلة "ذي ناشونال إنتريست"، فإن "عجز طهران عن إيقاف اختراقات أراضيها جعل صدقيتها وأسطورة قوتها الثورية محل تشكيك". وذكر التحليل الذي كتبه الصحافي الأميركي كامبيز فروهر، "يبدو أنه بعد أكثر من أربعين عاماً من اتقاد شعلة الحماسة الثورية الإيرانية وقبضتها التي لا تُضاهى، بات المسؤولون في الجمهورية الإيرانية في وضع يحاولون فيه القيام بدور الشرير الصارم"، سائلاً "هل بات تمثيلهم غير مقنع، أم أن الأمر يتعلق بأن الستار قد سقط، ليكشف عن ساحر رديء المستوى وعاجز عن التلاعب والتحكم في الخيوط التي تكفل تصديقه والإيمان بثوريته".

ويرى فروهر أنه في واقع الأمر، كان 2020 عاماً مروعاً على الجمهورية الإيرانية، بعد سنوات من نخر "السوس" جسد نظام ولاية الفقيه، موضحاً أنه بعد سنوات من تمويل الجماعات المسلحة وإطلاق التهديدات، يبدو من المفارقات أن ساحة الجمهورية الإيرانية باتت ملعباً تمرح فيه أجهزة الاستخبارات الأجنبية مرة تلو المرة.

ويعدّد تحليل "ذي ناشونال إنتريست" أبرز الاختراقات التي واجهتها إيران على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، التي جاء أبرزها اقتحام فريق من العملاء الإسرائيليين خزائن منشأة سرية إيرانية في منطقة توركوز آباد في جنوب العاصمة طهران، ليستولوا على نصف طن من وثائق الأرشيف النووي الإيراني، واغتيال الجنرال سليماني، في غارة أميركية بطائرة مسيّرة بعد هبوط طائرته في بغداد، واغتيال فخري زاده، وهو في طريقه إلى بيته على تخوم طهران، بعد سلسلة من الأعمال التخريبية المثيرة التي استمرت طيلة الصيف ضد بعض المواقع النووية الإيرانية "الأشد حساسية"، وعلى رأسها درة التاج الإيرانية، منشآت البرنامج النووي في نطنز، فضلاً عن إطلاق فرقة من عملاء "الموساد" الإسرائيلي النار على المسؤول الثاني في تنظيم "القاعدة"، عبدالله أحمد عبدالله، الذي كان يحمل الاسم الحركي أبو محمد المصري، في أحد أرقى شوارع طهران في أغسطس (آب) 2020.

وتشير عمليات القتل المتباينة هذه، وفق فروهر، إلى أن لدى "خصوم" إيران فرقاً متعددة في داخلها وبقدرات تتجاوز نظيرتها في وحدة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري الإيراني، التي يبدو أنها تركز على الأكاديميين المعارضين وذوي الجنسية المزدوجة، على حد قوله. واعتبر أن مثل هذه العمليات "تمثل ضربة لصورة الجمهورية الإيرانية في الشرق الأوسط وخارجه، إذ لم تستطع حماية عمق أراضيها وأصولها، فكيف يمكنها توفير الأمن والحماية لحلفائها وقادة الجماعات المسلحة؟".

وفي تحليل آخر، تقول صحيفة "التايمز" البريطانية، إن تناقض الروايات الإيرانية المتواصل لتبرير تكرار الاستهدافات والاغتيالات بين صفوف أبرز شخصياتها، يؤشر إلى وجود ارتباك داخل مؤسساتها، لا سيما العسكرية منها، وبخاصة الحرس الثوري، موضحة أن مثل تلك الحوادث يضع القادة الإيرانيين في حرج كبير أمام تلك العمليات "المعقدة التي تتم في عمق أراضيهم".